يمثّل الشيخ عباس النهاري، عضو الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح، أحد الوجوه العلمية والدعوية اليمنية التي انتقلت من فضاءات التعليم التقليدي في الريف اليمني إلى فضاءات العمل العام والتشريع تحت قبة البرلمان.
من بيئة ريفية بسيطة في مديرية ذي السفال بمحافظة إب، بدأت ملامح تكوينه العلمي تتشكل عبر الكتاتيب وحلقات المساجد، قبل أن تتوسّع تجربته في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ثم في المعاهد العلمية.
وبين محطات التعليم والدعوة والعمل المؤسسي، تشكّلت شخصية النهاري التي جمعت بين التكوين الشرعي والانخراط في الشأن العام، وصولاً إلى عضويته في مجلس النواب ثم مجلس الشورى.
في مقابلة مطولة بثتها قناة "اليمن" الفضائية في جزأين، استعاد النهاري تفاصيل رحلته العلمية والفكرية، كاشفاً عن مراحل التكوين الأولى، وتأثير مشايخه، وتحولاته الفكرية، إضافة إلى تجربته في العمل السياسي والتشريعي.
النشأة والبدايات الأولى
وُلد الشيخ عباس النهاري عام 1371هـ في قرية سناعة بمديرية الجعاشن في ذي السفال بمحافظة إب، ونشأ في بيتٍ ريفي محافظ، أحاطه والداه برعاية خاصة، إذ كان الابن الوحيد لهما، وقد أسهم هذا المناخ الأسري في ترسيخ ميل مبكر نحو التعليم الديني وحلقات المساجد.
بدأت رحلته التعليمية في المعلامة أو الكتّاب، حيث تنقل بين عدد من المعلمين في قريته والقرى المجاورة. وفي تلك المرحلة كان التعليم يعتمد على الألواح الخشبية وقراءة القرآن الكريم، وهي الطريقة التي شكّلت أساس التكوين العلمي التقليدي في الريف اليمني آنذاك.
يستعيد النهاري حادثة تركت أثراً عميقاً في ذاكرته؛ حين طلب منه والده، قبل سفره إلى الحج، أن يتم قراءة القرآن الكريم كاملاً قبل عودته. وقد بذل جهداً كبيراً لتحقيق هذا الوعد، وتمكّن بالفعل من إكمال القراءة قبل عودة والده، الأمر الذي قابله الأب بفرح كبير.
كانت تلك المناسبة لحظة احتفاء رمزية في حياته المبكرة؛ حيث جرت العادة آنذاك على تزيين اللوح الذي كان الطالب يكتب عليه آيات القرآن، ويُكتب عليه قول الله تعالى: "فتح من الله ونصر قريب وبشر المؤمنين"، وهو تقليد يعكس مكانة حفظ القرآن في الثقافة المجتمعية.
إلى جانب القرآن، حرص والده على أن يتلقى ابنه أساسيات الفقه الشافعي، فدرّسه عدداً من المتون الفقهية مثل "سفينة النجاة" و"زبد ابن رسلان"، وكان الوالد نفسه خطيب المسجد وإمامه، إضافة إلى عمله مأذوناً شرعياً وعاقلاً للقرية.
بداية الرحلة العلمية خارج القرية
مع مرور الوقت، برزت لدى النهاري رغبة متزايدة في التعمق في العلوم الشرعية. وقد لعب أحد وجهاء المنطقة، وهو "الحاج عبده" رحمه الله، دوراً حاسماً في هذه المرحلة حين لفت انتباه أسرته إلى أهمية إرساله لطلب العلم خارج القرية.
ورغم تردد الوالدين في البداية بسبب كونه الابن الوحيد، إلا أن الإلحاح في طلب العلم أقنع الأسرة بالسماح له بالسفر. وكانت هذه الخطوة نقطة تحول في مسيرته التعليمية.
انتقل النهاري إلى قرية المحفاد في عزلة الثوابي بجبلة حيث درس على يد الأستاذ عبد السلام محمد عبد الله المحفاد، أحد تلامذة الشيخ محمد علي الرحبي. وخلال هذه الفترة، أظهر قدرة لافتة على الحفظ، إذ تمكن خلال أسبوعين من حفظ عدد من المتون العلمية.
لكن انشغال شيخه بالتدريس في مدرسة أخرى جعله يقضي ساعات عديدة في المسجد يراجع المتون ويحفظها دون شرح مفصل، وهو ما يعكس طبيعة التعليم الذاتي الذي طبع تجربته المبكرة في طلب العلم.
