يمثّل تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى لإيران في أعقاب مقتل والده في خضمّ حرب إقليمية واسعة أخطر انتقال للسلطة في الجمهورية الإسلامية منذ خلافة علي خامنئي لمؤسّسها الخميني عام 1989. غير أن الحالتين تتمايزان في الجوهر: فانتقال 1989 تمّ في فترة هدوء نسبي، بينما يجري الانتقال الراهن في قلب أزمة عسكرية وجودية.
في المدى القريب، يرجّح أن يعزّز هذا الانتقال تماسك المؤسسة الأمنية، لا سيما الحرس الثوري الذي بات العمودَ الفقري للقدرة العسكرية وشبكةَ الاقتصاد السياسي معًا.
لكن صعود مجتبى يفتح في الآن ذاته أسئلةً عميقة حول شرعية الحكم: أسئلة دستورية تتعلق بدور مجلس الخبراء، وأسئلة فقهية حول مكانته في الحوزة، وأسئلة تاريخية حول فرادة نموذج التوريث داخل نظام أقام شرعيته على رفض الوراثة.
النتيجة المرجّحة: نظام أكثر صلابة أمنية على المدى القريب، وأشدّ هشاشةً من حيث الشرعية على المدى البعيد.
أولا لحظة انتقال في قلب الحرب: ما الذي يجعل هذه المرة مختلفة؟
لم تواجه ايران في تاريخها انتقالًا للسلطة العليا في ظروف مماثلة لما شهدناه. فمقتل المرشد الأعلى خلال حرب إقليمية واسعة وضع النظام أمام ما يمكن تسميته "الخطر المزدوج": ضربة عسكرية خارجية، وفراغ محتمل في مركز القرار. وهو توليف لم تختبره الجمهورية الإسلامية في أيٍّ من أزماتها السابقة، من حرب الثماني سنوات مع العراق إلى الاضطرابات الداخلية عام 2009 وما تلاها.
جاء الإعلان عن تعيين مجتبى خامنئي سريعًا، وهو ما يدل دلالة بليغة على أن النخبة الحاكمة استوعبت الدرس الجوهري: أن أخطر ما يهدد النظام في زمن الحرب ليس خسارة معركة، بل اهتزاز مركز القوة.
البُعد الدستوري: مجلس الخبراء، سؤال مغيَّب أم قرار مسرَّب؟
ينصّ الدستور الإيراني المعدَّل عام 1989 على أن مجلس خبراء القيادة - المكوَّن من ثمانية وثمانين عضوًا من رجال الدين المنتخبين - هو الجهة الدستورية الوحيدة المخوَّلة اختيارَ المرشد الأعلى وعزله ومراقبته. وبالتالي فإن أول سؤال دستوري يطرحه الانتقال هو: هل تمّت استشارة مجلس الخبراء أم أن الأمر واقع سبق الإجراءات الرسمية؟
ثمة احتمالان: إما أن الأجهزة الأمنية والمؤسسية أفضت إلى اتفاق مسبق طُرح على المجلس للتثبيت لا للنقاش، وهو ما يعكس هشاشة آلية الدستور في لحظة الطوارئ. وإما أن المجلس تجاوَز دستوريًا لصالح سرعة الانتقال، مما قد يفتح جدلًا قانونيًا داخليًا لاحقًا. كلا السيناريوين يمسّ مبدأ الشرعية الدستورية للنظام.
الدستور الإيراني يجعل مجلس الخبراء المرجعية الوحيدة لاختيار المرشد وجاءت سرعة الإعلان تشير إلى أن القرار اتُّخذ خارج الآلية الدستورية الاعتيادية أو أن المجلس أقرّه في جلسة طارئة مُرتَّبة سلفًا
.
ثانيًا رجل الظل الذي خرج إلى الضوء: سيرة مجتبى السياسية
وُلد مجتبى خامنئي عام 1969، وتلقّى تعليمه الديني في حوزة قم، غير أنه لم يبلغ درجة المرجعية الفقهية التي تعني — في التقليد الشيعي — القدرة على إصدار الفتوى بشكل مستقل والاعتراف الجماعي من الحوزة بتقليده. وهذه نقطة جوهرية: فوالده علي خامنئي نفسه واجه هذا الاعتراض عند توليه المرشدية، وحُلَّ الإشكال آنذاك بترقيته إلى درجة الآية الله العظمى في خطوة استثنائية. التاريخ قد يعيد نفسه — لكن في ظروف أشد وطأة.
