أكد الكاتب والمحلل السياسي المصري، حمدي الحسيني، أن التحولات العسكرية الجارية في المنطقة والمواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ستنعكس “إيجاباً” على الملف اليمني، مشيراً إلى أن تقليم أذرع طهران الإقليمية سيجبر جماعة الحوثي المصنفة عالميًا بقوائم الإرهاب على التخلي عن تعنتها والجنوح للسلام.
وقال “الحسيني” في حوار خاص مع “برَّان برس”، إن “إيران ما بعد الحرب” لن تكون كما قبلها، خاصة فيما يتعلق بدعم أذرعها المسلحة في الدول العربية، مرجحاً أن يؤدي إضعاف إيران إلى دفع ذراعها الحوثية في اليمن نحو “رؤية جديدة” أكثر انفتاحاً وتجاوباً مع مبادرات السلام التي رفضتها سابقًا.
وقدم المحلل السياسي المصري في هذا الحوار قراءة معمّقة لمآلات التصعيد المتواصل في المنطقة لليوم الرابع على التوالي، واحتمالات دخول الحوثيين على خط المواجهة، ومستقبل عملية السلام في اليمن في حال تغيّرت موازين القوى الإقليمية.
ويأتي الحوار في حين تتصاعد المخاوف من انعكاسات هذا التصعيد الإقليمي على الساحة اليمنية، نظرًا لارتباط جماعة الحوثي العضوي بالمحور الإيراني، والحساسية الجيوسياسية لموقع اليمن المطل على البحر الأحمر وباب المندب.
نص الحوار:
* كيف ستنعكس التطورات والتصعيد الإقليمي الجاري على المشهد اليمني؟
- لا شك أن الموقف في منطقة الخليج والحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، سيكون لها تأثيرات كبيرة وجوهرية على الموقف أو على المشهد اليمني.
أعتقد أن هذه التأثيرات ستكون، في مجملها، إيجابية بالنسبة لليمن. فسواء خرجت إيران من هذه المعركة بخسائر كبيرة أو صغيرة، ففي النهاية ستكون إيران ما بعد الحرب غير ما قبلها، خصوصاً فيما يتعلق بأذرعها الإقليمية، التي كانت واحدة من أهم ملفات الصراع بينها وبين واشنطن وتل أبيب.
فكرة تقليم أذرع إيران الخارجية بالتأكيد ستمس بالدرجة الأولى اليمن والجماعة الحوثية، كما حدث في لبنان عندما أصدرت الحكومة اللبنانية قرارًا جريئًا وصحيحًا يقضي بنزع سلاح حزب الله وتوحيد السلاح في يد الدولة اللبنانية، والذي فرضته الأوضاع وظروف الحرب.
وأعتقد أن ما حدث في لبنان من الممكن جداً أن يجري في اليمن، وإن كان بشكل آخر.
*ما تقييمك لموقف جماعة الحوثي بعد الهجوم الواسع على إيران، وعلى ضوء مواقف الأذرع المماثلة في لبنان والعراق؟
حتى الآن، لم نر أي رد فعل حوثي على استهداف إيران أو قتل المرشد، أعتقد أن الحوثيين يتريثون في إعلان موقف واضح حتى يرون ماذا ستفعل إسرائيل والولايات المتحدة بحزب الله الذي قرر الرد ودخول المعركة.
فالرد الإسرائيلي العنيف على قرار حزب الله واستعداده لاجتياح الجنوب بقوات برية وتهجيره القسري لجميع سكان الجنوب، قد يدفع الحوثيين للتفكير أكثر من مرة في دخول الحرب.
أما مسألة دخول الحوثي الحرب، بالتأكيد قائمة وإن كان بشكل آخر أو على الأقل في لحظة معينة، ربما عندما تطلب منه أو عندما يجد اللحظة أو الفرصة المناسبة، خاصة عندما رأينا أن إيران أغلقت مضيق هرمز.
إغلاق مضيق هرمز، هو مقدمة أو إشارة لإغلاق باب المندب لاحقاً ونقل الأزمة إلى البحر الأحمر بطريقة أو بأخرى. وبالتأكيد الحوثي لديه أوراق ضغط في باب المندب، سواء بقصف السفن أو تعطيل الملاحة.
*إلى أي مدى تملك جماعة الحوثي استقلالية القرار العسكري؟
في تقديري، لا تملك جماعة الحوثي قراراً عسكرياً مستقلًا. ارتباط الموقف الحوثي بإيران كان واضحاً منذ وقت طويل. حتى دخولهم في حرب غزة، رغم تقديمه على أنه إسنادًا للقضية الفلسطينية، إلا أن الحقيقة كان مكلفاً للغاية وكان بإيعاز من إيران.
*هل سيؤثر الضغط العسكري والاقتصادي على إيران في حجم ونوعية الدعم الذي تقدمه للحوثيين؟
بالتأكيد الدعم الذي يتلقاه الحوثي من إيران شبه متوقف حالياً، وإن كان لديه مخزونًا من الطائرات المسيرة أو الصواريخ، إلا أنها سيتريث كثيراً عندما يبدأ استخدامها، لأنه لا يقدر أن يعوض هذا المدد أو لو خلصت مخزونات الصواريخ الموجودة لديه مسبقاً.
صعب جداً يعوضها في ظل الأوضاع والأزمة الحالية، وخصوصاً أن إيران ستستنفد كل طاقتها في قصف الأهداف الإسرائيلية وربما الأمريكية لاحقًا.
* ما احتمالات استخدام البحر الأحمر وباب المندب كورقة ضغط؟
بالتأكيد، يُعد البحر الأحمر أول ورقة ضغط يمكن أن يستخدمها الحوثيون، لكن توقيت وآلية هذا الاستخدام ستقرره أحداث الحرب. ومن المرجح أن هناك تنسيقاً كاملاً بين الحوثيين وبين الحرس الثوري الإيراني في هذا السياق.