جبلة.. مرحلة تكوينه العلمي
يشير النهاري إلى أن جامع جبلة شكّل المحطة الأهم في تكوينه العلمي والمعرفي. فقد تحوّل الجامع إلى مدرسة علمية متكاملة تضم حلقات دراسية متعددة المستويات، قبل أن يتحول لاحقاً إلى معهد علمي رسمي.
في تلك البيئة العلمية، درس على أيدي عدد من العلماء، وفي مقدمتهم الشيخ محمد علي الرحبي الذي كان يدرّس الفقه والنحو. ويذكر النهاري أن أحد دروس الرحبي في شرح "زبد ابن رسلان" ترك أثراً عميقاً فيه، حين تناول أحد الأبيات شرحاً مؤثراً دفعه إلى التأمل في المعاني الأخلاقية للنصوص العلمية.
استمرت دراسته في جبلة نحو خمس سنوات، وهي الفترة التي يرى أنها شكّلت الأساس الحقيقي لشخصيته العلمية. كما كان النظام التعليمي في تلك المرحلة يعتمد على معادلة الشهادة الأزهرية لعدم وجود سلم تعليمي متكامل في اليمن آنذاك.
وخلال تلك السنوات، تلقى العلم على عدد من المشايخ الذين كان لهم تأثير كبير في تكوينه، منهم الشيخ عبد الرحمن العنسي في الفقه والفرائض، والشيخ حميد قاسم عقيل رحمه الله والذي اشتهر بتواضعه وقربه من الطلاب.
موقف حاسم مع والده
يروي النهاري موقفاً مفصلياً كاد أن يقطع مسيرته التعليمية. فقد تلقى رسالة من والده يطلب فيها عودته إلى القرية، وهو ما شكّل صدمة بالنسبة له، خاصة أنه كان يستعد لشرح أحد كتب الفقه المهمة وهو كتاب "الدرراري المضيئة" للعلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله.
أمام هذا الموقف، كتب رسالة مطولة إلى والده شرح فيها أهمية الاستمرار في طلب العلم، وطلب منه السماح له بإكمال دراسته. وعندما قرأ الوالد الرسالة تأثر بها وبكى، قبل أن يوافق على استمرار ابنه في الدراسة.
يصف النهاري تلك اللحظة بأنها كانت أشبه بِعيد شخصي في حياته، إذ أدرك أن الطريق العلمي الذي اختاره لن يُغلق أمامه.
التحول الفكري والبحث عن الدليل
شهدت سنوات الدراسة في جبلة تحولات فكرية في رؤية النهاري لبعض القضايا الدينية. فقد نشأ في بيئة تميل إلى المدرسة الصوفية التقليدية، لكنه بدأ لاحقاً بمراجعة عدد من القضايا العقدية.
ويشير إلى أن قراءته لكتاب "تطهير الاعتقاد" للإمام محمد بن إسماعيل الأمير وكتاب "شرح الصدور في تحريم رفع القبور" للإمام الشوكاني شكّلت منعطفاً فكرياً لديه، إذ وجد فيهما دعوة إلى تصحيح بعض الممارسات الدينية المرتبطة بالتبرك بالقبور والبدع.
وقد دفعته هذه القراءات إلى تبني منهج يعتمد على الاحتكام إلى الدليل الشرعي بعيداً عن التعصب المذهبي، وهو الاتجاه الذي كان سائداً لدى المدرسة الإصلاحية اليمنية التي يمثلها علماء مثل الشوكاني وابن الأمير الصنعاني وصولا إلى الشيخ محمد بن إسماعيل العمراني رحمه الله.
الدراسة في المدينة المنورة
في عام 1974م، حصل النهاري على منحة دراسية للالتحاق بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، بعد سلسلة من الإجراءات والتزكيات العلمية برفقة صديقه ورفيق دربه الأستاذ طه مربوش رحمه الله تعالى، وقد لعبت رسالة توصية من الشيخ عمر أحمد سيف دوراً مهماً في تسهيل قبولهم في الجامعة، حسب قوله.
كما التقى خلال تلك المرحلة بالشيخ عبد العزيز بن باز الذي وصفه بأنه كان نموذجاً للعالم المربي المتواضع، مشيراً إلى سعة صدره في التعامل مع الطلاب واستعداده للاستماع إلى آرائهم وأسئلتهم.
