كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، في تقرير تحليلي موسع، عن تحول جوهري في الاستراتيجية العسكرية والسياسية التي يتبعها مليشيا الحوثي خلال الفترة الراهنة.
وأوضحت الصحيفة أن الجماعة، التي برزت خلال العامين الماضيين كأبرز فاعل عسكري فيما يُعرف بـ "محور المقاومة" بفضل هجماتها الصاروخية والمسيّرة على إسرائيل وعمليات اختطاف السفن في البحر الأحمر، تتجه حالياً نحو تبني سياسة "تجنب المواجهة المباشرة"، رغم اتساع رقعة الصراع وتصاعد التوترات الإقليمية إلى مستويات غير مسبوقة.
ووفقاً للتقرير، فإن هذا التراجع النسبي في وتيرة العمليات العسكرية الظاهرة يأتي عقب مرحلة من النشاط المكثف منحت الحوثيين وزناً استراتيجياً كبيراً على الخارطة الجيوسياسية، غير أن هذا الزخم تباطأ ليحل محله طابع الحذر الشديد والترقب، وهو تحول فسره المحللون بعدة عوامل مترابطة.
يرى مراقبون أن الضربات الأمريكية المكثفة التي طالت بنية الحوثيين القيادية وشبكات اتصالاتهم خلال العام الماضي كانت الدافع الرئيسي لهذا التغير؛ إذ أجبرت الجماعة على إعادة ترتيب أوراقها العسكرية وتقييم قدراتها في ظل الخسائر التي لحقت بها.
وفي المقابل، يذهب فريق آخر من الخبراء إلى أن ما يجري ليس انكساراً بل هو جزء من تكتيك مدرض ومنسق مع الحليف الاستراتيجي (إيران)، يقوم على استراتيجية "حرب الاستنزاف" طويلة الأمد.
وتستهدف هذه الاستراتيجية رفع الكلفة الاقتصادية والعسكرية تدريجياً على الولايات المتحدة وحلفائها، مع الحرص التام على تجنب الانخراط في مواجهة مباشرة ومفتوحة قد تؤدي إلى استنزاف قدرات الجماعة، بهدف الحفاظ عليها كقوة احتياطية مؤثرة.
ونقل التقرير عن الباحث في مجموعة الأزمات الدولية، أحمد ناجي، تأكيده أن "عامل الوقت" بات يشكل الركيزة الأساسية في الحسابات الاستراتيجية لكل من طهران وصنعاء.
وأوضح ناجي أن إطالة أمد الصراع يُعد خياراً مقصوداً يهدف إلى إنهاك الخصوم وإرباك موازين القوى لديهم على المدى البعيد، بدلاً من البحث عن حرب خاطفة وحاسمة.
وعلى الصعيد الميداني، رصد التقرير تحركات عسكرية ملموسة للحوثيين على امتداد سواحل البحر الأحمر، وتحديداً في محيط مدينة الحديدة.
وشكلت هذه التحركات مؤشراً على استعدادات جارية لاحتمالات تصعيد قادم، على الرغم من استمرار الخطاب السياسي والإعلامي للجماعة الذي يركز على "الجاهزية" دون الإقدام على الانخراط الفعلي في المواجهة في الوقت الراهن.
كما لفت التقرير إلى أن الحوثيين لا يزالون يحتفظون بقدرات مؤثرة وعالية الخطورة، تتمثل في قدرتهم على استهداف الأراضي الإسرائيلية، وتشديد الخناق على الملاحة الدولية، فضلاً عن الإمكانية اللوجستية لتوسيع نطاق عملياتهم لتشمل منشآت نفطية حيوية، مما يجعلهم عنصراً فاعلاً لا يمكن تجاهله في أي معادلة تصعيد مستقبلية.
وفي الختام، خلص تقرير "فايننشال تايمز" إلى أن الموقف الحالي للحوثيين لا يعكس بأي حال من الأحوال انسحاباً من المشهد الإقليمي، بل يجسد مرحلة دقيقة من "الانتظار المحسوب".
وتترك هذه المرحلة جميع الخيارات مفتوحة أمام الجماعة، تتراوح بين خيار التصعيد المباشر السريع، أو خيار إدارة الصراع من الخلف وفقًا لتطورات المشهد الإقليمي ومسار المباحثات المحتملة مع السعودية التي قد تفضي إلى تهدئة نسبية ومكاسب سياسية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news