مع دخول الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أسبوعها الثاني، يتصاعد الجدل حول أسباب تريث جماعة الحوثي عن الانخراط في الصراع إسنادًا لراعيتها طهران، كما فعلت الفصائل المسلحة التابعة للنظام الإيراني، مثل حزب الله اللبناني والفصائل العراقية.
وكان “برَّان برس” قد وضع هذا السؤال على عدد من الباحثين، ضمن سلسلة حوارات أُجريت معهم لمناقشة تداعيات هذا التصعيد الإقليمي على المشهد اليمني، في ظل ترقب لموقف ذراع إيران الأهم في اليمن.
وأجمع الباحثون على احتمالية تدخل الجماعة في الصراع الجاري من خلال استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر، فيما تفاوتت آراؤهم بشأن أسباب تأخر الجماعة في الانخراط المباشر في التصعيد حتى الآن.
وفي خطاب متلفز الخميس الماضي، جدد زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي تأكيد جاهزية جماعته للانخراط في الحرب، وقال مخاطبًا الإيرانيين: “نحن جاهزون، وأيدينا على الزناد فيما يتعلق بالتحرّك العسكري في أي لحظة تقتضي التطورات ذلك”.
مزيد من التفكير
يرى الكاتب والمحلل السياسي المصري حمدي الحسيني أن موقف جماعة الحوثي بعد الهجوم الواسع على إيران ما يزال غير واضح قائلًا: “حتى الآن، لم نر أي رد فعل حوثي على استهداف إيران أو قتل المرشد”.
وباعتقاده، فإن “الحوثيين يتريثون في إعلان موقف واضح حتى يرون ماذا ستفعل إسرائيل والولايات المتحدة بحزب الله الذي قرر الرد ودخول المعركة. فالرد الإسرائيلي العنيف على قرار حزب الله واستعداده لاجتياح الجنوب بقوات برية وتهجيره القسري لسكان الجنوب، قد يدفع الحوثيين للتفكير أكثر من مرة في دخول الحرب.
وأما مسألة دخول الحوثي الحرب، فأكد أن هذا وارد، وإن كان بشكل آخر أو على الأقل في لحظة معينة، ربما عندما تطلب منه أو عندما يجد اللحظة أو الفرصة المناسبة، خاصة بعد إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز.
وأوضح أن “إغلاق مضيق هرمز، هو مقدمة أو إشارة لإغلاق باب المندب لاحقاً ونقل الأزمة إلى البحر الأحمر بطريقة أو بأخرى. وبالتأكيد الحوثي لديه أوراق ضغط في باب المندب، سواء بقصف السفن أو تعطيل الملاحة”.
ويرى أن الحوثيين الآن يدرسون كيفية دخولهم وبأي شكل يمكن مشاركتهم في هذه المعركة. وإذا انفجرت الأحداث وتحالفت الدول العربية الخليجية لاستهداف إيران أو الرد على بعض الأهداف التي قصفتها إيران في دول الخليج سيكون الحوثي جاهزاً للرد، ولديه أدوات لاستهداف هذه الدول دعمًا لإيران.
قراءة حذرة
رغم التطابق السلوكي للأذرع الإيرانية خلال الفترة الماضية، يشير الخبير المصري في الشؤون العربية أحمد يوسف أحمد إلى وجود اختلاف في الأداء خلال جولة الحرب الجارية؛ فبينما سارع حزب الله إلى التدخل، لم يقدم الحوثيون حتى الآن على خطوة مماثلة.
ويرى أن هذا التريث قد يعكس قراءة حذرة لموازين القوى، لكنه لا يستبعد احتمال تغير الموقف إذا استمرت الحرب لبعض الوقت وأظهرت إيران قدرة نسبية على الصمود.
وأضاف الدكتور أحمد، وهو أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة: “لا أستبعد تدخل الحوثيين، ليس اعتقاداً بأنهم يمكن أن يغيروا ميزان القوى في الحرب، ولكن لأن إيران هي المسؤول الخارجي الرئيسي عن تقوية الجماعة.”
وأشار إلى أن إخراج إيران من معادلة القوة والنفوذ في الشرق الأوسط “سيصيب الحوثيين بضرر كبير، لأنهم سيفقدون نصيرهم الوحيد، في ظل علاقات غير جيدة مع محيطهم المباشر”.
ليس براغماتية أو عقلانية
من جانبها، قالت الباحثة اليمنية المتخصصة في الشأن الإيراني أمل عالم إنه “من المبكر القول إن عدم تدخل الحوثيين حتى الآن يعود إلى براغماتية الجماعة أو إلى تفكير عقلاني يهدف إلى تجنب الدمار الذي قد يلحق بالجميع”.
