عادت العمليات الإرهابية في اليمن لتذكّر اليمنيين بتهديداتها، مستهدفة قيادات سياسية فاعلة في محاولة لإرباك جهود الاستقرار وإضعاف المشروع الوطني، وتحمل رسائل واضحة تهدف إلى زعزعة العمل السياسي المنظم وتقويض القوى الوطنية التي تمثل مشروع استعادة الدولة وتعزيز مؤسساتها.
وتندرج محاولة اغتيال القيادي في التجمع اليمني للإصلاح ورئيس دائرته الفنية، الأستاذ عادل الروحاني، واستشهاد عدد من مرافقيه، في مأرب صباح الأربعاء الماضي، ضمن سلسلة مستمرة من العمليات الإرهابية التي استهدفت شخصيات سياسية بارزة، والتي جاءت في توقيت حسّاس تشهده البلاد، ويعكس الحاجة الماسة إلى مزيد من التكاتف الوطني وتعزيز الإجراءات الأمنية في المحافظات المحررة، لضمان حماية القيادات الوطنية والمحافظة على مسار الاستقرار السياسي والوطني.
حملت هذه الجريمة الإرهابية دلالات سياسية وأمنية عميقة، وعكست حجم التحديات التي تواجهها القوى الوطنية في اليمن، فهي تأتي في سياق استمرار محاولات استهداف القيادات المؤثرة في المشهد السياسي، منذ انقلاب مليشيات الحوثي على مؤسسات الدولة، مما يجعل كل عملية اغتيال جزءًا من محاولة منهجية لزعزعة الاستقرار وتقويض جهود استعادة الدولة وحماية مشروعها الوطني.
كما أعادت الجريمة إلى الواجهة ملف الاغتيالات السياسية، الذي ظل حاضرًا منذ الانقلاب الحوثي على الدولة، مستهدفًا بشكل لافت قيادات وكوادر الأحزاب الداعمة للدولة، وفي مقدمتها التجمع اليمني للإصلاح، الذي تكبّد خسائر بشرية كبيرة نتيجة تلك العمليات الإرهابية على مدى عشر سنوات.
وتضع هذه التطورات المؤسسات الأمنية أمام اختبار حقيقي، ليس فقط في ملاحقة الجناة، بل في القدرة على منع تكرار مثل هذه الحوادث، وحماية الفضاء السياسي من الانزلاق نحو دائرة العنف والإرهاب السياسي الممنهج.
إجماع على رفض الإرهاب
قوبلت محاولة اغتيال القيادي الإصلاحي "عادل الروحاني" أثناء عودته من أداء العمرة في محافظة مأرب، بموجة إدانات واسعة من مختلف القوى السياسية، في مشهد عكس حالة إجماع وطني على رفض العنف واستنكار استهداف العمل السياسي.
وفي هذا الصدد، أدانت أحزاب محافظة مأرب الجريمة بأشد العبارات، ووصفتها بأنها اعتداء سافر على القيم الإنسانية والوطنية، وتهديد خطير لأمن واستقرار المحافظة، مؤكدة تضامنها الكامل مع الروحاني، ودعت إلى سرعة ملاحقة الجناة وتعزيز الإجراءات الأمنية في المحافظة.
كما دان التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية العملية، معتبرًا أنها تكشف عن وجود قوى تسعى لضرب الصف الوطني وإشعال الفتنة، واستهداف كل من يقف في وجه مشاريع الفوضى والانقلاب، مطالبًا بتحقيق عاجل وشفاف ومحاسبة المتورطين.
جريمة إرهابية غادرة
كما أدان التجمع اليمني للإصلاح، بأشد العبارات، محاولة اغتيال القيادي عادل الروحاني، واصفًا الحادثة بأنها جريمة إرهابية غادرة أسفرت عن استشهاد ثلاثة من مرافقيه أثناء عودتهم من أداء العمرة.
