عدن توداي/د. جمال الهاشمي :
إن غياب مشاركة الحوثيين في اليمن والفصائل المرتبطة بإيران في العراق في الدفاع المباشر عن إيران في أي حرب قائمة أو محتملة لا يمكن تفسيره بمنطق التراجع أو التفكك داخل ما يعرف بمحور المقاومة .
وإنما ينبغي فهمه ضمن إطار أوسع يتعلق بطبيعة العقيدة الاستراتيجية الإيرانية في إدارة الصراعات الإقليمية.
مقالات ذات صلة
شوقي هايل ..زمان الصمت..
العميد الركن ناصر عبدربه منصور هادي غيث الخير الذي أينما حل نزل المطر
هذه العقيدة لا تقوم على مفهوم التحالفات العسكرية التقليدية التي تعتمد على تدخل الحلفاء مباشرة للدفاع عن الدولة الحليفة وإنما تقوم على نموذج مختلف يعتمد على بناء شبكة واسعة من الفاعلين المسلحين الموزعين في فضاءات جغرافية متعددة داخل الدول الإسلامية بحيث تتحول هذه الشبكة إلى منظومة ردع غير متماثلة قادرة على تشتيت الخصم واستنزافه عند الضرورة.
هذا النموذج في التفكير الاستراتيجي الإيراني يقوم على ما يمكن تسميته بالردع الشبكي حيث لا يتم تشغيل جميع الأدوات العسكرية والسياسية في وقت واحد وإنما يتم توزيعها ضمن مراحل تصعيدية محسوبة.
وتدرك إيران أن الدخول في مواجهة مباشرة مع قوة عسكرية كبرى مثل الولايات المتحدة أو تحالف إقليمي واسع قد يؤدي إلى حرب تقليدية غير متكافئة لذلك بنت منذ عقود منظومة نفوذ إقليمية عقائدية أو متقاربة معها في العقيدة أو التحرر من الهيمنة الغربية سواء كان قوميا أو إسلاميا ولذلك تعتمد على فاعلين محليين لكل منهم قدرة على التأثير في بيئته الجغرافية والسياسية.
هذه المنظومة تمنح طهران قدرة على نقل الصراع من مستوى الدولة إلى مستوى الشبكات المسلحة غير النظامية وحرب عصابات وعمليات سرية شبيهة باستراتيجية القاعدة وحرب طالبان الاستنزافية مع القوى الغربية وأمريكا ومن قبل مع روسيا وهو ما يعقد الحسابات العسكرية للخصوم ويجعل أي مواجهة معها غير قابلة للحسم السريع.
في هذا السياق الاستراتيجي والفكري والسياسي ينبغي فهم موقع الحوثيين في اليمن والفصائل المرتبطة بإيران في العراق.
هذه القوى لا يمكن تنصيفها كحلفاء سياسيين وإنما يمثلون عقدا استراتيجية في شبكة الردع الإقليمية الواسعة.
ويتمركز الحوثيون في موقع جغرافي بالغ الحساسية يطل على باب المندب والبحر الأحمر وهو ممر حيوي للتجارة العالمية ولحركة الطاقة بين الشرق والغرب ويتمتعون بقوة مسلحة ذات قدرات صاروخية ومسيرات في هذا الموقع وهو يمنح إيران إمكانية تهديد واحد من أهم الشرايين البحرية في العالم في حال تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة.
أما الفصائل المرتبطة بإيران في العراق فتتموضع في فضاء جغرافي يتقاطع مع الخليج من جهة ومع الممرات البرية المؤدية إلى تركيا وسوريا من جهة أخرى وهو ما يجعلها قريبة من مراكز الطاقة ومن البنية الاستراتيجية للأمن الخليجي.
وبهذا هذا التفكير الجيوسياسي تشكل هذه القوى ما يمكن وصفه بقوى الردع القريبة من الخليج والسعودية وحتى من المجال الاستراتيجي التركي.
ووظيفتها الأساسية لا تكمن في الدفاع المباشر عن الأراضي الإيرانية بل في خلق تهديدات موازية حول خصوم إيران بحيث يصبح أي قرار بشن حرب عليها قرارا مكلفا إلى درجة كبيرة.
