في سياق عرضه مبررات الحرب الأمريكية ضد إيران، أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى هجومٍ شبه منسي لتنظيم القاعدة أسفر، قبل 25 عامًا، عن مقتل 17 بحارًا أمريكيًا وإصابة العشرات الآخرين.
ففي 12 أكتوبر/تشرين الأول 2000، فجّر انتحاريون السفينة الحربية الأمريكية “يو إس إس كول” (USS Cole) أثناء توقفها للتزوّد بالوقود في اليمن. وقد تبنّى تنظيم القاعدة المسؤولية عن الهجوم، الذي اعتُبر لاحقًا نذيرًا مبكرًا لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.
وألمح ترامب إلى وجود صلة بين الهجوم على المدمّرة “يو إس إس كول” وإيران في مقطع فيديو نشره البيت الأبيض بعد ساعات من اندلاع الحرب.
وقال ترامب:
“في عام 2000، كانوا على علمٍ بالهجوم على يو إس إس كول، وربما كانوا متورطين فيه. لقد قُتل كثيرون.”
ومن خلال الإيحاء بوجود ارتباط إيراني، أظهر ترامب مدى استمرار تشابك الولايات المتحدة مع إرث حروبها الكبرى السابقة، حتى مع انخراطها في صراع جديد. كما سلط ذلك الضوء على دعوى قضائية قديمة مرفوعة ضد إيران، سعت إلى تحقيق قدر من العدالة لأسر القتلى ورفاقهم من أفراد الطاقم الذين نجوا من الهجوم.
ويُتهم السعودي عبد الرحيم النشيري بالتخطيط لتفجير “يو إس إس كول” وهجماتٍ أخرى لتنظيم القاعدة استهدفت سفنًا في المنطقة لصالح زعيم التنظيم أسامة بن لادن. ومن المقرر أن تبدأ عملية اختيار هيئة المحلفين في محاكمته أمام لجنة عسكرية في الأول من يونيو/حزيران، أي بعد ما يقرب من 25 عامًا من اعتقاله في الإمارات العربية المتحدة، حيث تعرّض للتعذيب واحتُجز لسنوات لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه).
ويقضي النشيري منذ عام 2006 فترة احتجازه لدى الجيش الأمريكي في القاعدة البحرية في خليج غوانتانامو في كوبا.
وقد طلب محاموه، الذين يتقاضون أجورهم من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) للدفاع عنه، رسميًا هذا الأسبوع من الادعاء الكشف عن أي معلومات استخباراتية أمريكية تدعم تأكيد الرئيس بشأن وجود صلة محتملة بين إيران والهجوم.
وسافر أفراد من عائلات البحّارة الذين قُتلوا، وكذلك بعض الناجين من هجوم المدمّرة الأمريكية “يو إس إس كول”، إلى القاعدة البحرية الأمريكية في خليج غوانتانامو في كوبا لأكثر من عقد من الزمن لمتابعة مجريات القضية، وذلك منذ جلسة توجيه الاتهام الأولى عام 2011.
ومع ذلك، تقول المحامية أليسون إف. ميلر، كبيرة محامي الدفاع عن المتهم عبد الرحيم النشيري، إن أي صلة محتملة بينه وبين إيران لم تُطرح قط خلال أكثر من عشر سنوات من جلسات ما قبل المحاكمة، ولا في مئات الآلاف من صفحات الأدلة التي سلّمها الادعاء لفريق الدفاع.
ولهذا جاء الأمر مفاجئًا لتوم ويبرلي، الذي قُتل ابنه كريغ ويبرلي (19 عامًا) في الهجوم على “يو إس إس كول”، عندما استشهد الرئيس دونالد ترامب بالتفجير كمبرر للحرب ضد إيران. وقال ويبرلي:
“كل هذه الشهادات، بكل هذا القدر من التفصيل، لم تذكر شيئًا عن إيران.”
وظهرت فكرة وجود دعم إيراني للهجوم في دعوى قضائية رُفعت عام 2010 من قبل والدة وشقيقي كيفن روكس (30 عامًا)، الذي قُتل في تفجير “يو إس إس كول”. وجادلت الدعوى بأن إيران، وهي دولة يغلب عليها المذهب الشيعي، وجدت أرضية مشتركة مع الحركة السنية العابرة للحدود التي قادها أسامة بن لادن. كما أشارت إلى أن تنظيم القاعدة وحركتي حزب الله وحماس المدعومتين من إيران استخدمت جميعها التفجيرات الانتحارية وسيلةً للهجوم.