واعتبر الحزب أن هذه الجريمة تمثل عملاً إجراميًا جبانًا يتنافى مع القيم الدينية والإنسانية، ويعكس تصاعد استهداف القيادات السياسية في البلاد، وطالب الجهات الأمنية في محافظة مأرب بتحمل مسؤولياتها الكاملة، داعيًا إلى سرعة ضبط الجناة وفتح تحقيق شفاف يكشف ملابسات الجريمة ويضمن عدم إفلات المتورطين من العقاب.
كما عبّر عن بالغ حزنه لاستشهاد مرافقي الروحاني، مقدمًا التعازي لأسرهم، ومتمنيًا الشفاء العاجل للمصابين، مشيرًا إلى أن هذه الجريمة تأتي ضمن سلسلة اغتيالات ممنهجة استهدفت قياداته وأعضاءه في عدة محافظات، مؤكدًا تمسكه بخياره الوطني ونهجه السلمي، واستمراره في الدفاع عن الدولة والنظام الجمهوري رغم التضحيات.
تحرك رسمي
على الصعيد الرسمي، تحركت وزارة الداخلية بسرعة، إذ وجّه وزير الداخلية اللواء الركن إبراهيم علي حيدان بتشكيل لجنة تحقيق عاجلة لكشف ملابسات محاولة الاغتيال، وتعقب العناصر المتورطة وضبطها وتقديمها للعدالة.
وأكد الوزير، خلال متابعته للحادثة، أن الأجهزة الأمنية لن تتهاون في أداء واجبها، مشددًا على ضرورة ملاحقة الجناة، وتعزيز الإجراءات الأمنية بما يضمن حماية المواطنين والحفاظ على الاستقرار.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات الرسمية عكست إدراكًا رسميًا بخطورة الحادثة، ليس فقط من زاوية أمنية، بل باعتبارها تهديدًا مباشرًا للسلم المجتمعي، ومحاولة لزعزعة الاستقرار في واحدة من أهم المحافظات المستقرة نسبيًا.
ثمن باهظ في مواجهة التطرف
ودفع الإصلاح ثمنًا باهظاً في مواجهة التطرف، وزادت الفاتورة مع انقلاب مليشيا الحوثي التي شنّت حربًا استئصالية ضده، قيادة وقواعد ومقدرات خاصة بميدان العمل السياسي، وتلاحمت معها باقي القوى المتطرفة في البلاد.
وشملت حملات الاستهداف عمليات اغتيال قادة سياسيين ورموز مجتمعية ومشايخ قبائل وناشطين وإعلاميين ودعاة في شمال البلاد وجنوبها. وخلال الفترة من عام 2014 وحتى العام 2022، اغتيل أكثر من 35 قياديًا إصلاحيًا، بالإضافة إلى حملات اختطافات وترهيب ونهب طالت المئات، وبالأخص في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي.
وامتدت الحملات إلى عدن جنوبًا، حيث شهدت المدينة بعد تحريرها من مليشيا الحوثي عام 2015، سلسلة تصفيات واغتيالات طالت عشرات القيادات والرموز الإصلاحية، وتجاوزتها إلى عمليات إحراق وتفجير مقرات بسيارات مفخخة.
وإلى جانب حملات التشويه والتحريض، أطلقت المليشيا الحوثية وقوى التطرف المتخادمة معها حملة استهداف واسعة طالت إعلام الإصلاح من كوادر ومؤسسات.
وسجلت إحصائيات حقوقية 767 حالة انتهاك طالت كوادر الإصلاح الإعلامية، شملت 19 شهيدًا، و23 جريحًا، و22 حالة اختفاء قسري، و120 حالة اختطاف، و54 حالة تعذيب، و37 حالة فصل وظيفي، وتهجير ما يقارب 200 إعلامي إصلاحي. إضافة إلى اقتحام ونهب 22 مؤسسة إعلامية، وحجب 17 موقعًا إخباريًا.
