كشف تقرير نشرته بي بي سي عن تصاعد القيود والانتهاكات التي تعرقل عمل المنظمات الإنسانية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي شمال اليمن، في وقت يعاني فيه ملايين السكان من أوضاع معيشية قاسية واعتماد شبه كامل على المساعدات الإنسانية، وسط تحذيرات من انهيار متسارع للعمل الإغاثي.
وتسيطر الجماعة على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة في شمال البلاد منذ عام 2014، بينما دخل اليمن منذ عام 2015 في حرب مدمرة أسفرت، وفق تقديرات الأمم المتحدة، عن مقتل مئات الآلاف ودفع نحو 22 مليون شخص إلى الحاجة للمساعدات الإنسانية.
تدخل مباشر في المساعدات
تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً مشددة تشمل تأخير التصاريح وفرض قوائم محددة للمستفيدين والتدخل في طبيعة المشاريع، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعطيل البرامج أو إلغائها بالكامل.
وقالت عاملة إغاثة يمنية – استخدمت اسماً مستعاراً حفاظاً على سلامتها – إن جمعيتها خسرت نحو 90% من دخلها خلال العام الماضي واضطرت إلى تسريح معظم موظفيها، بعد تعثر مشاريع إنسانية نتيجة القيود المفروضة.
وأوضحت أن مشروع مساعدات نقدية كان يستهدف 1600 أسرة انهار بالكامل بعد رفض منظمتها تسليم جزء من التمويل لتوزيعه على مستفيدين اختارتهم سلطات الحوثي، مؤكدة أن إلغاء المشروع حرم جميع الأسر من أي دعم.
وأضافت أن جمعيتها كانت تدير 13 مشروعاً إنسانياً حتى عام 2024، لكنها لم تعد قادرة إلا على تنفيذ مشروع واحد فقط “بشق الأنفس” نتيجة القيود المتزايدة.
كما تحدثت عن حادثة وفاة ثمانية نازحين داخل خيمة في أحد المخيمات بعد تعثر وصول المساعدات، مشيرة إلى أن المنظمة كانت تسعى لتقديم ملابس ومستلزمات نظافة للنساء في المخيم، لكن المشروع تعطل بسبب القيود الحوثية المفروضة.
عراقيل وبيروقراطية معقدة
تشير شهادات عاملين في المجال الإنساني إلى أن تنفيذ المشاريع يتطلب في بعض الأحيان سلسلة طويلة من الموافقات، قد تشمل عشرات المسؤولين الحوثيين، ما يؤدي إلى تأخير البرامج أو إلغائها بعد انتهاء مهل التمويل.
كما أفاد عاملون بأن سلطات المليشيات تتدخل في اختيار المستفيدين وتفرض أحياناً تنفيذ المشاريع عبر شركات مرتبطة بها، وهو ما أدى إلى إلغاء بعض المشاريع الممولة دولياً بعد أشهر من المفاوضات غير المثمرة.
وشملت القيود الحوثية أيضاً تقييد حركة الفرق الميدانية وفرض شروط خاصة على الموظفات، ما زاد من صعوبة تنفيذ البرامج الإنسانية.
مصادرة واعتقالات
تحدث عاملون في المجال الإنساني عن مداهمات لمكاتب منظمات ومصادرة معدات وأجهزة ووثائق، إضافة إلى احتجاز موظفين محليين، في ظل مناخ من الخوف يمنع كثيرين من الحديث علناً.
ووفق الأمم المتحدة، فإن عشرات الموظفين العاملين في المجال الإنساني محتجزون لدى الحوثيين، وهو ما أثر بشكل مباشر على العمليات الإغاثية.
كما أشار التقرير إلى وفاة موظفين في منظمات إنسانية أثناء احتجازهم، ما أثار مخاوف واسعة داخل القطاع الإنساني ودفع بعض العاملين إلى مغادرة مناطق سيطرة الحوثيين.
واتهمت مليشيا الحوثي في مناسبات عدة عاملين في المنظمات الإنسانية بالعمل لصالح جهات أجنبية، وهي اتهامات رفضتها الأمم المتحدة.
انهيار التمويل الإنساني
تفاقمت الأزمة مع تراجع التمويل الدولي، خصوصاً بعد تشديد القيود المالية والمصرفية، ما أدى إلى صعوبات كبيرة في تحويل الأموال داخل البلاد.
وأدى ذلك إلى خسارة بعض المنظمات أكثر من نصف تمويلها، وتعليق مشاريع إنسانية، وانسحاب عدد من الجهات الإغاثية من مناطق سيطرة الحوثيين.
كما اضطرت بعض المنظمات إلى إغلاق مكاتبها، وسط تقارير عن مصادرة ممتلكاتها بعد المغادرة، بما في ذلك معدات وأجهزة ووثائق.
انسحاب المنظمات وتفاقم الأزمة
أدى تدهور الأوضاع إلى تعليق أو إنهاء عمليات عدد من المنظمات الإنسانية، بينما يعتزم برنامج الأغذية العالمي إنهاء نشاطه في شمال اليمن، رغم أن برامجه كانت توفر مساعدات لملايين المحتاجين.
وحذر البرنامج من أن أكثر من ثلث الأسر اليمنية عانت من انعدام حاد في الأمن الغذائي، في مؤشر على تفاقم الأزمة الإنسانية.
ويعتمد ملايين اليمنيين على المساعدات الإنسانية في ظل تدهور اقتصادي حاد واستمرار النزاع، ما يجعل أي تراجع في العمل الإغاثي تهديداً مباشراً لحياة السكان.
مستقبل غامض
يحذر عاملون في القطاع الإنساني من أن استمرار القيود المفروضة على المنظمات، إلى جانب تراجع التمويل الدولي، قد يؤدي إلى انهيار واسع للعمل الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين.
ويهدد هذا الوضع ملايين الأسر التي تعتمد على المساعدات للبقاء، وسط مخاوف متزايدة من تفاقم الأزمة الإنسانية في حال استمرار القيود والانسحابات.
ويرى عاملون في المجتمع المدني أن فرص استمرار المنظمات المستقلة في العمل داخل مناطق سيطرة الحوثيين تتضاءل بشكل متزايد، في ظل بيئة توصف بأنها أكثر عدائية للعمل الإنساني من أي وقت مضى.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news