*عزالدين سعيد الأصبحى:
**مع اشتداد معارك التشظّى فى هذا الوطن العربى الممتد من الماء إلى الماء، يخيّل للبعض أن الحديث عن مشروع عربى صار ضربا من الحنين أو ترفا فكريا لا يليق بزمن الخراب.
لكن، وعلى عكس هذا الظنّ السائد، يزداد الإيمان – لا ينقص – بضرورة إحياء فكرة المشروع العربى، كخيارٍ وجودى لا رفاهية سياسية.
نعم، نحن أمام حالة إحباطٍ جماعى غير مسبوقة؛أمة لم تتفق – حتى اللحظة – على رؤية جامعة، ولا حتى على رؤية هلالٍ شهر رمضان المبارك.
ومع ذلك، نُطالِبها- بل نُطالِب أنفسنا- برؤية سياسية متكاملة، قادرة على صون الحاضر وحماية المستقبل.
نعم لأن ذلك ما يجب ان يكون.
الحرب الدائرة اليوم لا تُخفى شيئاً… بل تكشف كل المستور، وتعرّى خرائط النفوذ ومشاريع الهيمنة.
هناك مشروعٌ إيرانى يقاتل للبقاء مهيمنا، لا يرى لنفسه موطئ قدمٍ إلا فوق أنقاض هذه الأمة.
ومشروعٌ صهيونى، يؤمن- بخرافة – أن حياته لا تكتمل إلا على موت العرب .
وبين هذين المشروعين، تتزاحم مشاريع أخرى، لا ترى فى العالم العربى سوى ساحة نفوذ، أو حقول غنيمة، أو خطوط تماس لمعارك الآخرين.
فى قلب هذا المشهد، تتقد الحرب الأمريكية الإيرانية كحريقٍ واسع، لا يُبقى ولا يذر.
لكن المفارقة القاسية أنها- رغم كل تناقضاتها- تتفق على شيءٍ واحد:
أن تكون المنطقة العربية هى ساحة النزال، وميدان الرسائل، ومختبر القوة.
تضرب إسرائيل العمق الإيرانى فى لحظات محسوبة، فتردّ إيران- لا على مصدر الضربة- بل على الجغرافيا العربية، وكأن الأرض العربية صارت بريدا لتبادل النيران.
ويتحول الخليج، بكل ما يمثله من ثقلٍ اقتصادى واستراتيجى، إلى مساحة قلقٍ دائم، مفتوحة على احتمالات التصعيد. بينما هو نافذة تواصل خلاق مع العصر، وكل الأمم.
وفى الشمال، لا يقل المشهد مأساوية.
تضرب إسرائيل لبنان، وتعيده- مرة بعد أخري – إلى حافة الانهيار، فى تكرارٍ مرهقٍ لدورة الألم، حيث يدفع بلدٌ الأرز الجميل ثمن صراعاتٍ أكبر من الجميع، وأثقل من احتماله.
أما الشعارات، فحدّث ولا حرج.
تهتف جموع الحرس الثورى الإيرانى: «الموت لأمريكا»، لكن الصواريخ تسقط فى فضاءٍ الخليج العربى .
وتدعو الولايات المتحدة حلفاءها العرب إلى مواجهة إيران، دفاعا عن قرارها هى لا لموقف اتخذه العرب.
فيجد العربى نفسه – مرة أخري- فى قلب معركةٍ لم يخترها، لكنه يدفع كلفتها كاملة.
هكذا، يبدو المشهد كأن الجميع- بلا استثناء – يتقاطعون عند نقطةٍ واحدة: إبقاء العالم العربى فى حالة استنزافٍ دائم، منع استقراره، وتعطيل نهوضه، وإجهاض أى محاولة لتوحيد موقفه أو صياغة مشروعه.
ليس المطلوب اليوم ترفَ الخطابات، ولا اجترارَ شعارات الوحدة القديمة، بل إعادة تعريف المشروع العربى بوصفه مشروع بقاء.
مشروعٌ يبدأ من الحدّ الأدنى: حماية الدول من الانهيار، تحصين القرار الوطنى من الارتهان، وبناء مساحات مشتركة للتنسيق، ولو كانت صغيرة، لكنها حقيقية.
فالأمة التى تُترك ساحةً لرسائل الآخرين، وتُستباح جغرافيتها لتصفية الحسابات، لن يكون مصيرها إلا مزيدا من التشظّي… ومزيدا من الغياب.
ومع ذلك، يبقى الأمل- كما كان دائما – فكرةً تقاوم الانكسار.
ففى قلب هذا الركام، لا يزال هناك متسعٌ لحلمٍ عربى، إن لم يُنقذ الماضى، فربما ينقذ ما تبقّى من المستقبل.
والأزمات الكبرى تبقى اختبارا حقيقيا لصنع التحولات الكبرى والمراجعات العميقة فى السياسات والمواقف.
والتخلى عن التموضعات الصغيرة.
فكل أزمة تصنع العلاقات الصادقة، وتكشف هشاشة من يتوارى عند الشدّة وكما قيل ذات لحظة تأمل: من لم يكن معى فى هبوب العاصفة، لا أحتاجه بعد أن تهدأ الرياح.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news