الإصلاح في مواجهة الإرهاب
لا يمكن النظر إلى حادثة استهداف القيادي الإصلاحي عادل الروحاني بمعزل عن السياق الأوسع للعمليات الإرهابية التي استهدفت قيادات وكوادر حزب التجمع اليمني للإصلاح خلال السنوات الماضية، والتي طالت العديد من المحافظات اليمنية، من مأرب وتعز إلى عدن وصنعاء وذمار، والتي جاءت في إطار خطة ممنهجة تستهدف إضعاف قطاعات حزب الإصلاح السياسية والاجتماعية، وتقويض قدرته على الاستمرار في لعب دوره الوطني الفاعل.
ويمثل حزب الإصلاح أحد أبرز المكونات السياسية التي وقفت إلى جانب الدولة الشرعية وساهمت في جهود استعادة مؤسساتها، وهو ما جعله هدفًا مباشرًا لموجات من الاغتيالات والتفجيرات ومحاولات الترهيب المتكررة، فقياداته ونشطاؤه تعرضوا لعشرات العمليات الممنهجة التي شملت الاغتيالات المباشرة، وزرع العبوات الناسفة، واستهداف مقرات الحزب، في محاولة لتقويض حضوره الوطني وإبعاده عن المشهد السياسي.
ويؤكد سياسيون أن هذا النمط من الاستهداف يعكس طبيعة الحرب المستمرة في اليمن، والتي تجاوزت حدود المواجهة العسكرية لتشمل الهجوم على العمل السياسي، ومحاولة ضرب القوى الوطنية التي تمثل مشروع الدولة، وتستند إلى الشرعية والقانون والدستور. فالاغتيالات، في هذا السياق، لم تعد مجرد أعمال عنف، بل أصبحت أداة إستراتيجية لإضعاف مشروع الدولة واستنزاف القوى الوطنية الأكثر تأثيرًا.
وعلى الرغم من حجم الخسائر التي تكبدها الحزب، سواء من شهداء أو جرحى أو مهددين بالإرهاب المباشر، يواصل التجمع اليمني للإصلاح أداء دوره السياسي والاجتماعي، محافظًا على استقراره التنظيمي وحضوره الشعبي. هذا التمسك بمبادئه الوطنية جعله عرضة لمزيد من الضغوط والاستهداف، لكنه في الوقت نفسه يعكس قوة الحزب وصلابته أمام محاولات القمع والترهيب، ويؤكد استمراره في الدفاع عن الدولة ومؤسساتها وكرامة المواطنين.
استهداف منظّم للإصلاح
تُوصَف محاولة اغتيال القيادي الإصلاحي عادل الروحاني بأنها عمل إرهابي جبان، يعكس طبيعة الاستهداف الذي تتعرض له القيادات السياسية في اليمن، والذي لم يعد مجرد حوادث فردية، بل عمليات منظمة تقف خلفها أطراف تسعى لتحقيق أهداف محددة.
وفي هذا الصدد، أكد رئيس الدائرة الإعلامية للإصلاح بتعز أحمد عثمان، أن هذه الجريمة التي أسفرت عن استشهاد ثلاثة من مرافقي القيادي الروحاني وإصابته بجروح خطيرة، تشير إلى نمط متكرر من العمليات التي تستهدف قيادات حزب الإصلاح، ضمن سياق أوسع من الاغتيالات السياسية التي شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب.
وأضاف: "يُنظر إلى هذا الاستهداف باعتباره جزءًا من نهج ممنهج يقوم على التخطيط المسبق والترصد، بهدف إضعاف مكون سياسي فاعل من خلال استهداف رموزه وقياداته".
ورغم تكرار هذه الجرائم، لم تنجح في إيقاف دور الحزب أو التأثير على حضوره في المشهد السياسي، حيث واصل نشاطه في إطار العمل السياسي المشروع، مستندًا إلى قاعدته التنظيمية والشعبية، وفقا للقيادي أحمد عثمان.
وأكد عثمان أن هذه الحوادث والاغتيالات التي تستهدف الإصلاح والقوى الوطنية الفاعلة لم تعد مجرد أدوات للعنف، بل أصبحت وسيلة ضغط سياسي، تعكس طبيعة الصراع القائم ومحاولات إعادة تشكيله عبر استهداف الفاعلين فيه.
