كشفت تصريحات عسكرية يمنية عن توسع كبير في الأعمال التحصينية التي تنفذها مليشيا الحوثي في محافظة الحديدة، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تزيد من تعقيد الوضع العسكري والإنساني في المحافظة الساحلية التي تعد من أكثر المناطق حساسية في اليمن.
وقال العميد إبراهيم معصلي، قائد محور الحديدة، إن مليشيا الحوثي كثفت منذ إعلان ما وصفته بـ«إعادة التموضع» في 11 نوفمبر 2021 من عمليات التحصين العسكري داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها في محافظة الحديدة، موضحاً أن هذه التحركات شملت إنشاء بنية دفاعية واسعة النطاق في عدد من المديريات والمناطق الحيوية.
وأوضح معصلي، في تصريح خاص لصحيفة «النهار المصرية»، أن المليشيا قامت خلال الفترة الماضية بحفر شبكة كبيرة من الخنادق والأنفاق الأرضية، إلى جانب إنشاء تحصينات عسكرية متعددة في مناطق متفرقة من المحافظة. وأضاف أن هذه الأنفاق تستخدم للتنقل بين المواقع العسكرية المختلفة بشكل سري، كما أن بعضها يمتد تحت الأرض وصولاً إلى مواقع متقدمة قريبة من ساحل البحر الأحمر.
وأشار إلى أن العديد من تلك الأنفاق ينتهي عند الشريط الساحلي، ما يعكس طبيعة الاستعدادات العسكرية التي تنفذها المليشيا في المنطقة، ويشير إلى وجود خطط دفاعية تعتمد على التحرك تحت الأرض وتحصين المواقع القريبة من الساحل.
وأضاف قائد محور الحديدة أن مليشيا الحوثي لم تكتفِ بإنشاء الخنادق والأنفاق، بل عملت أيضاً على توسيع حقول الألغام البرية والبحرية في المناطق الساحلية، في إطار استعداداتها لمواجهة أي مواجهات عسكرية محتملة قد تشهدها المنطقة خلال الفترة المقبلة.
ولفت معصلي إلى أن اللافت في طبيعة هذه التحصينات أنها لا تتجه في معظمها نحو خطوط التماس المباشرة مع قوات الجيش الوطني والمقاومة اليمنية، وإنما تمتد بشكل أكبر باتجاه سواحل البحر الأحمر، وهو ما يتوافق – بحسب قوله – مع الخطاب الذي تروج له المليشيا حول استعدادها لمواجهة سيناريوهات صدام محتمل مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، واحتمالات تنفيذ عمليات إنزال بحري على السواحل اليمنية.
وكشف معصلي أن المليشيا قامت خلال الفترة الأخيرة بحفر خندق دفاعي ضخم يبلغ طوله نحو 40 كيلومتراً، ويصل عمقه إلى قرابة 9 أمتار، موضحاً أن هذا الخندق يبدأ من قرية منظر ويمتد ملتفاً حول مركز محافظة الحديدة، مروراً بمدينة الصالح، وصولاً إلى خلف نقطة الشام.
وبيّن أن هذا الخندق يشكل طوقاً دفاعياً واسعاً يحيط بمركز المحافظة، حيث عملت المليشيا على ربط هذا الحاجز الدفاعي بالساحل عبر زراعة ألغام بحرية، إلى جانب إنشاء شبكة معقدة من المصائد الهندسية والعبوات الناسفة والمتفجرات في محيط المنطقة.
وأكد معصلي أن هذه الإجراءات العسكرية أدت فعلياً إلى تطويق مركز محافظة الحديدة، الذي يقطنه ما لا يقل عن مليون مواطن في مديريات الحوك والحالي والميناء، مشيراً إلى أن السكان في هذه المناطق أصبحوا يعيشون في وضع يشبه الحصار غير المباشر نتيجة انتشار التحصينات والألغام والخنادق حول المدينة.
وأوضح أن وجود هذه التحصينات داخل المناطق المأهولة بالسكان يضع المدنيين في دائرة الخطر، حيث يمكن أن يتحولوا إلى دروع بشرية في حال اندلاع أي مواجهات عسكرية مستقبلية، لافتاً إلى أن المليشيا قد تستغل الوضع الإنساني للسكان لكسب تعاطف دولي في حال تعرضت لضغوط عسكرية من الجيش اليمني أو قوات المقاومة.
وأضاف قائد محور الحديدة أن الهدف من هذه التحصينات لا يقتصر على تعزيز الدفاعات العسكرية فحسب، بل يشمل أيضاً إعاقة أي تقدم محتمل للقوات الحكومية نحو مركز المحافظة، إلى جانب استخدام الوضع الإنساني للمدنيين كورقة ضغط سياسية وإعلامية في أي تطورات عسكرية قادمة.
وأشار معصلي إلى أن أكبر تجمع سكاني في محافظة الحديدة جرى تحويله عملياً إلى ما يشبه قاعدة عسكرية غير معلنة، مؤكداً أن المليشيا تستفيد من الكثافة السكانية العالية في المدينة للتخفي بين المدنيين وتوفير غطاء بشري لمواقعها العسكرية.
وأضاف أن هذه الاستراتيجية، بحسب تقديره، تأتي في سياق ارتباطات عسكرية ولوجستية مع الحرس الثوري الإيراني، حيث يتم توظيف البنية السكانية للمدينة لتعزيز الحماية للمواقع العسكرية وتقليل احتمالات استهدافها.
وفيما يتعلق بالوضع الإنساني، أوضح معصلي أن السكان داخل مركز المحافظة يعيشون أوضاعاً معيشية صعبة، في ظل تدهور الخدمات الأساسية وغياب العديد من المرافق الحيوية.
وأشار إلى أن مدينة الحديدة تعاني نقصاً واضحاً في خدمات الكهرباء والرعاية الصحية، إلى جانب محدودية قدرة المستشفيات على تقديم الخدمات الطبية للسكان، في وقت تعتمد فيه إمدادات المياه وشبكات الصرف الصحي على مصادر تقع خارج نطاق الطوق التحصيني وعلى مسافات بعيدة.
وأكد أن هذه الظروف تزيد من معاناة السكان المدنيين، خاصة في ظل انتشار الفقر وارتفاع معدلات الاحتياج الإنساني، مشيراً إلى أن بيانات وإحصاءات أممية تشير إلى أن غالبية سكان المحافظة يعيشون تحت خط الفقر ويعتمدون بشكل كبير على المساعدات الإنسانية.
واختتم معصلي تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار تحويل المناطق السكنية إلى مناطق عسكرية مغلقة قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في الحديدة، محذراً من المخاطر الكبيرة التي قد تواجه المدنيين في حال تصاعد التوترات أو اندلاع مواجهات عسكرية في محيط المدينة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news