و إذا افترضنا سيناريو تقوم فيه الولايات المتحدة بتجييش دول الخليج للدخول في حرب مباشرة ضد إيران فإن هذه القوى ستتحول بسرعة إلى أدوات ضغط عسكرية قادرة على ضرب العمق الخليجي ومنشآت الطاقة السعودية والمصالح الحيوية في المنطقة. وعند تلك النقطة لن تبقى الحرب محصورة في مواجهة بين دولتين أو تحالفين وإنما ستتحول إلى صراع مفتوح متعدد الجبهات يتداخل فيه البعد الإقليمي مع البعد الداخلي داخل دول المنطقة.
وهذا التحول يحمل في طياته احتمالا خطيرا منه توسع نطاق الحرب الفوضوية بحيث تدخل على خط الصراع قوى اجتماعية وسياسية كانت مهمشة أو مقصاة خلال العقد الأخير وخصوصا بعد تراجع موجة ثورات الربيع العربي كحركات الإسلام السياسي والتي بدأت تتشكل جغرافيا بحيث انفصلت عن مركزها في مصر سياسيا وعسكريا وهو جعل كل مكون مستقلا بقراراته السياسية والعسكرية وعلاقاته الدولية والمحلية لا سيما مع التنصيفات الأخيرة لواشنطن واوروبا لهذه الحركات وهو ما يدفعها لاتخاذ المواجهة والمقاومة وسيلة للتحرر من مركزية التصنيف .
وقد ترى حركات الإسلام السياسي التي شعرت خلال السنوات الماضية بأنها تعرضت لعملية إقصاء إقليمي ودولي – في هذه الفوضى فرصة للعودة إلى المجال العام من خلال خطاب المقاومة والتحرر من الاستعمار لمواجهة ما تعتبره تحالفا خارجيا يستهدف هوية المجتمعات وثقافتها.
و رغم التباينات الفكرية بين هذه الحركات فإنها قد تجد نفسها مع أي فرصة دولية أو محلية أمام عدو مشترك يذوب الاختلافات العقائدية أو يجمدها إلى حين تحقق الأهداف المشتركة وهو ما يسمح بقدر من التقارب التكتيكي بينها في إطار صراع أوسع يتجاوز الحدود الوطنية.
وعندما تتحول الحرب من مواجهة جيوسياسية بين دول إلى صراع ذي بعد عقائدي فإن طبيعة التعبئة الاجتماعية تتغير بصورة جذرية. فالمجتمعات وخصوصا فئة الشباب الذي يرون مستقبلهم مجمدا يصبحون أكثر قابلية للانخراط في الصراع عندما يتم تقديمه كمعركة دفاعية عن الهوية أو الدين أو الكرامة الجماعية.
وفي مثل هذا السياق تفقد الجيوش النظامية احتكارها للعنف لأن المجال الاجتماعي يصبح مفتوحا أمام تشكيل جماعات مسلحة جديدة خارج إطار الدولة. إن هذه الظاهرة تعني أن الحرب لن تبقى حرب جيوش منظمة وإنما ستتحول إلى حرب مجتمعات وهو نمط من الصراعات يصعب السيطرة عليه أو إنهاؤه بسرعة.
النتيجة المباشرة لهذا المسار هي تشتيت قدرات الجيوش الوطنية في دول المنطقة وستجد الجيوش نفسها مضطرة إلى التعامل مع تهديدات متعددة في آن واحد تهديدات خارجية مرتبطة بالحرب الإقليمية وتهديدات داخلية ناجمة عن صعود جماعات مسلحة أو حركات احتجاجية مسيسة.
إن التجارب التي شهدتها دول مثل السودان واليمن وليبيا تظهر بوضوح كيف يمكن أن يؤدي الضغط المتعدد الاتجاهات إلى انقسام الجيوش نفسها وتحولها إلى أطراف متصارعة داخل الدولة. وعندما يحدث هذا الانقسام تتآكل سلطة الدولة المركزية ويصبح الحفاظ على الكيان السياسي للدولة مسألة شديدة الصعوبة.