توقيت الاستهداف
كما أن محاولة اغتيال القيادي الإصلاحي عادل الروحاني في مأرب لا يمكن قراءتها كحادثة أمنية معزولة، بل جاءت ضمن سياق استهداف ممنهج لقوى وطنية اختارت الوقوف إلى جانب الدولة والجمهورية، وهو ما يجعل توقيتها ودلالاته أبعد من مجرد واقعة أو حادثة فردية.
وحسب القيادي الإصلاحي أحمد المقرمي، فإن هذه الحادثة تعكس استمرار الضغوط التي يتعرض لها حزب الإصلاح منذ نشأته، باعتباره أحد أبرز الفاعلين السياسيين ذوي المشروع الوطني الواضح، مما جعله هدفًا مباشرًا لقوى متعددة تسعى لإضعاف دوره وإقصائه من المشهد.
وأشار إلى أن دوافع الاستهداف ترتبط بجملة من العوامل، في مقدمتها وضوح المشروع السياسي للحزب، وتماسكه التنظيمي، وامتداده الشعبي، إضافة إلى ثبات مواقفه، وهي عناصر جعلت منه رقمًا صعبًا في المعادلة الوطنية.
كما يأتي هذا التصعيد امتدادًا لسلسلة من العمليات السابقة التي استهدفت قيادات الحزب ومقارّه، في محاولات متكررة لزعزعة الثقة وإرباك المشهد السياسي، إلا أن نتائجها غالبًا ما جاءت عكسية، حيث عززت التماسك الداخلي والالتفاف الشعبي حول الإصلاح ومشروعه الوطني.
لماذا الإصلاح؟
يُعد حزب التجمع اليمني للإصلاح هدفًا رئيسيًا لعمليات الاغتيال، نظرًا لكونه أحد أكثر الأحزاب انتشارًا وتنظيمًا وتأثيرًا في المشهد السياسي، مما يجعله عائقًا أمام مشاريع تسعى للهيمنة عبر إزاحة القوى المنافسة.
ويرى مراقبون أن هذا الاستهداف يأتي في سياق مواقفه الداعمة لاستعادة الدولة، حيث لعب دورًا بارزًا في إسناد التحالف والمقاومة الشعبية، وهو ما منحه غطاءً سياسيًا واسعًا وأثار في المقابل استهدافًا مباشرًا من خصومه.
كما يرتبط الاستهداف برفض الحزب للمشاريع الطائفية والهويات الضيقة، وتمسكه بالهوية الوطنية الجامعة، مما وضعه في مواجهة مع قوى داخلية وخارجية تسعى لفرض أجنداتها.
ورغم اعتماد خصومه على الاغتيالات للضغط عليه وتغيير مواقفه، إلا أن التجارب السابقة أثبتت فشل هذه الرهانات، حيث لم تؤدِ إلى تراجع الحزب أو تغيير مساره السياسي.
وحسب مراقبين، يعكس استمرار استهداف الإصلاح صراعًا أعمق بين مشروع وطني يسعى لبناء الدولة، ومشاريع أخرى تستخدم العنف لإعادة تشكيل المشهد بما يخدم مصالحها، لكنها حتما ستحصد الفشل.
ورغم التضحيات الكبيرة التي دفعها ولا يزال يدفعها الإصلاح جراء مساندته للدولة والشرعية، تبقى قدرة الحزب على الصمود والمواجهة مؤشراً على أن دماء الشهداء والتضحيات لم تذهب هدراً، وأن المشروع الوطني الذي يمثله سيستمر في مواجهة كل محاولات تقويض الدولة، رافضًا الانصياع للإرهاب أو الخضوع لضغوط القوى التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار ونشر الفوضى في البلاد.
ضريبة الموقف الوطني.. الإصلاح يدفع ثمن انحيازه للدولة واستعادة الشرعية
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news