منذ بداية شهر رمضان، اعتاد الأهالي في مناطق شمال محافظة حجة على إقامة موائد إفطار جماعية في كل قرية، حيث يجتمع الجيران والأقارب حول مائدة واحدة في أجواء من الألفة والتكافل، ويتنافس الجميع على تنظيم أكبر سفرة إفطار وجمع أكثر عدد من الناس.
لكن مساء أمس، شهدت قرية بني المش بمديرية حيران غربي المحافظة جريمة مروّعة حوّلت هذه الأجواء الروحانية والاحتفالية إلى صدمة وحزن. إذ استهدفت جماعة الحوثي مائدة إفطار تضم أفراد عدد من العائلات بهجوم صاروخي، ما أسفر عن استشهاد وإصابة أكثر من 30 مدنيًا، بينهم أطفال.
مصادر محلية أكدت أن القصف الحوثي طال ساحة مجلس المواطن “عادل جنيد”، بعد عملية رصد بطائرة مسيرة، موضحة أن خلف أكثر من 10 شهداء ونحو 20 مصاب في حصيلة أولية.
هذه المجزرة هزّت أرجاء محافظة حجة وعموم اليمن، وأثارت غضبًا شعبيًا واسعًا وإدانات رسمية، خصوصًا وأنها استهدفت تجمعًا مدنيًا في قرية ريفية بعيدة عن جبهات القتال وفي أواخر شهر رمضان المبارك.
قبل دقائق من الإفطار
في بيان لها حول الجريمة، أوضحت “مؤسسة تهامة للحقوق والحريات” أنها حدثت “عند الساعة 6:15 مساءً، وقبل دقائق من موعد الإفطار”.
وأضافت المؤسسة الحقوقية أن المعلومات الأولية التي تلقتها، توضح أن القصف أسفر عن استشهاد 8 أشخاص، بينهم أطفال لا يتجاوز أعمارهم 3 سنوات وهم:
1. عيسى محمد حسن فرج – 24 عامًا
2. عبده محمد علي جنيد – 40 عامًا
3. جنيد إسماعيل بليهي محمد – 19 عامًا
4. مصعب أحمد مهدي طيب – 26 عامًا
5. عبدالرحمن محمد علي سلمان – 32 عامًا
6. محمد يامي عبده علي شهير – 32 عامًا
7. مودة أكرم علي محمد صالح الشاوش – 3 سنوات
8. عبدالرحمن مصعب أحمد مهدي الطيب – 5 سنوات
ومن المصابين ذكرت أسماء كلًا من:
1. أسماء مصعب أحمد مهدي الطيب – 3 سنوات
2. وليد إبراهيم عبدالله أبوعنيش – 30 عامًا
وأكدت أن استهداف التجمعات المدنية بشكل عام، والتجمعات المرتبطة بالمناسبات والشعائر الدينية بشكل خاص، يمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما القواعد المتعلقة بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، ويعد اعتداءً صارخًا على الحق في الحياة وسلامة المدنيين.
مسؤولية الحوثي
من جانبه، حمَّلت السلطة المحلية بمحافظة حجة، جماعة الحوثي “المسؤولية الكاملة” عن المجزرة التي وصفتها بـ“البشعة”، وناشدت المنظمات الإنسانية والإغاثية تقديم الدعم الطبي للجرحى ومساندة أسر الضحايا.
واعتبرت، في بيان، هذه المجزرة بأنها “جريمة حرب وانتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني”.. داعية المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى إدانتها “بشكل صريح”، مؤكدة أن “دماء الأبرياء لن تذهب هدراً، وأن هذه الجرائم لن تسقط بالتقادم”.
سبق إصرار
وزارة حقوق الإنسان في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، اعتبرت استهداف الحوثيين تجمعًا للمدنيين أثناء تناولهم وجبة الإفطار “استهتار صارخ بالحق في الحياة وبالقيم الإنسانية والأعراف الوطنية وقواعد القانون الدولي الإنساني”.
وقالت، في بيانها حول الجريمة، إن هذا “الاعتداء لم يكن عشوائياً، بل تم تنفيذه عقب رصدٍ جوي دقيق باستخدام طائرة مسيّرة لتحديد موقع التجمعات المدنية، ما يؤكد توفر النية الإجرامية المبيتة لارتكاب مجزرة بحق الأبرياء، ويجعل من هذه الجريمة واقعة قتلٍ عمدي واستهداف مباشر للمدنيين يندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية”.
وأكدت الوزارة أن “الجريمة الحوثية البشعة أسفرت عن استشهاد ثمانية مدنيين، بينهم أطفال، وإصابة أكثر من ثلاثين آخرين بجروح خطيرة”.
طبيعة إجرامية
من جانبه، قال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، “استهداف المدنيين وهم مجتمعون حول مائدة الإفطار في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك يمثل جريمة بشعة وانتهاكاً صارخاً لكل القيم الدينية والإنسانية، ويكشف مجدداً الطبيعة الإجرامية لمليشيا الحوثي التي لا تقيم وزناً لحرمة الأرواح، وتواصل استهداف اليمنيين في حياتهم اليومية دون أي وازع أخلاقي أو إنساني”.
وأكد الإرياني، في تصريح صحفي، أن “هذه الجريمة تضاف إلى السجل الأسود لانتهاكات مليشيات الحوثي بحق المدنيين، والتي لم تتوقف منذ انقلابها”.. مؤكداً أن ”المليشيا تصر على استخدام العنف والإرهاب وسيلة لفرض مشروعها، غير آبهة بما يخلفه ذلك من مآس إنسانية وآلام في أوساط الأبرياء”.
