الولايات المتحدة بين مأزق أفغنة إيران وفريضة الدفاع عن إسرائيل قراءة في منطق أفول الحضارات

     
عدن توداي             عدد المشاهدات : 25 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
الولايات المتحدة بين مأزق أفغنة إيران وفريضة الدفاع عن إسرائيل قراءة في منطق أفول الحضارات

 

عدن توداي

د. جمال الهاشمي

تدخل الولايات المتحدة طورا دقيقا من أطوارها الاستراتيجية حيث يتقاطع عاملان ضاغطان من جهة خطر الانزلاق إلى سيناريو أفغنة إيران؛ أي التحول من قوة ضابطة إلى قوة مستنزفة في بيئة معقدة متعددة الفاعلين .

ومن جهة أخرى التزام شبه عقائدي بالدفاع عن إسرائيل باعتباره جزءا من بنية الأمن القومي الأمريكي وليست خيارا سياسيا مؤقتا و هذا التوتر البنيوي لا يمكن فهمه بمعزل عن القوانين العميقة التي تحكم صعود الحضارات وأفولها كما صاغها أرنولد توينبي في نظريته عن التحدي والاستجابة وكما تعكسها المقاربات الدورية التي ترى أن الإمبراطوريات تسقط عندما تفشل في إدارة فائض قوتها المتضخمة التي روج لها ترامب كفوة قاهرة .. ورغم انها كذلك إلا أن هذه القوة تتفتت عندما تكون المواجهة مع فكر عقائدي قتالي شرقي لأن المشرق الاسيوي يمتلك إرادة صلبة وعنف عميق لا يقبل الهزيمة بسهولة ولذلك نجد أن إيران أشبه من حيث التكوين الجغرافي والبنية الصلبة بالطبيعة الأفغانية في أعلى شمال قوس الأزمات والطبيعة اليمنية في الجنوب من هذا القوس .

وهنا نجد أن القوة الحضارية حينما تتحول التزاماتها الخارجية إلى عبء يتجاوز قدرتها على التكيف

وفق منطق توينبي فإن الحضارة لا تنهار بسبب التحديات في حد ذاتها وإنما بسبب عجز النخبة الحاكمة عن إنتاج استجابة خلاقة تتناسب مع طبيعة التحدي .

والتحدي الإيراني اليوم ليس عسكريا صرفا وإنما هو مركب جيوسياسي وأيديولوجي وشبكي كما أنها لا يمكن اعتبارها دولة تقليدية يمكن احتواؤها عبر الردع المباشر لأنها منظومة نفوذ تمتد عبر وكلاء وبيئات رخوة ومساحات غير متماثلة هنا يبرز خطر الأفغنة تحويل الصراع إلى استنزاف طويل منخفض الكلفة لإيران مرتفع الكلفة للولايات المتحدة كما حدث في أفغانستان حيث فشلت القوة العظمى في تحويل تفوقها العسكري إلى حسم سياسي

وفي المقابل الالتزام بالدفاع عن إسرائيل يفرض على واشنطن سقفا عاليا من التدخل ويقيد قدرتها على المناورة هذا الالتزام الذي بدأ كأداة توازن إقليمي تطور إلى ما يشبه الالتزام البنيوي الذي يعيد تشكيل أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.

إن المشكلة هنا ليست في الدعم ذاته وإنما في تحوله إلى عامل استنزاف استراتيجي إذا تزامن مع بيئة إقليمية متفجرة وتحديات عالمية متصاعدة من الصين إلى روسيا وبهذا المعنى تصبح الولايات المتحدة أمام معادلة اختناق كلما عززت حضورها لحماية إسرائيل زادت احتمالات الانخراط في صراعات غير متكافئة مع إيران وأذرعها وكلما حاولت تقليص الانخراط ظهرت بمظهر المتراجع ما يقوض مصداقيتها لا سيما وأن ترامب أظهر احتياجا لمشاركة حلفائه الذين تركهم في أوكرانيا وليس هذا فحسب بل زاد من التضيق الاقتصادي عليهم بالاستراتيجية الجمركية أو بالمقايضة الجغرافية وقد أدركت أوروبا أنها أمام خطر مزدوج بين روسيا وامريكا وأن المصالح القومية فوق أي مبادئ أخلاقية وهو ما دفعها نحو التخلي عن أمريكا ليس رغبة في تدميرها وإنما تأديبها وتوجيه رسالة لها بأنها بدون أوروبا لن تكون قادرة وقوية على فرض هيمنتها وأنها بدون أوروبا كجغرافية متقدمة لوجودها في الشرق الأوسط أو أفريقيا أو حتى لمواجهة المارد العسكري الروسي والعملاق الاقتصادي التكنولوجي الصيني .