أما سيرته السياسية فكانت في معظمها خلف الكواليس: مقرّب من مكتب المرشد، حاضر في حلقات القرار المتعلقة بالملفات الحساسة، ومُدار اسمه منذ سنوات كمرشح محتمل للخلافة في التسريبات الأكاديمية والاستخباراتية. بيد أن "القرب من الكواليس" يختلف جوهريًا عن "إمساك زمام المؤسسة".
معضلة التوريث: فرادة في التاريخ الإيراني
قامت الجمهورية الإسلامية في أساسها الأيديولوجي على رفض نظام الوراثة السياسية، وهو رفض موجَّه في جوهره ضد النظام الملكي البهلوي. والمفارقة اللافتة أن انتقال المنصب من الأب إلى الابن — حتى لو أُضفيت عليه الشرعية الدينية والدستورية — يفتح باب التشبيه مع نماذج الوراثة السلطوية في المنطقة، من سوريا إلى كوريا الشمالية، وهو تشبيه لن يُغفله المنتقدون في الداخل والخارج.
الأنظمة التي مرّت بتجربة مشابهة كشفت أن التوريث السلطوي يعيد رسم حسابات الشرعية على المدى البعيد، حتى حين يمرّ بسلاسة في المرحلة الأولى. ففي سوريا عام 2000، استقبل الشارع الانتقال بقدر من الترقّب والتحفظ تحوّل لاحقًا إلى تصدع عميق. في إيران 2026، الشارع الذي حمل ثورات 2009 و2019 و2022 ليس شارعًا مجهول الهوية.
ثالثًا الحرس الثوري: بنية متشققة أم عمود راسخ؟
الخطأ التحليلي الأكثر شيوعًا في قراءة الحرس الثوري هو معاملته ككتلة صماء ذات مصلحة واحدة. الحرس اليوم مؤسسة شاسعة تمتد من العمليات العسكرية في عدة جبهات إلى محافظ الاقتصاد الإيراني، ومن الاستخبارات إلى الإعلام، وهذا التشعب ذاته مصدر قوة ومصدر توتر داخلي في الآن نفسه.
الشقوق البنيوية داخل المؤسسة
:
التوتر بين قادة العمليات الإقليميين (سوريا، العراق، لبنان، اليمن) وقيادة الداخل: الأوائل يمتلكون خبرة ميدانية ونفوذًا شبكيًا مستقلًا تراكم على مدى عقدين.
التوتر بين الأجيال: ضباط ما بعد 2000 الذين تشكّلوا في بيئة العمليات الإقليمية مقابل الجيل المؤسِّس المرتبط بذاكرة الثورة وحرب الثماني سنوات.
التوتر الاقتصادي: المجمعات الاقتصادية للحرس (خاتم الأنبياء وغيره) باتت مراكز قوة شبه مستقلة بمصالح قد تتعارض مع التصعيد العسكري المفتوح.
في لحظة انتقال السلطة، هذه الشقوق لا تختفي — بل تُعاد إدارتها. المرشد الجديد يحتاج إلى الحرس، لكن الحرس أيضًا يحتاج إلى غطاء مشروعية يوفّره المرشد. هذا التشابك هو ما يجعل العلاقة بينهما أكثر تعقيدًا من مجرد "تحالف".
الاقتصاد السياسي: النفوذ الحقيقي للحرس
يُسيطر الحرس الثوري على ما يتراوح بين ثلث ونصف الاقتصاد الإيراني من خلال شركاته وتحالفاته وشبكاته. هذه السيطرة تعني أن من يمسك زمام الحرس يمسك — بالمعنى العملي — مفاتيح الدولة الاقتصادية. مجتبى يدرك هذا جيدًا، ولهذا فإن العلاقة مع قيادة الحرس ستكون الاختبار الأول والأهم لمرحلة تثبيت نفوذه.
الحرس الثوري يمتلك موارد اقتصادية وشبكات إقليمية تمنحه استقلالية نسبية عن أي مرشد وهذه الاستقلالية ستجعل من دعم الحرس للمرشد الجديد مفاوضةً ضمنية لا تسليمًا مطلقًا
رابعًا الشارع الإيراني: الغائب الحاضر في معادلة الشرعية
التحليل الذي يتحدث عن شرعية النظام دون أن يُقيَّم حالة الرأي العام الداخلي يُجري عملية بتر طوعية لنصف الصورة. الشارع الإيراني ليس ديكورًا سلبيًا في معادلة السلطة: فثورات 2009 و2019 و2022 أثبتت قدرته على زعزعة الحسابات حتى في لحظات الاستقرار النسبي.
