عدن توداي
د. منی الزيادي
إحدی قصصي
في زاوية منسية من الحي القديم، كان الجميع ينادي “عم صالح” بلقبه المجرد، إلا “ياسين”. كان ياسين يناديه “أبي”، رغم أن الأوراق الرسمية لا تحمل اسمًا مشتركًا بينهما.
بدأت الحكاية حين غادر والد ياسين الحقيقي الحياة وهو لا يزال في المهد، تاركًاخلفه أمًا شابة وطفلًا يواجه عواصف الفقر. لم يكن صالح قريبًا ولا صهرًا بل كان جارًا يملك ورشة صغيرة للنجارة وقلبًا يتسع للمدينة بأكملها.
لم يكتفِ صالح بتأمين قوت يومهم، بل كان هو من علّم ياسين كيف يمسك القلم، وكيف يربط حذاءه، وكيف يقف شامخًا حين تكسره الخيبات. كان يمسح غبار الخشب عن جبينه ليقبل رأس الصغير كلما عاد بشهادة نجاح، ويقول له: “يا بني، الرجل لا يُقاس بما يملك في جيبه، بل بما يزرعه في قلوب الآخرين”.
ذات يوم، سأل أحد الفضوليين ياسين في حضرة صالح: “لماذا تناديه بأبي وهو ليس كذلك؟”
صمت المكان، وتعلقت العيون بصالح الذي انحنى فوق قطعة خشب ينسج منها كرسيًا. لكن ياسين، الذي صار شابا يافعًا، أجاب بنبرة هزت أركان الورشة
“الأبوة ليست اسمًا يُكتب في شهادة الميلاد بمداد الحبر، بل هي يدٌ تمتد في العتمة لتصنع الضياء، وقلبٌ يحترق ليمنح الدفء. إن كان اللقب يُمنح بالدم، فإن الاستحقاق يُبنى بالحب. وصالح لم يمنحني اسمه، لكنه منحني هويتي”.
ابتسم صالح، وكانت تلك الابتسامة هي “صك الأبوة” الحقيقي الذي لا تزوره الأيام.
مقالات ذات صلة
شبت حضرموت عن الطوق بعمرو
المعبقي.. قرارات مسؤولة!!
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news