وهنا نجد أن النماذج التاريخية لانهيار الحضارات تقدم إطارا تفسيريا صارما في المقاربة الدورية التي ترتبط بتحليلات منسوبة إلى تيودور في فهم الدولة الإمبراطورية .

ويظهر لنا أن القوى العظمى تمر بثلاث مراحل حرجة: أولها التوسع ثم التشبع ثم الإرهاق.

و في مرحلة الإرهاق لا تعود المشكلة في نقص الموارد وإنما في سوء توزيعها وتضخم الالتزامات الخارجية مقارنة بالقدرة على إدارتها وهو ما يدفع الخلفاء أو حتى الولايات التابعة التوجه نحو نزعات انفصالية على غرار الدولة العثمانية أيضا .

وكذلك الإمبراطورية الرومانية التي لم تسقط فجأة وإنما تآكلت تحت ضغط حدود مترامية وجيوش مكلفة ونخب عاجزة عن الإصلاح وطبقات أوليجاركية تقدم مصالحها النخبوية على حساب الدولة .

وكذلك الاتحاد السوفيتي الذي لم يهزم عسكريا بقدر ما انهار تحت وطأة سباق تسلح واستنزاف في أطرافه خاصة في أفغانستان حيث كانت أفغانستان على أطرافه وكلما كان الطرف مأزوما زاد من احتمالية استنزاف الدولة .

وإذا أسقطنا هذا النموذج على الحالة الأمريكية نجد أن خطر أفغنة إيران يمثل بوابة الدخول إلى مرحلة الإرهاق أي انخراط عسكري مباشر أو شبه مباشر مع إيران بحيث لن يكون حربا تقليدية وإنما سلسلة من الاشتباكات غير المتكافئة عبر وكلاء في مسارح متعددة الخليج العراق سوريا لبنان وربما ما هو أبعد هذا النوع من الحروب بحيث لا يحسم أو يكون له سقف زمني وهو ما يجعل عامل إنهاء الحروب بيد طرفي الصراع وكلاهما في هذا الصراع يريد أن يثبت انتصاره وتفوقه مع أن كلا الطرفين يريد الخروج من هذه الأزمة غير أن طبيعة ترامب الشخصية تأبى أن تقر بالفشل بينما لا تقبل العقيدة الأيدلوجية الإيرانية بالهزيمة وهو ما يجعل إيران أمام خيارين أولها الانتصار بالشروط الذي يريدونها أو الخيار الثاني والذي يمكن الإشارة إليه بالثقافة الحسينية وهذا النوع من الصراع العقائدي صعبا ولا يمكن مواجهته إلا بعقيدة مماثلة.

ومثل هذا النوع غالبا ما يدار بطريقة الأزمات وكثيرا ما ينتهي بإعادة إنتاج الأزمة بدل حلها ولنا في ذلك نموذج اليمن وأزماته المعاصرة ونموذج العراق وسوريا وغزة والسودان وليبيا وحاليا لبنان .

وهنا تكمن المفارقة فالقوة العسكرية الأمريكية وهي الأعظم في التاريخ ولكنها تصبح أقل فاعلية كلما كان الصراع ليس متماثلا وهو ما يفرض عليها اربع اختيارات:

1- التخلي عن إسرائيل وهو ما يعني التسريع بانهيار أمريكا من الداخل .

٢- التنازل والخضوع لشروط ومبادئ الاتحاد الأوربي ومقايضة خروج أمريكا أو انتصارها مع إيران في مقابل دعم أمريكا لأوروبا في حربها مع أوكرانيا .

٣’ القبول بشروط إيران وتعويضها وهو ما يعني إعادة مكانتها كما كانت قبل الحرب بل وضمان تفوقها.

٤- استمرار الاستنزاف المتبادل للقوتين حتى يحدث تغيرات داخل النظام الأمريكي .

مقالات ذات صلة

من لايعرف المناضل غرسان العاطفي المناضل الشرس وعاشق الساحات الجنوبية.