التوريث الأسري في لحظة حرب يحمل حمولة مضاعفة عند هذا الشارع. فمن ناحية، الحرب تُنتج عادةً حالةً من التضامن الوطني والانخراط حول القيادة — وهو ما قد يمنح مجتبى هامشًا في المرحلة الأولى. لكن من ناحية أخرى، الشارع الذي عاش عقدًا من الاحتجاجات والضائقة الاقتصادية يربط مباشرةً بين مشروعية الحاكم وقدرته على حل مشاكله اليومية، لا بين مشروعيته ونسبه الديني أو العائلي.
المتغير الأخطر هنا هو الأوضاع الاقتصادية: العقوبات، وتدهور قيمة الريال، وتضخم سعري يضرب الطبقة الوسطى والدنيا. في هذا السياق، الحرب ليست مجرد حدث خارجي — بل هي عبء اقتصادي إضافي تتحمّل تبعاته الفئات الأكثر هشاشةً. والمرشد الجديد سيُقاس عند هؤلاء بمعيار واحد: هل يُخرج البلاد من هذا النفق؟
خامسًا دروس التاريخ: مقارنات أنظمة في أوقات التحول
1989: انتقال خامنئي الأب درس الأزمة المحلولة
حين توفّي الخميني في يونيو 1989، كان النظام أمام أزمة فقهية حادة: خامنئي لم يكن مرجعًا بالمعنى الكلاسيكي. الحلّ جاء سياسيًا: تعديل دستوري سريع رفع شرط المرجعية، وترقية استثنائية إلى درجة الآية الله العظمى. درس هذا الانتقال: النظام يملك قدرة على تطويع الشرعية الدينية لصالح المتطلبات السياسية — لكن هذه القدرة تستهلك جزءًا من رصيده الديني في كل مرة يلجأ إليها.
سوريا 2000: الوراثة في نظام "جمهوري"
انتقال السلطة من حافظ الأسد إلى بشار في يونيو 2000 تمّ في غياب أي إطار دستوري واضح للتوريث — بل استلزم تعديلات دستورية متسارعة لخفض سن الترشح. الانتقال مرّ في صمت وترقّب. لكن غياب الاعتراض الفوري لم يكن إجماعًا، بل كان تأجيلًا وتحوّل لاحقًا إلى انفجار لم تستوعبه بنية النظام. الفارق مع إيران: الشارع الإيراني أكثر تنظيمًا ومُجرِّبًا للاحتجاج.
كوريا الشمالية 1994: الوراثة في زمن الأزمة
رحل كيم إيل سونغ في يوليو 1994 في خضمّ أزمة اقتصادية حادة (المجاعة) وتوتر نووي مع الخارج. انتقل الحكم إلى كيم جونغ إيل بسلاسة ظاهرية، مدعومًا بجهاز حزبي وعسكري متماسك. الدرس هنا: التماسك المؤسسي يمكنه استيعاب الانتقال حتى في أسوأ الظروف، لكن الثمن كان تعميق الطابع العسكري للنظام وتقليص هامش الإصلاح لعقود.
الاستخلاص المقارن: النظام الإيراني أكثر تعقيدًا من النموذجين السوري والكوري، إذ يجمع بين شرعية دينية ومؤسسة عسكرية وبنية تعددية محدودة. هذا التعقيد يصعّب الانهيار المفاجئ، لكنه أيضًا يصعّب الإصلاح السريع.
سادسًا تأثير الانتقال على إدارة الحرب: ثلاثة سيناريوهات
المعادلة الجديدة في رأس السلطة الإيرانية تتقاطع مع الحرب الجارية لتنتج ديناميكيات يصعب التنبؤ بها بدقة. بيد أن ثلاثة سيناريوهات تبدو الأرجح:
1. التصعيد لإثبات الوجود: قد تسعى القيادة الجديدة إلى إطلاق عملية نوعية أو تصعيد محسوب في إحدى الجبهات — لا لأسباب استراتيجية بحتة، بل لتأكيد السيطرة على المؤسسة العسكرية وإرسال رسالة طمأنة للحلفاء الإقليميين بأن مقتل خامنئي الأب لم يُصِب البنية القرارية. هذا النوع من التصعيد الرمزي موثّق في سلوك الأنظمة الانتقالية.