وفي تفجير “يو إس إس كول”، اقترب عنصران من تنظيم القاعدة على متن زورق صغير محمّل بالمتفجرات من السفينة أثناء توقفها للتزوّد بالوقود في ميناء عدن، ثم فجّرا نفسيهما.
ولم تردّ إيران على تلك الدعوى القضائية، ولا على دعوتين أخريين رُفعتا لاحقًا من قبل عائلات القتلى والناجين من الهجوم.
وفي عام 2015، قضى القاضي الفدرالي الأمريكي رودولف كونتريراس، استنادًا إلى شهادات خبراء في شؤون الإرهاب، بأن إيران سمحت لعناصر من تنظيم القاعدة بالمرور عبر أراضيها إلى أفغانستان، كما سمحت للتنظيم بإنشاء بيوت آمنة هناك لتسهيل تنقّل أفراده.
وقد أشار القاضي إلى عبد الرحيم النشيري مرة واحدة فقط في قراره المؤلف من خمسين صفحة.
وكتب القاضي في قراره:
“نتيجةً لتواطؤ إيران، يُرجَّح أن عبد الرحيم حسين محمد النشيري، أحد العقول المدبرة للهجوم على المدمّرة الأمريكية يو إس إس كول (USS Cole)، مرّ عبر إيران أثناء تنقله بين اليمن وأفغانستان، سواء قبل التفجير أو بعده.”
غير أن أليسون إف. ميلر، محامية الدفاع الرئيسية عن النشيري، قالت هذا الأسبوع إن موكلها “لا تربطه أي صلات بإيران، ولم يزر إيران قط”.
وعبر مجمل الدعاوى القضائية المرتبطة بالقضية، أمر القاضي إيران بدفع نحو 2.9 مليار دولار لـ175 فردًا من عائلات ضحايا هجوم كول تعويضاتٍ مدنية وعقابية. غير أن أقل من 5% من هذا المبلغ دُفع حتى الآن من صندوق أمريكي مخصص لتوزيع الأصول المصادَرة من منتهكي العقوبات.
ويُتهم النشيري، وهو مواطن سعودي، بالمساعدة في ترتيب بيوت آمنة وتأمين متفجرات وتقديم أشكال أخرى من الدعم اللوجستي لتنفيذ الهجمات. وهو محتجز لدى الولايات المتحدة منذ عام 2002. ومن أسباب التأخر الطويل في بدء محاكمته أنه أمضى الأعوام الأربعة الأولى من احتجازه في سجون سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، حيث تعرّض للتعذيب، الأمر الذي أدى إلى تلويث بعض الأدلة التي كان الادعاء يسعى لاستخدامها ضده.
وكان أنتون غَن، الذي قُتل شقيقه شيرون غَن (22 عامًا) في هجوم كول، من بين أفراد العائلات الذين رفعوا دعوى قضائية ضد إيران باعتبارها دولة راعية للإرهاب.
وقال غَن:
“لنكن واضحين: إن أقرب ما وصلنا إليه من العدالة كان عندما تمكّنا من قتل أسامة بن لادن قبل 15 عامًا، أي قبل وقت طويل من وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة.”
وفي هذا العام تلقّى غَن دفعة قدرها 98 ألف دولار من الصندوق الفدرالي، وهي جزء من تعويض قدره 2.5 مليون دولار حصل عليه بموجب حكم في دعواه المدنية ضد إيران.
ومع ذلك، قال إن إشارة ترامب إلى هجوم “يو إس إس كول” أعادت إثارة الكثير من الأسئلة التي لا تزال تراوده بشأن التفجير.
وأضاف:
“ليس لدي أي فكرة عمّن كان متورطًا في ماذا. حتى إنني لا أعلم ما إذا كان عبد الرحيم النشيري قد نفذ الهجوم أم لا. كل ما أعرفه أنه تعرّض للإيهام بالغرق واحتُجز في موقع احتجاز سري لمدة أربع سنوات.”
وتابع قائلًا:
“هل يمكن أن تكون إيران وراء ذلك؟ ربما. لكن بعد 25 عامًا، ومن دون سلسلة أدلة واضحة، ومع تقدّم الشهود في السن ووفاة بعضهم، فإن الأمر بالنسبة لي يشبه طعنة جديدة في خاصرة عائلات ضحايا كول. نحن ببساطة لا نحصل على ما نستحقه: عدالة واضحة وحاسمة.”
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news