من هنا، ومن فوق هذه الأرض التي لم تفتأ تضمد جراحها حتى تفتح لها الأقدار فجوات جديدة في جدار المستحيل، يبدو المشهد اليقيني في الجنوب العربي وكأنه استعادة تراجيدية لفصول صراع لم ينتهي، بل إنه يعيد إنتاج نفسه بأدوات أكثر قسوة وأشد وطأة، فنحن اليوم لسنا بصدد تحولات تكتيكية عارضة في موازين القوى، بل أمام عملية جراحية قيصرية تستهدف استئصال إرادة شعب بأسره، حيث تتداخل خيوط المؤامرة بين غارات جوية انطلقت من حسابات إقليمية خاطئة لتضرب القوات الجنوبية في مفاصل وجودها في المهرة وحضرموت، وبين محاولات حثيثة لفرض واقع عسكري وسياسي يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، نحو زمن الاحتلال اليمني الذي ظن الجنوبيون أنهم قد واروه الثرى بدمائهم وتضحياتهم، اذ ان ما جرى ويجري من استهداف ممنهج للمجلس الانتقالي الجنوبي، وصولا إلى محاولات تفكيك بنيته التنظيمية والسيطرة على مقاره، ليس إلا فصلا من فصول الالتفاف الكبير على طموحات هذا الشعب، وهي خطوات ترمي في جوهرها إلى كسر الرمزية التي يمثلها القائد عيدروس الزبيدي، ومن خلاله كسر العمود الفقري للمشروع الوطني الجنوبي، بهدف إرغام الناس على قبول صيغ سياسية مهينة تم إعداد مطابخها في غرف مغلقة تلبي رغبات قوى الاحتلال اليمني المتمثلة في رشاد العليمي ومن يقف خلفه، أولئك الذين يسعون بشتى السبل لجر الجنوب إلى طاولة حوار وطني جنوبي-جنوبي، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، إذ أنها لا تزيد عن كونها فخا منصوبا بعناية لإجهاض حلم الاستقلال الناجز، والتمهيد لمخرجات مشوهة تنتهي بفرض الفيدرالية مع الشمال، وهي الصيغة التي تعني بوضوح وأد الهوية الجنوبية في رمال الوحدة الغادرة مرة أخرى.
وفي هذا المنعطف التاريخي الحرج، يجد المواطن الجنوبي نفسه مضطرا للتساؤل عن معنى التضحية إذا كانت النتائج ستؤول إلى مقايضات سياسية رخيصة، فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تقبل بأنصاف الحلول تنتهي بضياع كامل لحقوقها، ومن هنا يصبح التمسك بالإعلان الدستوري الذي أصدره القائد عيدروس الزبيدي في أواخر ديسمبر المنصرم ليس مجرد خيار سياسي، بل هو ضرورة وجودية وفعل مقاومة شرعي ضد كل المشاريع والمؤامرات التي تحاك بليل، حيث يمثل هذا الإعلان الحصن الأخير الذي يتحصن خلفه الشعب الجنوبي لرفض أجندات التمييع والالتفاف، ولعل المليونية الجماهيرية المرتقبة في ساحة العروض مساء غد الجمعة هي الاختبار الحقيقي لإرادة هذا الشعب، حيث ينبغي أن ترتفع الأصوات هادرة لرفض أي مسارات تفاوضية لا تضع الاستقلال والترتيب لقيام دولة الجنوب كشرط مسبق ووحيد لا يقبل التراجع، فالجلوس على طاولة التفاوض مع قوى الاحتلال دون سقف محدد يتجاوز الفيدرالية ويحقق السيادة الكاملة هو في حقيقته خيانة عظمى لدماء الشهداء الذين سقطوا وهم يرفعون راية الجنوب، وهو استهتار بنضالات عقود طويلة من القهر والصمود، فما الجدوى من الحروب والنضالات التي خاضها الشعب الجنوبى على مدى عقود، وما القيمة للأرواح التي أزهقت، إذا كان المنتهى هو العودة إلى حظيرة التبعية تحت مسميات براقة تخفي في طياتها أنياب الاحتلال القديم الجديد.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news