وجدد الإرياني التأكيد على أن استمرار صمت المجتمع الدولي إزاء هذه الجرائم يشجع مليشيا الحوثي على التمادي في استهداف المدنيين وارتكاب المزيد من الانتهاكات بحق أبناء الشعب اليمني.
مشاهد صادمة ومأساة دامية
تداول نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي صورًا ومشاهد مروّعة تظهر الضحايا وهم أشلاء ومضرجون بدمائهم على الأرض في موقع الجريمة، إلى جانب تسجيلات لناجين وشهود عيان يتحدثون عن الجريمة وتفاصيلها.
وتعليقًا على المشاهد، قال الكاتب اليمني محمد جميح، إن ما حدث “جريمة إرهابية بشعة... 15 مواطناً بين شهيد وجريح، نصفهم أطفال، تمم حرقهم بقذيفة شوهت ملامحهم بشكل مرعب”.
وأضاف ساخرًا، في تدوينة بحسابه على منصة “إكس” رصدها “برَّان برس” أن هذه الجريمة تأتي “ضمن سلسلة من عمليات الإسناد الحوثية، ضد أمريكا وإسرائيل”، في إشارة إلى مزاعم الجماعة بمواجهة الدولتين.
من جانبه، وصف الصحفي مصطفى غليس، الصور القادمة من حيران بأنها “صادمة ودامية بالمعنى الحرفي للكلمة”.
وفي سياق التعليقات، قال الإعلامي هائل البكالي: “في لحظة كان يفترض أن تكون لحظة رحمة وسكينة على مائدة الإفطار، حوّلتها مليشيا الحوثي إلى مأساة دامية في حيران بحجة، بعد قصف صاروخي استهدف مدنيين بينهم أطفال. مضيفًا أن هذه الجريمة “تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات التي تطال المدنيين في المديريات الغربية للمحافظة”.
وإلى ذلك، وصف الصحفي والكاتب غمدان اليوسفي، مجزرة حيران بأنها “مفزعة ووحشية لا يمكن السكوت عليها”.
في تدوينة بحسابه على منصة “إكس” رصدها “برَّان برس” أن “استهداف أطفال أثناء تناول وجبة الإفطار خسة ودناءة حوثية لا يمكن تبريرها”. مضيفًا: “هذه جماعة لا تشبهنا ولا يمكن أن تظل والية على هذا الشعب”.
واختتم تدوينته متسائلًا: بأي ذنب يقتل 10 أطفال أو أكثر؟ بلغت القلوب الحناجر من إجرام الحوثي وحاشيته. كفاية!”.
نهج متأصل
من جانبه، اعتبر الصحفي والشاعر اليمني أحمد عباس، ما حدث بأنه “جريمة حرب مكتملة الأركان تضاف لسجل أسود من استهداف الطفولة في اليمن”. معتبرًا “صمت المجتمع الدولي أمام هذه الوحشية هو تصريح مفتوح لهذه العصابة للتمادي في سفك دماء الأبرياء”.
وأضاف عباس، في سلسلة تدوينات بحسابه على منصة “إكس” تابعها “بران برس”، أنه “لا قوانين دولية تردعهم (الحوثيين)، ولا قيم إنسانية توقفهم”. مؤكدًا أن “استهداف المدنيين في منازلهم وأماكن عبادتهم وإفطارهم هو نهج حوثي متأصل يعكس الطبيعة الوحشية العنصرية الإرهابية لهذا التنظيم التابع لإيران”.
واختتم تدوينته قائلًا: “ما حدث في حجة الليلة هو رسالة للعالم بأن هذه المليشيا لا تؤمن إلا بلغة الدم والدمار”.
دعوات لمحاسبة المجرمين
وفي بيانها، انتقدت وزارة حقوق الإنسان الصمت الدولي تجاه هذه الانتهاكات “الجسيمة”، وقالت إنه “يشجع جماعة الحوثي الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني وقيادتها على الاستمرار في ارتكاب الجرائم والمجازر الدموية بحق المدنيين وخرق القوانين الدولية”.
وشددت على ضرورة ملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم وضمان عدم إفلاتهم من العقاب، وتقديم الدعم اللازم لحماية المدنيين من الهجمات الحوثية الصاروخية والجوية المتعمدة.
وأكدت الوزارة أن هذه الجرائم الموثقة لن تسقط بالتقادم، وأن مسار العدالة والإنصاف للضحايا سيظل أولوية قصوى حتى تتم محاسبة جميع المتورطين في سفك دماء الأبرياء.
فيما أكدت مؤسسة تهامة للحقوق والحريات أن هذه الجريمة “تتطلب المحاسبة الدولية الفورية لجماعة الحوثي”، مطالبة “المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، وكافة المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية، بالاضطلاع بمسؤولياتهم القانونية والأخلاقية في إدانة هذه الجريمة بشكل واضح وصريح، وملاحقة ومحاسبة قادة جماعة الحوثي، وضمان عدم إفلاتهم من العدالة.
وأكدت أن “استمرار استهداف المدنيين، وخاصة أثناء تجمعاتهم المرتبطة بالشعائر الدينية، يمثل تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا فاضحًا للقانون الدولي الإنساني، ويستوجب موقفًا دوليًا حازمًا يضع حدًا لهذه الجرائم”.
من جانبه، قال الناشط الحقوقي عبدالإله الشرجبي، إن “السلام يبدأ بحماية الأبرياء، خصوصًا الأطفال، من ويلات الحرب والاعتداء”.
وأضاف في تدوينة بحسابه على منصة “إكس” رصدها “برَّان برس”، أن ما حدث في مجزرة الإفطار بحيران “يذكّرنا أن غياب السلام يعني موت البراءة، وأن احترام القانون الدولي وحماية الطفولة هما الركيزتان الأساسيتان لأي أمل حقيقي في استقرار وأمن المجتمعات”.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news