على مدى سنوات، ظلّ المحامي عبد المجيد صبره يتابع قضايا المختطفين والمخفيين قسراً في سجون مليشيات الحوثي، رغم ما كان يتعرض له من تهديدات ومخاطر تمس حياته شخصياً. ومع ذلك واصل عمله القانوني حتى وجد نفسه، في 25 سبتمبر 2025، في قبضة السجّان نفسه الذي كان يطرق أبوابه بحثاً عن المظلومين من ضحايا الاختطاف السياسي والمدني.
لم يكن صبره، المتمكّن في أصول القانون، مجرد محامٍ يبحث عن قضايا لا تسبب له إزعاجاً وتوفر له دخلاً من أتعاب المحاماة مثل البعض، بل كان المدافع الأبرز عن أولئك الذين وجدوا أنفسهم خارج دولة القانون، يحكمهم واقع تسيطر عليه ميليشيات بقوة السلاح، تأخذهم من منازلهم ومن مقار أعمالهم إلى أماكن مجهولة دون أن تفصح عن مكان احتجازهم أو تمكنهم من أبسط حقوقهم الإنسانية المكفولة في الدستور والقانون اليمني، بما في ذلك التواصل مع ذويهم.
سخّر صبره خبرته المهنية، التي اكتسبها على مدى سنوات من العمل في مؤسسات محاماة مرموقة في صنعاء، مثل مؤسسة المحامي محمد ناجي علاو ومؤسسة المحامي عبد الرحمن برمان، لصالح تطبيق القانون والسعي لتحقيق العدالة للمظلومين من ضحايا الاختطاف القسري. ورغم أنه كثيراً ما لم ينجح في مساعيه، إلا أن ذلك لم يكن نتيجة فشل شخصي، بل لأن الطرف الذي يسيطر على الواقع لا يحترم القانون ولا الدستور، ولا يترك للقضاء أن يمارس مهامه بشكل طبيعي.
محامٍ اختار الوقوف إلى جانب الضحايا
خلال السنوات الماضية، تمكن صبره من الترافع عن العديد من المختطفين والمخفيين قسراً أمام المحاكم، رغم قناعته بأن القضاء أصبح يُستخدم سياسياً ولم يعد يتمتع بالحد الأدنى من النزاهة والعدالة. ومع ذلك، ومن منطلق خلفيته المعرفية وإيمانه بالقانون، استمر في التمسك بهذا المسار، ليس فقط لإحراج السجّان، بل أيضاً لإعطاء الأمل للضحايا بأن هناك من يدافع عنهم.
ورغم التحديات الأمنية، نجح صبره في بعض القضايا في التوصل إلى الإفراج عن عدد من المختطفين، كما كان بمثابة خيط الأمل الذي يربط بين الأهالي وأبنائهم المغيبين خلف القضبان.
من مكتب المحاماة إلى الزنزانة الانفرادية
في أحد الأيام، وجد صبره نفسه أمام حملة مسلحة قدمت إلى مكتبه المتواضع في منطقة شميلة بصنعاء بهدف اختطافه دون توجيه أي تهمة، وبالفعل تم أخذه وتغييبه عن الأنظار، ولم يُسمح له بالتواصل مع ذويه، كما أن أسرته لم تكن تعلم عنه شيئاً.
وبعد مرور أشهر، تمكن من الاتصال بنفسه ليخبرهم أنه محتجز في سجن ما يسمى "جهاز الأمن والمخابرات". تعرّض المحامي، الذي عُرف بمحامي المختطفين والمخفيين قسراً ونصير المظلومين، خلال فترة احتجازه إلى انتهاكات واسعة شملت تعذيباً جسدياً ونفسياً، ظهرت آثاره على وجهه بحسب أحد المقربين الذي تمكن من زيارته.
كما حُرم من أبسط حقوقه الإنسانية، مثل السماح له بالتواصل مع أسرته أو تمكينهم من زيارته بشكل طبيعي، وأُودع في زنزانة انفرادية في محاولة للضغط عليه وإجباره على التخلي عن مهنته في الدفاع عن حقوق الإنسان مقابل الإفراج عنه، إلا أنه – بحسب ما أفاد به مصدر خاص لمنصة الهدهد – لا يزال يرفض هذا الشرط ويتمسك بموقفه.
ويقول المصدر إن صبره لم توجه إليه أي تهمة، لأن كل ما فعله أنه مارس حقه الدستوري في التعبير عن رأيه، بما في ذلك إحياء ذكرى ثورة 26 سبتمبر 1962 عبر منشورات على صفحته في فيسبوك.
ومنذ أسابيع تم نقله إلى ما يسمى "إصلاحية شملان" بعد انتهاء التحقيقات معه داخل جهاز الأمن والمخابرات التابع للحوثيين، دون أن يتمكنوا من إدانته بأي شيء، كما لم يقبلوا تحويل ملفه إلى النيابة العامة.
قضية تتجاوز شخص المحامي
لا تمثل قضية صبره مجرد قضية تخص محامياً يعمل في مجال حقوق الإنسان، بل تسلط الضوء على حجم الانتهاكات التي تطال الحريات في اليمن، حيث لم يكتفِ الحوثيون باختطاف المواطنين، بل طالت الاختطافات حتى من يدافع عنهم أمام المحاكم التي يسيطرون عليها، في محاولة لإسكات أي صوت حقوقي يتحدث عن انتهاكات حقوق الإنسان.
وينظر إلى صبره في الأوساط الحقوقية على أنه محامٍ شجاع فضّل البقاء في الداخل اليمني، وتحديداً في مناطق سيطرة الحوثيين، بدلاً من مغادرة البلاد إلى مكان آمن رغم قدرته على ذلك، إيماناً منه بضرورة الدفاع عن الضحايا في ظل انهيار مؤسسات الدولة.
ويقول المحامي توفيق الحميدي، الذي عمل مع صبره لعدة سنوات، إنه يتمتع بالكفاءة المعرفية والخلفية المهنية، وتتسم شخصيته بالهدوء والرصانة وحب العمل ومساعدة الآخرين.
ويضيف مصدر مقرب أن صبره، كغيره من المختطفين، مُنع من الزيارة منذ بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران قبل أكثر من أسبوع، في إطار إجراءات أمنية مشددة فرضها الحوثيون على السجون، نتيجة شعورهم بالخوف والتحسب لأي عمل عسكري قد يستهدفهم.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news