ومع توسع نطاق الحرب بريا وبحريا يمكن أن تظهر تنظيمات مسلحة جديدة لا ترتبط بالضرورة بالبنى التنظيمية المعروفة اليوم. وهادة ما تتشكل في البيئات الفوضوية ظاهرة أمراء الحرب العقائدين والجهويين حيث تنشأ جماعات محلية مستقلة تسيطر على مناطق محددة وتبني اقتصادا خاصا بها قائما على التهريب أو السيطرة على الموارد.
و انتشار هذه الظاهرة يعني تفكك المجال الأمني داخل الدول وتحول أي صراع خارجي إلى سلسلة من الصراعات الداخلية المتداخلة.
إن هذا النمط من الحروب يشبه إلى حد بعيد الحروب الشبكية التي ارتبطت في السابق بصعود تنظيمات مثل القاعدة حيث تنتشر مجموعات صغيرة مستقلة يصعب القضاء عليها لأنها لا تعتمد على مركز قيادة واحد.
إن الفوضى الناتجة عن هذا السيناريو لن يبقى محصورا في حدود المنطقة ولكنه ييفتح المجال أمام إعادة تشكيل موازين القوى الدولية ولن تقف القوى الكبرى المنافسة للولايات المتحدة مثل روسيا والصين خارج هذا التحول لأنها تمتلك مصالح استراتيجية في الشرق الأوسط فيما يتعلق بالطاقة والممرات التجارية والتوازنات الجيوسياسية.
وفي حال انزلقت المنطقة إلى صراع طويل الأمد قد تلجأ هذه القوى إلى تقديم دعم غير مباشر لبعض الفاعلين المحليين أو الإقليميين من أجل حماية مصالحها أو من أجل استنزاف النفوذ الأمريكي.
هذا النمط من التداخل الدولي سيحول الشرق الأوسط إلى منطقة ارتطام دولي وتنافس بين قوى كبرى في بيئة أكثر تعقيدا من بيئة الحرب الباردة التقليدية.
وفي مثل هذه الأزمة الدولية والجيوسياسية قد تجد الولايات المتحدة نفسها منخرطة في سلسلة من الصراعات المفتوحة التي تستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية.
ويشير تاريخ الحروب الكبرى إلى أن القوى العظمى غالبا ما تفقد قدرتها في الحفاظ على هيمنتها عندما تضطر إلى إدارة صراعات متعددة وطويلة في مناطق بعيدة عن مركزها الجغرافي.
وإذا تحول الشرق الأوسط إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد فإن ذلك قد يدفع الولايات المتحدة تدريجيا إلى تقليص حضورها العسكري والسياسي في المنطقة وهو ما قد يفتح الباب أمام تشكل نظام دولي أكثر تعددية بعد عقود من الهيمنة الأحادية التي تلت نهاية الحرب الباردة.
ونستقرأ إن عدم تدخل الحوثيين والفصائل المرتبطة بإيران في العراق بصورة مباشرة منذ البداية لا يعكس غيابهم عن المعادلة وإنما يعكس موقعهم داخل منظومة ردع إقليمية أوسع تعمل وفق منطق الحرب المؤجلة.
وتمثل هذه القوى احتياطا استراتيجيا يمكن تفعيله إذا تحول الصراع إلى مواجهة شاملة وعندها لن تكون الحرب تأخذ نمط المواجهة بين إيران وخصومها بل قد تتحول إلى حرب شبكية يصعب رصدها بالقوات الجوية وحدها مما يعيد تشكيل بنية الأمن الإقليمي وربما بنية النظام الدولي نفسه من داخل منطقة الارتطام الجيوسياسي الأول في العالم والأكثر تفككا منذ سقوط الدولة العباسية وإلغاء السلطنة العثمانية بعد ذلك وهو ما قد يؤدي إلى تشكيل نموذج جديد يتجاوز الحدود القومية ويفتح المجال لتعبئة المجتمعات من خارج حدودها.
