آ أقر مجلس الوزراء ، في اجتماعه الأسبوعي الأحد، مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026، في خطوة وصفها رئيس الوزراء الدكتور شائع محسن الزنداني بأنها "محطة مهمة من محطات استعادة انتظام مؤسسات الدولة"، وذلك للمرة الأولى منذ سنوات توقفت فيها أدوات التخطيط المالي المنتظم بفعل الحرب.
وجاء إقرار الموازنة، التي أعدتها وزارة المالية ورفعتها اللجنة العليا للموازنات، متزامناً مع إعلان الرياض عن دعم جديد بقيمة مليار وثلاثمائة مليون ريال سعودي لتمويل الرواتب وتغطية جزء من عجز الموازنة، في وقت تشهد المنطقة تصعيداً عسكرياً خطيراً يهدد بإشعال جبهة جديدة في اليمن.
أولويات الموازنة: الرواتب والخدمات الأساسية
واستوعبت الموازنة الجديدة الأولويات الوطنية بما يتناسب مع الموارد المتاحة، مع تركيز واضح على انتظام صرف المرتبات والأجور للقطاعين الإداري والعسكري، وتمويل الخدمات الأساسية، ودعم الحماية الاجتماعية.
وفوض المجلس وزارة المالية بمعالجة الفروقات المالية للنفقات الحكومية بالنقد الأجنبي، وإعادة النظر في سقوف وأولويات النفقات بما يحقق الموائمة بين تدفق الموارد وحدود الإنفاق والحد من عجز الموازنة.
وقال الزنداني في كلمته أمام المجلس إن "إقرار الموازنة لا يمثل مجرد إجراء مالي دوري، بل يعكس عودة الدولة إلى ممارسة أحد أهم اختصاصاتها السيادية"، مشيراً إلى أن المرحلة السابقة فرضت "إدارة الضرورة"، أما اليوم فإن المسؤولية تقتضي الانتقال التدريجي إلى "إدارة الدولة بمنهج مؤسسي واضح".
انضباط مالي ورقابة مشددة
وشدد رئيس الوزراء على أن الانضباط المالي سيكون "قاعدة حاكمة" في عمل الحكومة، ولن يكون هناك إنفاق خارج إطار الموازنة المعتمدة، كما لن يُسمح بأي ازدواج أو تجاوز للإجراءات القانونية المنظمة للمال العام.
وأوضح أن الموازنة تمثل "خطوة أولى ضمن مسار إصلاحي أوسع"، يشمل تحديث النظام المالي، وتطوير الإدارة الضريبية والجمركية، وتحسين كفاءة التحصيل، وترشيد النفقات، وتعزيز الشفافية، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص.
واعتبر الزنداني أن انتظام الموازنة العامة يمثل "رسالة طمأنة مهمة للمؤسسات المالية الدولية وشركاء اليمن الإقليميين والدوليين"، بأن الحكومة تمضي في مسار إصلاحي جاد، قائم على المسؤولية والانضباط.
الدعم السعودي: ركيزة الاستقرار
وأعرب رئيس الوزراء عن "التقدير العميق" للدعم السعودي، مثمناً الإعلان الأخير عن تقديم دعم جديد بمبلغ 1.3 مليار ريال سعودي، وقال إن هذا الدعم "يجسد عمق العلاقات الأخوية والمصير المشترك بين البلدين".
وأشاد مجلس الوزراء بالدعم السعودي بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، معتبراً إياه "ركيزة أساسية في دعم الاستقرار الاقتصادي وتمكين الحكومة من الإيفاء بالتزاماتها".
وعلى صعيد الملفات الأمنية، تابع مجلس الوزراء المستجدات الإقليمية المتسارعة، وفي مقدمتها التصعيد العسكري الخطير في المنطقة، بما في ذلك الاعتداءات الإيرانية على سيادة عدد من الدول الشقيقة في أعقاب الضربات الأميركية والإسرائيلية على مواقع للنظام الإيراني.
وجدد المجلس إدانته للاعتداءات التي تمس سيادة الدول الشقيقة، مؤكداً التضامن الكامل مع السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعمان والأردن.
وحذر المجلس مليشيات الحوثي من الانخراط في أي مغامرات عسكرية والزج باليمن في صراعات إقليمية ودولية، مؤكداً الرفض القاطع لاستخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد أمن الدول الشقيقة أو ممراً لصراعات بالوكالة عن النظام الإيراني.
وتأتي الموازنة الجديدة في وقت يواجه فيه الاقتصاد اليمني تحديات جسيمة، منها انهيار العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم، وتقلص الإيرادات المحلية، واعتماد كبير على الدعم الخارجي لتمويل النفقات الجارية.
غير أن الحكومة أكدت أن الموازنة أعدت على "أسس واقعية" تأخذ في الاعتبار الإمكانات المتاحة، وتسعى إلى تحقيق التوازن بين الالتزامات الضرورية للدولة وبين متطلبات الاستقرار المالي والنقدي.
وفي ختام كلمته، أكد الزنداني أن إقرار الموازنة هو "بداية الطريق"، أما معيار النجاح الحقيقي فسيكون في "حسن التنفيذ، والالتزام الصارم بما ورد فيها من تقديرات وأولويات".
وقال إن "الشعب اليمني يستحق دولة منظمة، ومؤسسات منتظمة، وخدمات مستقرة، واقتصاداً يتعافى بثبات"، مضيفاً: "ما نقوم به اليوم هو خطوة مسؤولة على طريق طويل، لكنه الطريق الصحيح نحو استعادة الاستقرار وتعزيز الثقة".
وتعهدت الحكومة بمواصلة العمل على تعزيز الاعتماد على الموارد المتاحة، وتنفيذ الإصلاحات المالية والإدارية المقررة، وتوسيع القاعدة الإيرادية للدولة، بما يحقق تدريجياً قدرة أكبر على تغطية التزاماتها تجاه المواطنين بصورة منتظمة ومنضبطة.
آ
يُعد إقرار الموازنة العامة خطوة نوعية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، التي تعمل من العاصمة المؤقتة عدن منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014. غير أن النجاح الفعلي للموازنة مرهون بعدة عوامل، منها استقرار الإيرادات النفطية، واستمرار الدعم الخليجي، والقدرة على فرض الانضباط المالي على جميع المؤسسات الحكومية، وعدم تأثر الأوضاع الأمنية بالتصعيد الإقليمي القائم.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news