فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأوساط الدولية بإعلانه عن اختراق دبلوماسي محتمل في خضم المواجهة العسكرية المباشرة مع طهران، كاشفاً عن تواصل إدارته مع من وصفه بالرجل "الأكثر احتراماً والقائد" في إيران، للتوصل إلى "نقاط اتفاق رئيسية" تنهي الحرب المستعرة منذ ثلاثة أسابيع. وفيما تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن الشخصية المعنية هي رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، يبرز تساؤل جوهري حول إمكانية تحول "الجنرال البراغماتي" إلى حلقة وصل لإنهاء "مستنقع" الاستنزاف المتبادل.
ففي تطور مفاجئ يعكس تحولات محتملة في مسار الحرب، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إدارته تجري اتصالات مع “مسؤول إيراني كبير” لم يسمّه، مؤكداً التوصل إلى “نقاط اتفاق رئيسية” ضمن محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.
وخلال حديثه للصحافيين في فلوريدا، أوضح ترامب أن واشنطن “تتعامل مع الرجل الذي نعتقد أنه الأكثر احترامًا والقائد في إيران”، مضيفاً أن الهدف يتمثل في “وقف تخصيب اليورانيوم”، مع الإشارة في الوقت ذاته إلى الرغبة في التعامل مع مخزون طهران من اليورانيوم المخصّب. كما تحدث عن “تغيير تلقائي في النظام” داخل إيران، في وقت سبق أن أكد فيه رغبته بالمشاركة شخصياً في اختيار “الزعيم الإيراني القادم”، معتبراً أن نجل المرشد، مجتبى خامنئي، “غير مقبول”.
في موازاة ذلك، كشف موقع أكسيوس أن المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يجريان مفاوضات مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، وسط مساعٍ لعقد اجتماع محتمل في إسلام آباد خلال الأيام المقبلة، بمشاركة أطراف أميركية وإيرانية، إلى جانب وسطاء إقليميين.
غير أن قاليباف سارع إلى نفي هذه التقارير، مؤكداً عبر منصة “إكس” أنه “لم تجر أي مفاوضات مع الولايات المتحدة”، واصفاً الأنباء المتداولة بأنها “أخبار زائفة تُستخدم للتلاعب بأسواق المال والنفط، والخروج من المأزق الذي وقعت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل”. كما نقلت وكالة رويترز عن مسؤول إيراني أن واشنطن طلبت لقاءً مع قاليباف، دون أن تحسم طهران موقفها من المقترح حتى الآن.
ويأتي هذا الجدل في وقت يتصاعد فيه دور قاليباف داخل هرم السلطة الإيرانية، خاصة مع تراجع حضور شخصيات نافذة عقب الضربات الأميركية-الإسرائيلية التي استهدفت القيادة السياسية، بما في ذلك مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي. ويُنظر إلى قاليباف، الذي شغل سابقاً مناصب عسكرية وأمنية بارزة في الحرس الثوري، ورئاسة بلدية طهران، ثم رئاسة البرلمان منذ عام 2020، كحلقة وصل بين مراكز القوة السياسية والأمنية والدينية في البلاد.
وبرزت مواقف قاليباف المتشددة في أعقاب التصعيد، حيث توعّد الولايات المتحدة وإسرائيل بـ“ضربات مدمرة”، معتبراً أنهما “تجاوزتا الخط الأحمر”. كما حذّر من أن استهداف منشآت الطاقة الإيرانية سيقود إلى “تدمير لا رجعة فيه” للبنية التحتية في المنطقة، وأن الرد الإيراني قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط.
وتعود جذور صعود قاليباف إلى مسيرته العسكرية خلال الحرب العراقية-الإيرانية، حيث انضم إلى الحرس الثوري وتدرّج سريعاً حتى أصبح جنرالاً، قبل أن يتولى قيادة القوات الجوية للحرس، ثم قيادة الشرطة، حيث ارتبط اسمه بسياسات أمنية صارمة، من بينها التعامل العنيف مع الاحتجاجات. لاحقاً، اتجه إلى العمل السياسي، فترشح للرئاسة عدة مرات دون نجاح، قبل أن يكرّس حضوره بتوليه رئاسة البرلمان.
ورغم خطابه المتشدد، حاول قاليباف تقديم نفسه كشخصية براغماتية ذات توجه إصلاحي محدود، خاصة خلال حملته الرئاسية عام 2005، إلا أن صعود منافسه محمود أحمدي نجاد حال دون وصوله إلى الرئاسة، في وقت مال فيه المرشد السابق لدعم الأخير.
ومع استمرار الحرب منذ نحو ثلاثة أسابيع عقب الهجوم الذي أودى بحياة خامنئي، تخوض طهران معركة استنزاف معقدة، في ظل ضغوط عسكرية وسياسية متصاعدة، بينما تتضارب التصريحات بشأن وجود مفاوضات من عدمها، بين تأكيدات أميركية ونفي إيراني قاطع، يعكس حجم التعقيد في المشهد.
وفي ختام موقفه، شدد قاليباف على أن “جميع المسؤولين الإيرانيين يقفون صفاً واحداً خلف قيادتهم وشعبهم”، مجدداً نفي أي مفاوضات مع واشنطن، ومؤكداً أن ما يُتداول “ليس سوى محاولات للتلاعب بالأسواق والهروب من المأزق”، في وقت تظل فيه احتمالات التهدئة رهينة مسار اتصالات غير محسومة، وسط تصعيد عسكري مستمر وتهديدات متبادلة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news