* كيف سيؤثر التصعيد الإقليمي على مسار التهدئة وجهود السلام في اليمن؟
رغم تداعيات الحرب على المنطقة كلها، أعتقد أن الأزمة اليمنية ستتأثر إيجاباً. ربما سيكون الطرف اليمني الأكثر فوزاً في هذه الحرب؛ لأن إضعاف إيران بالتبعية سيلقي بظلاله على جماعة الحوثي وستعرف حجمها الطبيعي. والسيناريو المأمول هو أن جماعة الحوثي ستفتح الباب أمام الحوار والنقاش وفتح صفحة جديدة مع كل الأطراف اليمنية وبصورة مختلفة.
في السابق كانت جماعة الحوثي تتعنت أو تتمرّد على كل ما يطرح عليها من أفكار أو مبادرات، لكن بعد الحرب أعتقد أن ستكون هناك رؤية جديدة للجماعة الحوثية أكثر انفتاحاً وأكثر تعاوناً وأكثر تجاوباً مع كل المبادرات التي كانت ترفضا في السابق، وأظن أن هذا سيصب في مصلحة عملية السلام في اليمن، ويسارع بعودة الأطراف كلها إلى مائدة المفاوضات، وسيكون الحوثي أحد الأطراف على هذه المائدة.
أرى أن ما كان يرفضه الحوثي في السابق سيقبله في المستقبل؛ لأنه لن يكون لديه ظهير إقليمي قوي يستند إليه كما كان يعتقد في إيران بوجود الخميني.
* ما السيناريوهات الأكثر ترجيحًا في حال استمرار التصعيد؟ وهل هناك مخاوف من اتساع رقعة الصراع؟
السيناريو الأرجح هو استمرار الحرس الثوري في ضرب الأهداف الأمريكية في دول الخليج أو استهداف إسرائيل، وهذا سيشجع الحوثي على دخول المعركة بطريقة مختلفة.
أعتقد أنهم الآن يدرسون كيفية دخولهم وبأي شكل يمكن مشاركتهم في هذه المعركة، ولو انفجرت الأحداث ودخلت أو تحالفت الدول العربية الخليجية لاستهداف إيران أو الرد على بعض الأهداف التي قصفتها إيران في دول الخليج سيكون الحوثي جاهزاً للرد ولديه أدوات صاروخية أو نيران لاستهداف هذه الدول لمساعدة إيران.
والسيناريو الأكثر ترجيحاً هو جلوس الأطراف على مائدة المفاوضات، فهناك جهود دولية تسعى إلى رأب الصدع ووقف الحرب بكل أشكالها وصورها، وهذا السيناريو لن يحدث قبل مرور 10 إلى 15 يوماً سيكون كل طرف استنزف.
ويعزز هذا السيناريو أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية لا تستطيع تحمل الاختباء في الملاجئ لأكثر من أسبوعين، فالصور القادمة من تل أبيب تنبئ بوجود ضجر بصفارات الإنذار والدخول للملاجئ طوال هذه المدة، واعتقد بعد أكثر من أسبوعين سيبدأ الإسرائيليون فكرة الرحيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى أوروبا أو وروسيا وغيرها.
والسيناريو الأسوأ هو ما تهدف إليه إسرائيل والولايات المتحدة، وهو جر دول الخليج إلى حرب ضد إيران أو الرد على القصف الإيراني، وإدخال المنطقة في حرب بين الشيعة والسنة.
وقد تم رصد خلايا وأصابع صهيونية في عدد من دول الخليج كانت تحاول إشعال الحرائق داخل بعض دول الخليج منها سلطنة عمان، لخلط الأوراق وتحويل الحرب إلى حرب بين شيعة وسنة وخروج إسرائيل والولايات المتحدة من هذا الأمر بعد أن تقول العالم أن هذه حرب بين المسلمين لا دخل لنا فيها. وأظن أن هذا السيناريو تدركه جيداً دول عربية وخليجية كثيرة.
وفي هذه الحالة، بالتأكيد سيكون الحوثي في الصف الإيراني بلا شك إلى جانب حزب الله في لبنان وبعض القوى في العراق.
*كيف ترون فرص التدخل البري في الأراضي الإيرانية؟
هناك تخوف كبير من أن تكون إسرائيل والولايات المتحدة تسعيان إلى عمل نوع من التسلل البري والدخول إلى الأراضي الإيرانية عبر بوابة الأكراد.
وأظن أن هذا سيناريو صعب، لأن دخول قوات برية سواء كانت إسرائيلية أو أمريكية إلى الأراضي الإيرانية هي مغامرة كبيرة وتؤدي ربما إلى تحول بعض هذه المجموعات إلى رهائن.
وهذا يعطي لإيران ورقة قوية في الحرب، لأن إيران تجيد مسألة الرهائن، ولديها خبرات كبيرة في احتجاز الرهائن الأجانب والمساومة عليهم في عملية تبادل الأسرى أو على الأقل كورقة لوقف العدوان.
وإجمالًا، الحرب دائرة والباب مفتوح، فإذا حدث أن الولايات المتحدة تكبدت خسائر إضافية غير عدد الجنود الذين قتلوا أعتقد فوراً ستبدأ عملية مطالبة وتحرك داخلها لوقف الحرب، خاصة وأن الداخل الأمريكي منقسم؛ فترامب يخوض الحرب دون موافقة الكونجرس. كما أن وهناك أصوات قوية ترى أن إيران لم تشكل تهديداً مباشراً للمصالح الأمريكية وأن الانجرار خلف أهداف إسرائيل سيضر بمصالح واشنطن في الشرق الأوسط.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news