ويؤكد النهاري أن سنوات الدراسة في المدينة المنورة وسّعت مداركه الثقافية والمعرفية، حيث درس على أيدي عدد من العلماء البارزين، مثل الشيخ "عطية محمد سالم" الذي كان يشرح "موطأ الإمام مالك" في المسجد النبوي، والشيخ "أبي بكر الجزائري"، وغيرهم.
وخلال أربع سنوات من الدراسة، حقق تفوقاً أكاديمياً ملحوظاً بحصوله على مراتب الشرف الأولى، وهو ما عزز حضوره العلمي في الوسط الأكاديمي.
تأسيس المعاهد العلمية
بعد عودته إلى اليمن، كان النهاري يعتزم العودة إلى المدينة المنورة للتدريس، إلا أن أبناء منطقته ألحّوا عليه بالبقاء والمساهمة في نشر العلم والتعليم.
وبالتعاون مع عدد من الشخصيات العلمية، منهم الشيخ مشرف المحرابي والقاضي حمود الهتار، أسس معهد ذو النورين العلمي في الجعاشن، ليكون أحد المراكز التعليمية التي تسهم في نشر العلوم الشرعية في المنطقة.
جاء تأسيس المعهد في فترة شهدت توسعاً في شبكة المعاهد العلمية في اليمن، وهي المؤسسات التي لعبت دوراً مهماً في تأهيل أجيال من الطلاب في العلوم الشرعية الوسطية.
التحولات الفكرية في اليمن
يتوقف النهاري عند التحولات التي شهدها التعليم الديني في اليمن بعد ثورة 26 سبتمبر، مشيراً إلى أن البلاد كانت تعيش قبل الثورة حالة من الانقسام المذهبي، انعكس ذلك في طبيعة المناهج التعليمية.
ويرى أن الثورة ساهمت في إعادة صياغة المناهج بما يقلل من النزعة المذهبية، إذ جرى الاعتماد على كتب علماء مثل الشوكاني وابن الأمير التي تقوم على الاستدلال بالنصوص الشرعية الموافقة للكتاب والسنة من مختلف المذاهب.
وقد ساعد هذا التوجه، وفقا للشيخ النهاري، على تخفيف حدة الانقسامات المذهبية، وتقديم نموذج تعليمي يركز على الدليل الشرعي بدلاً من التعصب الفقهي.
العمل البرلماني
رغم أن اهتمامه الأساسي ظل منصباً على العمل العلمي والدعوي، إلا أن النهاري دخل المجال السياسي في مرحلة لاحقة مع التحولات التي شهدتها اليمن بعد الوحدة عام 1990 وإقرار التعددية السياسية.
ففي عام 1993 انتُخب عضواً في مجلس النواب ممثلاً عن دائرة القاعدة بمديرية ذي السفال، حيث شارك في العمل التشريعي ضمن لجنة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية.
وكانت مهمة اللجنة إعداد منظومة قوانين تستند إلى الشريعة الإسلامية مع مراعاة متطلبات الواقع المعاصر، وهو ما اعتبره النهاري محاولة لتحقيق التوازن بين المرجعية الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة.
وبعد انتهاء فترته البرلمانية، انضم عام 2003 إلى مجلس الشورى، ليواصل حضوره في الحياة العامة من موقع استشاري وتشريعي حتى اليوم.
بين الدعوة والسياسة
يؤكد النهاري أن ميوله الأساسية ظلت تميل إلى العمل الدعوي والعلمي أكثر من العمل السياسي، لكنه يرى أن الفصل بين المجالين ليس حتمياً إذا كانت النية تتجه لخدمة المجتمع.
ويرى أن العمل السياسي في بلد مثل اليمن ينبغي أن ينطلق أولا من بناء الدولة، وتنظيم مرجعية دستورية واضحة، تقوم على أساس المساواة بين المواطنين، ورفض أي تمييز قائم على الانتماء العرقي أو الطبقي أو السلالي.
يقول الشيخ النهاري: "لا بد أن يحرص الجميع أن يكون هناك دولة، تنطلق هذه الدولة من دستور ومن نظم وقوانين، تحرص على عدم التمايز بين أبناء البلد، لا تمايز ولا فوارق طبقية ولا عرقية ولا سلالية تعتمد المنهج الرباني الذي قال فيه الحق سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾" (الحجرات: 13).
الشيخ عباس النهاري.. رحلة عالم من كتاتيب الجعاشن إلى قاعات البرلمان (1)
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news