على سواحل الخوخة جنوب الحديدة، حيث تتهادى رمال تهامة زرقة البحر، كانت أمواج “النجر” (المنشار الكبير) تصدح مختلطة برائحة الخشب والقطران، لتروي حكاية أبناء عزلة “البقط” في منطقة القطابا مع صناعة القوارب الخشبية. تلك الحرفة المتجذرة في التاريخ، والتي كانت لقرون شريان الحياة لصيادي المنطقة، تقف اليوم على حافة الهاوية، مهددة بالاندثار تحت وطأة الحداثة وقوارب “الفيبرجلاس” سريعة الإنتاج.
مهنة الآباء والأجداد
لطالما اشتهر أبناء “البقط” بمهارتهم الفائقة في تحويل جذوع الأشجار إلى كائنات تعانق البحر. فبخبرة متراكمة وأيادٍ ماهرة، كان الحرفيون يصنعون قواربهم مستخدمين أنواعاً خاصة من الخشب المستورد والمحلي، وأدوات بدائية لكنها فعّالة. وتنوعت القوارب التي تخرج من ورشهم بين “الصنابيق” الكبيرة التي تصلح للسفر والغوص، و”الهواري” الخفيفة التي تستخدم للصيد القريب من الشاطئ .
الأبجر.. شاهد على مجد غابر
لا يزال “الأبجر” شامخاً في الذاكرة، كتلك الصورة التي تظهره بهيئته الأصيلة. كان هذا القارب الخشبي عصب الحياة لأسر الصيادين، يحمل أرزاقهم ويأخذهم في رحلات تمتد لأيام. لكنه اليوم، كما يصفه كبار السن في المنطقة، “أصبح يتهالك ويتفكك”، شاهداً على مجد بحري تتآكله السنون كما تتآكل الذكريات في زحمة التغيير.
عوامل الاندثار: من الخشب إلى البلاستيك
شهدت العقود الأخيرة تراجعاً حاداً في هذه الحرفة العريقة، مع اجتياح قوارب “الفيبرجلاس” الحديثة للأسواق المحلية. هذه القوارب، التي تتميز بأسعارها الأقل نسبياً، وأوزانها الأخف، وسهولة صيانتها، استطاعت أن تزيح القارب الخشبي التقليدي بسرعة .
ويقول الصيادون إن الحرفي كان يحتاج لأيام طويلة وجهود كبيرة لصناعة قارب خشبي بتكلفة عالية، بينما يمكن الحصول على آخر من الفيبرجلاس بوقت وجهد أقل. وقد أدى ذلك إلى هجر مهنة “النجارة البحرية” من قبل أبناء الحرفيين، الذين اتجهوا إلى مهن أخرى أسهل وأدرّ للربح.
حنين إلى ماضٍ جميل
يقول كبار السن في المنطقة إن “رائحة الخشب والقطران كانت علامة حياة على السواحل”، فكل صباح كان يبدأ بضربات النجر وأصوات الحرفيين وهم يعدون قواربهم للموسم. أما اليوم، فمع غروب الشمس، تبدو سواحل الخوخة وقد خلت من منظر الحرفيين وهم يدقون المسامير أو يدهنون قواربهم بالزيت. انقرضت المهنة التراثية الجميلة، تاركة وراءها قصصاً يرويها الآباء للأحفاد عن زمن كان فيه البحر يرسم البسمة، والنهر ينحت الأخشاب، والإنسان يتحدى الطبيعة بقارب صنعته يداه. ويضيف المهتمون بالتراث أن الحرب المستمرة وارتفاع تكاليف المواد الخام المستوردة كان لها دور كبير في تسريع وتيرة اندثار هذه الصناعة .
دعوات للتوثيق
يطالب مختصون في التراث اليمني بضرورة توثيق هذه الحرفة قبل اندثارها بشكل كامل، وتسليط الضوء على آخر الحرفيين الذين لا يزالون يتذكرون أسرار صناعة “الصنابيق” و”الهواري”. فتوثيق هذه المهارات يضمن بقاءها شاهداً على إبداع أبناء “البقط” في عزلة القطابا، أولئك الذين حوّلوا الخشب إلى كائنات تعانق البحر وتُخلّد تاريخ شعب عاش على صيده وكفاحه .
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news