2. الحرب الرمادية المديدة: الأكثر ترجيحًا هو الإبقاء على أسلوب العمليات غير المباشرة عبر الحلفاء (حزب الله، الفصائل العراقية، الحوثيون)، مع تجنّب المواجهة المباشرة التي تستهلك قدرات الحرس ومصادر الشرعية في الداخل معًا.
3. ضبط التصعيد والانفتاح الدبلوماسي المشروط: إذا أدرك المرشد الجديد أن استمرار الحرب يُضعف قاعدة شرعيته الداخلية، فقد يبعث بإشارات خافتة للخروج الدبلوماسي — لكن تحت غطاء أمني يحفظ ماء الوجه. هذا السيناريو مرهون بطبيعة الضغط الخارجي والداخلي معًا.
سابعًا ردود الفعل الدولية: خريطة المواقف الأولية
الموقف الأمريكي: ترامب يطالب بحق الفيتو على المرشد
لم يكتفِ ترامب بمتابعة مسار الخلافة الإيرانية — بل أعلن صراحةً مطالبته بدور مباشر في تحديدها. ففي الخامس من مارس 2026، قال لموقع
Axios
: "إنهم يضيّعون وقتهم. نجل خامنئي شخص خفيف الوزن. يجب أن أكون طرفًا في هذا التعيين"، مقارنًا موقفه بتدخّله في تحديد قيادة فنزويلا بعد اعتقال مادورو. وأضاف صراحةً: "نجل خامنئي غير مقبول بالنسبة لي. نريد شخصًا يُعيد الانسجام والسلام إلى إيران".
وحين سُئل في البيت الأبيض عمّن يمكن أن يخلف خامنئي، أجاب ترامب بجملة لافتة: "معظم الأشخاص الذين كنّا نفكر فيهم قد ماتوا" — في إشارة ضمنية إلى أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية أسقطت من الحسابات مرشحين كانوا مفضَّلين لدى واشنطن. وبعد الإعلان الرسمي عن تعيين مجتبى في الثامن من مارس، صعّد ترامب لهجته قائلًا لـ
ABC News
: "سيحتاج إلى موافقتنا. إن لم يحصل على موافقتنا فلن يصمد طويلًا".
هذه التصريحات تكشف ثلاثة أبعاد تحليلية: أولًا، واشنطن تقرأ تعيين مجتبى كضعف لا كاستمرار — وهي قراءة قد تكون خاطئة. ثانيًا، نموذج ترامب المُضمَر لإيران هو نموذج فنزويلا: قيادة من الداخل بشروط أمريكية — مشروع يتناقض مع كل ما تعرفه الديناميكيات الإيرانية. ثالثًا، التصريحات العلنية العدائية تُنتج أثرًا معاكسًا داخل إيران: فهي تُحوّل أي قبول بالمرشد الجديد إلى خيانة وطنية في أعين الشارع الإيراني.
الردّ الإيراني: تحويل الضغط الأمريكي إلى وقود للتعبئة
جاء الردّ الإيراني على مطالب ترامب فوريًا وحادًا. رئيس البرلمان قالیباف كتب: "مصير إيران العزيزة الأغلى من الأرواح تحدده الأمة الإيرانية الأبيّة وحدها، لا عصابة إبشتاين" — في استحضار مقصود لاسم مرتبط بترامب في الوجدان الإيراني. وذهب أحد كبار رجال الدين أبعد من ذلك، مُلاحظًا بسخرية: "حتى الشيطان الأكبر ذكر اسمه" — في إشارة إلى أن معارضة ترامب لمجتبى باتت في نظر شريحة إيرانية توصيةً ضمنية له. ترامب، بتصريحاته العلنية، قدّم لمجتبى ورقة شرعية مجانية: المرشد الذي يرفضه الأمريكيون هو بالضرورة المرشد الذي يريده الإيرانيون.
إسرائيل: الضغط العسكري على الآلية الدستورية نفسها
ذهب الموقف الإسرائيلي أبعد من التصريحات: استهدف الجيش الإسرائيلي مبنى مجلس خبراء القيادة في مدينة قم — الهيئة الدستورية المنوط بها انتخاب المرشد — في محاولة صريحة لتعطيل عملية الاختيار ذاتها. وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس أن أي خليفة لخامنئي، كائنًا من كان، سيُعدّ هدفًا مشروعًا للاغتيال.