ومم ثم فإن إنهاء أي حرب واسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لا يرتبط فقط بنتائج العمليات العسكرية المباشرة بل يرتبط أساسا بقدرة الأطراف المتصارعة على إدارة الكلفة الاستراتيجية للحرب.
فالحروب الكبرى في الشرق الأوسط لا تنتهي غالبا بانتصار حاسم لطرف واحد بقدر ما تنتهي عندما تصل الأطراف المتصارعة إلى مستوى من الاستنزاف يجعل استمرار الحرب أكثر كلفة من إيقافها و لذلك فإن تحليل سيناريو إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يقتضي النظر إلى التوازن بين ثلاثة عناصر رئيسية هي:
– الكلفة العسكرية .
– الكلفة الاقتصادية.
– الكلفة السياسية .
على المستويين الإقليمي والدولي وهنا نرى أنه وفي المرحلة الأولى سيحاول التحالف الأمريكي الإسرائيلي تحقيق أهداف سريعة تقوم على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وخصوصا البنية الصاروخية ومنشآت البرنامج النووي والبنية الصناعية المرتبطة بالصناعات الدفاعية.
و هذه الاستراتيجية تقوم على مبدأ الضربة المركزة التي تهدف إلى إضعاف قدرة إيران على الردع وإجبارها على القبول بشروط سياسية جديدة غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يظل محدودا لسبب بنيوي يتعلق بطبيعة الجغرافيا العسكرية الإيرانية حيث تم توزيع المنشآت الاستراتيجية على مساحات واسعة كما تم بناء جزء كبير منها تحت الأرض أو في مناطق جبلية معقدة مما يجعل تدميرها بالكامل أمرا بالغ الصعوبة حتى في ظل تفوق جوي كبير.
ومع استمرار الحرب ستنتقل إيران تدريجيا من مرحلة الدفاع إلى مرحلة إدارة الاستنزاف الاستراتيجي ولن يكون هدفها تحقيق انتصار عسكري تقليدي بقدر ما تركز على رفع كلفة الحرب على خصومها عبر توسيع نطاق الضغط الجيوسياسي في المنطقة وتشمل أدوات هذا الضغط استهداف البنية الطاقية في الخليج أو تعطيل الممرات البحرية الحيوية أو تحريك شبكات الردع غير المتماثلة المنتشرة في عدة دول في المنطقة وتهدف هذه الاستراتيجية إلى نقل الحرب من ساحة المواجهة المباشرة إلى فضاء إقليمي أوسع بحيث تصبح تكلفة الحرب موزعة على عدة جبهات جغرافية وسياسية.
ومع توسع دائرة الصراع تبدأ الكلفة الاقتصادية للحرب في الارتفاع بشكل كبير.
وتمثل منطقة الخليج أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم وأي تهديد واسع لمنشآت النفط أو لممرات النقل البحري مثل مضيق هرمز أو البحر الأحمر سيؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية.
كما أن ارتفاع أسعار النفط والغاز بصورة حادة سيؤثر مباشرة في الاقتصاد العالمي وخصوصا في الاقتصادات الصناعية الكبرى في أوروبا وآسيا وغي هذه الحالة تتحول الحرب من قضية إقليمية إلى أزمة دولية تدفع القوى الكبرى إلى البحث عن آليات لاحتواء الصراع.
والمرحلة الثالثة من الحرب عادة ما تشهد انتقالا تدريجيا من العمليات العسكرية المفتوحة إلى مسار تفاوضي غير مباشر ذلك أن القوى الكبرى التي تمتلك مصالح استراتيجية في المنطقة مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي قد تلعب دور الوسيط في هذه المرحلة و ليس بالضرورة بدافع الحياد بل بدافع حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
وتدرك هذه القوى أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى فوضى إقليمية واسعة تهدد استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية ولذلك تميل عادة إلى الدفع نحو تسوية سياسية توقف العمليات العسكرية دون أن تمنح نصرا كاملا لأي طرف.