معين اللولي يكتب.. الصبيحة وفيروس الثأر القاتل

وهنا نجد أن الدفاع عن إسرائيل يفرض انحيازا هيكليا يحد من قدرة الولايات المتحدة على لعب دور الوسيط أو الموازن مما يزيد من حدة الاستقطاب الإقليمي ويمنح إيران مبررا لتعزيز خطابها التعبوي ومن ثم يفقدها مصداقية الالتزام بقراراتها وهو ما يعني فقدان ثقة النظام السياسي بأي توجهات أمريكية لحل الأزمة ما لم تكن هناك ضمانات ومن أهم هذهةالضمانات التعويض المباشر قبل انتهاء الحرب كبداية لاستئناف المفاوضات .

إن هذا التفاعل يولد حلقة مفرغة فكل تصعيد إسرائيلي يستدعي ردا إيرانيا غير مباشر وكل رد إيراني يستدعي دعما أمريكيا أكبر مما يوسع دائرة الاشتباك تدريجيا.

فهل تستطيع النخبة الأمريكية إنتاج استجابة خلاقة تكسر هذه الحلقة لا سيما وأن الاستجابة التقليدية القائمة على الردع العسكري والعقوبات الاقتصادية أثبتت محدوديتها .

إذا فإن المطلوب هو تحول نوعي في التفكير الاستراتيجي يقوم على تقليل الالتزامات المباشرة وتفكيك شبكات الصراع بدلا من مواجهتها دفعة واحدة وإعادة تعريف العلاقة مع الحلفاء على أساس تقاسم الأعباء وليس احتكار الحماية.

أما وفق المنظور الدوري فإن استمرار الولايات المتحدة في الجمع بين التزامات عالمية متضخمة وصراعات إقليمية مفتوحة سيعجل بدخولها مرحلة الإرهاق البنيوي.

و ليس المقصود هنا انهيارا وشيكا بل تراجعا تدريجيا في القدرة على فرض الإرادة وهو الشكل الأكثر شيوعا لأفول الإمبراطوريات

أن مأزق الولايات المتحدة ليس في قوة خصومها بقدر ما هو في تعقيد التزاماتها أفغنة إيران التي تعد فخا للاستنزاف وفريضة الدفاع عن إسرائيل التي تمثل قيد الحركة و بين الفخ والقيد يتحدد مستقبل الدور الأمريكي.

فإذا لم تنتج واشنطن استجابة استراتيجية تتجاوز الأدوات التقليدية فإنها قد تجد نفسها كما في نماذج التاريخ قوة عظمى تملك كل عناصر القوة لكنها تعجز عن توظيفها بكفاءة وهو التعريف العملي لبداية الأفول.

تحرير المقال

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

وقف دعم الحوثيين يتصدر قائمة شروط فريق ترامب الستة لإنهاء الحرب مع إيران

حشد نت | 1011 قراءة 

حديث سعودي صادم وغير متوقع بشان الحو ثيين

كريتر سكاي | 624 قراءة 

ظهور "رجل الشرعية" في الرياض.. هل بدأ العد التنازلي لإعادة ترتيب المشهد اليمني؟

الوطن العدنية | 585 قراءة 

فنان يمني عاد من الغربة بعد 15 سنة .. ولحظة وصوله مطار عدن حدثت المفاجأة التي لا تخطر على بال

المشهد اليمني | 528 قراءة 

شاهد | معركة “هرمجدون” ونهاية العالم.. حلقة جديدة من “بودكاست برَّان” تناقش الأبعاد الدينية للصراع الجاري بالمنطقة (فيديو + صوت)

بران برس | 386 قراءة 

هذه الحقيقة الكاملة لاقتحام منزل الزبيدي.. مصدر عسكري يكشف ما جرى في جولد مور

باب نيوز | 317 قراءة 

الحوثيون يستنفرون عسكرياً ويدفعون بتعزيزات ضخمة تحسباً لهجوم وشيك

باب نيوز | 295 قراءة 

بعد تلاوة بيان حل الانتقالي الجنوبي.. الصبيحي يعود وتفاصيل أول ظهور علني ستُغير المشهد!

المشهد اليمني | 285 قراءة 

ما الذي يحدث ؟ تحركات عسكرية في عدن.. إخراج قوات من محيط الانتقالي وسط أنباء تغييرات مرتقبة

يني يمن | 284 قراءة 

عاجل : ترامب يعلن تأجيل الضربات على منشآت الطاقة في إيران وبدء محادثات أمريكية - إيرانية

شبكة اليمن الاخبارية | 276 قراءة