هذا التصعيد يُضيف بُعدًا غائبًا عن كل انتقالات السلطة التاريخية السابقة: المؤسسة الدستورية الإيرانية نفسها باتت تحت تهديد عسكري مباشر أثناء أداء وظيفتها. وهو ما يجعل أي مرشد جديد يتولى منصبه تحت ضغط وجودي غير مسبوق، مما يدفع منطقيًا نحو التشدد لا التهدئة.
روسيا والصين: شركاء يراقبون ولا يتدخلون
موسكو وبكين تنظران إلى الانتقال الإيراني من منظور مصلحي براغماتي. روسيا تحتاج إيران شريكةً في مواجهة الضغط الغربي ومورِّدةً للقدرات العسكرية التي استخدمتها في أوكرانيا. الصين تحتاج إيران ممرًا نفطيًا وجزءًا من منظومة "الحزام والطريق". كلاهما سيُقدّمان العلاقة مع المؤسسة لا مع الشخص — مما يعني أن انتقال القيادة لن يؤثر كثيرًا على هذه المحاور ما دامت المصالح البنيوية قائمة.
دول الخليج: قراءة فرصة أم مصدر قلق؟
التقييمات الخليجية تتباين تبعًا للمسافة من خطوط التماس الإيرانية. الرياض وأبوظبي ستُقيّمان الانتقال بدرجة عالية من البراغماتية: ما الذي يعنيه للجبهة اليمنية؟ وللنفوذ الإيراني في العراق والشام؟ هل ثمة هامش لتهدئة متبادلة أم أن لحظة التصعيد الانتقالية ستطال مصالحهم مباشرةً؟
العامل الأهم في المشهد الخليجي ليس الموقف الرسمي المُعلَن، بل شبكات الاتصال الهادئة التي تعمل خلف الكواليس — والتي اكتسبت تجربة واسعة منذ اتفاقيات أبراهام وما تلاها من تحولات إقليمية.
ثامنًا التأثير الإقليمي: الذراع الممتدة في زمن التحوّل
إيران لاعب مركزي في توازنات الشرق الأوسط، وشبكة نفوذها الإقليمية — من العراق إلى لبنان إلى اليمن مرورًا بسوريا ليست مجرد أدوات عسكرية، بل هي في أحيان كثيرة عوامل ضغط مستقلة لها منطقها الخاص ومصالحها التي لا تتطابق دائمًا مع الأجندة الإيرانية المركزية.
خريطة النفوذ الإيراني الإقليمي في لحظة الانتقال
العراق: الفصائل الموالية تمتلك استقلالية تشغيلية متزايدة، وانتقال السلطة في طهران قد يُفضي إلى هامش مناورة أوسع لبعض هذه الفصائل
.
لبنان / حزب الله: الأكثر التزامًا بالتوجيه الإيراني المركزي، لكنه يعمل في بيئة داخلية لبنانية تفرض قيودها الخاصة.
اليمن / الحوثيون: المسافة الجغرافية والاستقلالية التنظيمية تجعلهم أقل تأثرًا بلحظات الانتقال في طهران على المدى القصير
.
سوريا: إيران تُعيد حساباتها في ضوء التحولات الميدانية المتسارعة، والمرشد الجديد سيرث ملفًا بالغ التعقيد
خلاصة نظام في اختبار طويل الأمد
صعود مجتبى خامنئي يمثّل لحظة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، لكن تقييمها يستلزم الفصل بين مستويين زمنيين:
المدى القريب: نظام أكثر صلابة أمنية بفضل دعم الحرس الثوري واندماج مصالح النخبة في الحفاظ على التماسك. سرعة الانتقال كانت في حدّ ذاتها رسالةً ناجحة للداخل والخارج.
المدى البعيد: أسئلة مفتوحة حول الشرعية الدينية، ومعضلة التوريث في نظام مؤسِّس خطابه على رفض الوراثة، وتراكم استياء الشارع الذي لم تُخمده الحروب السابقة.
الانتقال الأشد خطورة ليس الانتقال الذي يُواجَه بمعارضة فورية، بل الانتقال الذي يمرّ بصمت ظاهري يُخفي اهتزازات بنيوية تظهر لاحقًا في لحظة أقل توقعًا.
النظام الإيراني نجح في منع الفراغ في رأس السلطة. لكنه في الوقت نفسه دخل في رهان طويل الأمد: هل يستطيع مجتبى أن يبني شرعيةً ذاتيةً تتجاوز ظل والده — في نظام بنى كل شرعيته على كون الحاكم ظلًّا لله، لا لأبيه؟
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news