في مشهد درامي يعكس حجم الكارثة الاقتصادية والتردي غير المسبوق في السياسة النقدية بالعاصمة عدن، كشف الصحفي الاقتصادي ماجد الداعري واقعة مؤثرة هزت مشاعر المتابعين، تجسد المعاناة اليومية لمنتسبي المؤسسة العسكرية الذين يحولون بين ليلة وضحاها إلى ضحايا لفشل الإدارة الاقتصادية.
بطل الواقعة، بحسب ما رواه الداعري، هو ضابط برتبة رفيعة (عقيد بحري) وقف عاجزاً في إحدى شوارع عدن، لا يحمل سلاحه أو وثائقه الرسمية، بل يحمل "صرة كبيرة" وعصية على الكاهل من حزم العملة الورقية المتهالكة، والتي تقرر أنها تمثل راتبه لشهرين (نوفمبر وديسمبر).
ونقل الداعري تفاصيل اللقاء المؤلم الذي جمعه بعمده العقيد، حيث كان الضابط يحاول استيعاب المفارقة العجيبة؛ فبينما هو يحمل مبلغاً مالياً يفترض أنه يغطي احتياجات شهور، إلا أنه يجد نفسه أمام "ورق" لا قيمة له في سوق لم يعد يثق في العملة المحلية.
وفي نبرة يملؤها الاستياء والاستغراب، صرخ العقيد بسؤال وجهه للصحفي وللمسؤولين على حد سواء: "هل سيتم قبول هذه الفئة في الأسواق؟"، مشيراً إلى فئة الـ100 ريال التي يحملها، في وقت ترفض فيه المحلات التجارية، والمصارف، والمقاولون، وحتى عمال "المقاوتة" اليومية، التعامل بفئة الـ200 ريال، فكيف الحال بمن يحمل النصف من ذلك؟
أثارت الواقعة سؤالاً محورياً حول جدية الجهات المعنية في طباعة وإصدار هذه العملة ثم صرفها كرواتب لموظفي الدولة، في وقت تعلم فيه مسبقاً برفض السوق لها.
وعندما سأله الداعري عن السبب وراء استلامه لهذه الكميات الهائلة من العملة "المرفوضة" أصلاً، جاء رد العقيد حزيناً ويعكس استسلاماً مريراً للواقع، قائلاً: "هذه رواتبنا.. ولو حتى لتوزيعها عيدية للأطفال، وإلا فالبديل هو ألا نستلم شيئاً على الإطلاق".
تتجاوز هذه الواقعة كونها مجرد شكوى فردية، إذ تأتي لتكشف عن وجع خفي يعانيه أبناء المؤسستين العسكرية والأمنية؛ فبعد معاناة التأخر الطويل في صرف المرتبات، يفاجأ الموظفون بأن الرواتب التي وصلت قد تحولت إلى عبء بدلاً من أن تكون راحة، حيث يستلمون مستحقاتهم بفئات ورقية مهترئة يرفضها السوق، مما ينال من قيمتها الحقيقية ويجعل تأمين لقمة العيش رحلة شاقة ومحفوفة بالمهانة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news