وترى أن “الحرس الثوري يحتفظ بالورقة الحوثية لتحقيق أقصى قدر من الاستفادة”. موضحة أن “ما قامت به الأذرع الإيرانية حتى الآن لم يمنح النظام الإيراني مكاسب يمكن إضافتها إلى رصيده لفرض مطالبه. كما أن تحركات الأذرع في العراق ولبنان جاءت في سياق استعراض قوة فوضوي”.
وللحكم على موقف الحوثيين، شددت على أولوية تحديد أين يمكن أن تتدخل الجبهة الحوثية لخدمة النظام الإيراني والحرس الثوري. موضحة أن التحركات الحوثية تتركز في مسارين رئيسيين: استهداف المملكة العربية السعودية وتهديد أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وأضافت أن الاستراتيجية الإيرانية لا تركز حالياً على هذين المسارين، فإحصائيات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت دول المنطقة تشير إلى أن السعودية تأتي في آخر القائمة، وفي سياق تهديد ممرات الطاقة العالمية، فضّل الإيرانيون هذه المرة البدء من مضيق هرمز.
وتابعت: “وربما يريدون بذلك الإيحاء بأن المعادلة قد تغيّرت، وأنهم لم يعودوا يكترثون بالمجتمع الدولي وتصنيفاته، وأنهم مستعدون للذهاب إلى أبعد مما كان متوقعاً سابقاً، حين كانت الاستراتيجية الإيرانية تعتمد أساساً على الوكلاء في التنفيذ وتستخدمهم كقفازات للتنصل من المسؤولية”.
ومع ذلك توقعت أن “يتدخل الحوثيون إذا انتقلت الاستراتيجية الإيرانية إلى ممارسة ضغوط أكبر أو إلى تفجير الوضع بشكل أوسع”.
باب المندب كورقة ضغط
وعن احتمالات استخدام باب المندب والبحر الأحمر كورقة ضغط، أكد الحسيني، أن البحر الأحمر يُعد أول ورقة ضغط يمكن أن يستخدمها الحوثيون، لكن توقيت وآلية هذا الاستخدام ستقرره أحداث الحرب. مرجحًا أن هناك تنسيقاً كاملاً بين الحوثيين وبين الحرس الثوري الإيراني في هذا السياق.
فيما قالت الباحثة أمل عالم، إن الاحتمالات قائمة إلى حد كبير، ويتوقف ذلك على المسار الذي ستتخذه الحرب والتصعيدات الجارية، خاصة إذا لم يتمكن الإيرانيون من تحقيق أهدافهم سريعاً بما يسمح لهم بفرض مطالبهم في سياق التفاوض والتهدئة.
وأضافت أنه في هذه الحالة قد يلجأ الإيرانيون إلى إدخال الحوثيين على خط التصعيد لزيادة مستوى الضغوط والفوضى في المنطقة، ولا سيما عبر تهديد أمن الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.
وأكدت أن ذلك سيكون له انعكاسات سلبية، كونه سيستدعي رداً أمريكياً أو إسرائيلياً من خلال ضربات عسكرية على مناطق سيطرة الحوثيين.
من جانبه، يرى الخبير المصري أحمد يوسف، أن الأمر يرتبط بقرار الحوثيين الدخول في الحرب، فإذا غلبت الحسابات الرشيدة وقرروا عدم التدخل لصالح إيران، فلن تُستخدم هذه الورقة ولن يتأثر أمن الملاحة في البحر الأحمر، لكن إذا امتدت الحرب وصمدت فيها إيران فقد يصبح إغلاق مضيق باب المندب ورقة مطروحة”.
كما لا يستبعد أن يكون هناك نوع من “توزيع الأدوار”، بأن يبدأ حزب الله الحرب في مرحلة معينة وثم ينضم الحوثيون في مرحلة لاحقة.
بلا قرار
وعن مدى استقلالية قرار جماعة الحوثي، قالت الباحثة أمل عالم إنه “من الصعب الجزم بمدى استقلالية القرار العسكري لدى الحوثيين. لكن بالعودة إلى القرارات الحوثية السابقة وربطها بالتوجهات الإيرانية، نجد أن العديد من التحركات العسكرية الحوثية جاءت متسقة مع الاستراتيجية والمصالح الإيرانية في المنطقة.
بينما يرى المحلل السياسي الحسيني، أن جماعة الحوثي لا تملك قراراً عسكرياً مستقلًا، مؤكدًا أن ارتباط الموقف الحوثي بإيران كان واضحاً منذ وقت طويل.
وأضاف أن دخول الحوثيين في حرب غزة، رغم تقديمه على أنه إسنادًا للقضية الفلسطينية، إلا أنه كان مكلفاً للغاية وجاء بإيعاز من إيران.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news