في مثل هذا السيناريو قد يتبلور ما يمكن وصفه بتسوية توازن الاستنزاف وهذه التسوية تقوم على وقف إطلاق النار مقابل إعادة ترتيب بعض الملفات الاستراتيجية التي كانت سبب الصراع في الأساس و من بين هذه الملفات البرنامج النووي الإيراني ودور إيران الإقليمي وترتيبات الأمن في الخليج.
وفي إطار هذه التسوية قد تقبل إيران بقيود معينة على برنامجها النووي مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية وضمانات بعدم استهدافها عسكريا في المستقبل و في المقابل قد تسعى الولايات المتحدة إلى بناء نظام أمني إقليمي جديد يهدف إلى احتواء النفوذ الإيراني دون الدخول في حرب مباشرة معه.
ولكن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة عودة المنطقة إلى الاستقرار التقليدي الذي كان قائما قبلها.
إن الحروب الكبرى غالبا ما تعيد تشكيل موازين القوة في الإقليم فإذا تمكنت إيران من الصمود في مواجهة حرب واسعة دون انهيار بنيتها العسكرية والسياسية فإن ذلك سيعزز موقعها بوصفها قوة إقليمية قادرة على مواجهة الضغوط العسكرية الكبرى.
و في المقابل قد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم استراتيجيتها في الشرق الأوسط وخصوصا إذا تبين أن كلفة الحرب كانت أعلى من العوائد السياسية والعسكرية المتوقعة.
ومن جهة أخرى قد تؤدي الحرب إلى تسريع التحولات في النظام الدولي وإذا دخلت قوى كبرى مثل روسيا والصين على خط الوساطة أو الدعم غير المباشر لبعض الأطراف فإن ذلك قد يعزز الاتجاه نحو نظام دولي أكثر تعددية حيث لا تبقى الولايات المتحدة الفاعل الوحيد القادر على إدارة الأزمات الكبرى.
وبهذه الجبرية التحويلية قد يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة تقاسم لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الدولية الكبرى وهو ما ينعكس على شكل التحالفات الإقليمية وعلى طبيعة التوازنات الأمنية في المنطقة.
وأخيرا فإن إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لن يكون نتيجة ضربة عسكرية حاسمة بقدر ما سيكون نتيجة توازن معقد بين الاستنزاف العسكري والضغط الاقتصادي والتدخل الدبلوماسي الدولي.
لا سيما عندما تصل الأطراف المتصارعة إلى قناعة بأن استمرار الحرب يهدد استقرار المنطقة والنظام الدولي معا يصبح وقف الحرب خيارا عقلانيا حتى لو لم يحقق أي طرف أهدافه الكاملة ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة في الشرق الأوسط .. مرحلة تعاد فيها صياغة معادلات القوة والتحالفات وربما تتشكل فيها بنية إقليمية مختلفة عما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية وبذلك تتحول دول منطقة الشرق الأوسط إلى أدوات نفوذ دولي تتصارع فيما بينها بالنيابة عن القوى الكبرى .
غير أنه قبل أن ندخل في مرحلة جديدة من مراحل التحول الدولي يجب علينا التنبؤ الاستباقي لدراسة ملامح الشرق الأوسط في ظل النفوذ الجديد الذي لا حياد عنه ؛ ملامح العالم متعدد القطبية غير أن المشاريع العربية والإسلامية إذا نظرنا إلى النطاق الجيوسياسي لن يخرج بعد عن سياق التفكير التقليدي الوقتي لانتفاء مقومات وأدوات التفكير الحضاري .
بمعنى آخر سيظل التفكير الحضاري تفكيرا فرديا أو تنظيميا نظريا لا يمتلك مقومات وجوده ونموذجه على الواقع نظرا لأن الدول العربية تهدر مواردها البشرية والفكرية والمادية للنجاة الفردية أو للتنافس تحت الإقليمي وفي معظم الدول التنافس بين مكونات محلية للانفصال والتجزئة عند البعض واستعادة الدولة عند البعض الآخر مما يؤجل قيام أية مشاريع حضارية إسلامية أو قومية أو حتى شرق أوسطية لأن بداية التحول لن يكون إلا بإرادة وعقلية ووعي يؤسس لذلك نظريا قبل تفعيله واقعيا .
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news