لم يعد الصراع في اليمن مقتصرا على الجغرافيا والسلاح، بل امتد إلى الفضاء الرقمي الذي أصبح شريانا للحياة اليومية وميدانا جديدا للسيطرة. فقد برزت إجراءات جديدة اتخذتها مليشيا الحوثي في مناطق سيطرتها، تمثلت بمنع خدمة الإنترنت الفضائي مثل "ستارلينك"، والتضييق على ملاك شبكات الواي فاي، وحظر بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي، كخطوات متتابعة تعكس توجها نحو إحكام القبضة على تدفق المعلومات، فالاتصال اليوم ليس مجرد خدمة تقنية، بل بوابة للاقتصاد والتعليم والإعلام والعمل الحر، ومن يتحكم به يمتلك قدرة واسعة على توجيه المشهد العام.
هذه الإجراءات لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع يتصل بالتحكم في الرواية العامة، ومراقبة المجال العام، وتقليص المساحات المستقلة التي يصعب إخضاعها للرقابة التقليدية. فالإنترنت الفضائي بطبيعته يتجاوز البنية المحلية، وأدوات الذكاء الاصطناعي تفتح آفاقا واسعة للمعرفة والإنتاج، بينما تشكل الشبكات المحلية متنفسا لمجتمعات تبحث عن اتصال مستقر بالعالم.
ومن هنا يصبح التضييق الرقمي أكثر من مجرد قرار تنظيمي، بل إعادة رسم لحدود الفضاء العام، حيث تتحول الشبكة من نافذة مفتوحة إلى مساحة خاضعة للحسابات الأمنية والسياسية، في مشهد يعكس تحولا عميقا في طبيعة إدارة المليشيا الحوثية لعلاقتها بالمجتمع والمعلومة.
رقابة تتوسع بصمت
وقد شكا مستخدمون يمنيون من عدم قدرتهم على تصفح منصة الذكاء الاصطناعي الأشهر، شات جي بي تي، عبر خدمة الإنترنت الأرضي التي تزودها شركة يمن نت التابعة للمؤسسة العامة للاتصالات في صنعاء، وأكد مستخدمون في محافظات صنعاء وحجة والحديدة وإب ومأرب أنهم لم يتمكنوا منذ أيام من الدخول إلى المنصة إلا عبر استخدام برامج كسر الحجب (VPN)، وهو ما اعتبره كثيرون مؤشرا على وجود قيود فنية مقصودة.
وأعرب عدد من المستخدمين عن استيائهم من حجب منصة تعد اليوم من أبرز أدوات المعرفة الرقمية، لما توفره من خدمات تعليمية ومهنية وبحثية يستفيد منها الطلاب والباحثون ورواد الأعمال.
وبحسب ناشطين فإن هذه الخطوة تعكس اتجاها أوسع نحو تضييق المجال الرقمي، خاصة في ظل ما أشار إليه مسؤول الحقوق والحريات في فرع نقابة الصحفيين بمحافظة تعز زكريا الكمالي، من أن سيطرة مليشيا الحوثي على قطاع الاتصالات منحتها “هيمنة شبه مطلقة على الحريات الصحفية”، كما ذكرت النقابة أنها رصدت حجب أكثر من 200 وسيلة إعلامية إلكترونية خلال السنوات الماضية، إضافة إلى مواقع حقوقية ومهنية، في سياق يُفهم منه سعي متواصل لإعادة تشكيل المشهد المعلوماتي وحصره ضمن رواية واحدة.
عقوبات وملاحقات
وتعد الإجراءات الأخيرة بحق خدمة "ستارلينك" دليلا إضافيا على مسار تصاعدي يهدف إلى إحكام السيطرة الكاملة على الفضاء الرقمي في مناطق سيطرة مليشيا الحوثيين، فبعد إعلان بدء تقديم الخدمة في اليمن خلال سبتمبر 2024 عقب توقيع اتفاق رسمي في أغسطس من العام ذاته مع شركة "سبيس إكس"، بدا أن البلاد على موعد مع بديل تقني يخفف من هشاشة البنية التحتية التقليدية ويوفر اتصالا أكثر استقلالا، غير أن بيان وزارة اتصالات مليشيا الحوثي الذي منح المواطنين مهلة حتى الأول من مايو 2025 لتسليم أجهزة ستارلينك، مع التهديد بحملات مصادرة وعقوبات قانونية، عكس توجها واضحا لقطع الطريق أمام أي منفذ اتصال لا يخضع للمنظومة المحلية.
وتعزز هذا التوجه في 11 أغسطس 2025 بإعلان ضبط ومصادرة أجهزة، واتهام مستخدميها بالانخراط في أنشطة “تجسسية”، وهي لغة تصعيدية تنقل الملف من نطاق التنظيم الإداري إلى مربع التجريم الأمني.
ويرى متابعون أن توصيف وسيلة اتصال مدنية بأنها أداة تخابر يهدف إلى ردع الاستخدام وإضفاء شرعية على الحظر، في سياق سعي حوثي للاستحواذ على تدفق المعلومات والسيطرة على المجال العام الرقمي، إذ إنه وفي ظل بيئة تعاني أصلا من قيود واسعة على الإعلام والإنترنت، يُنظر إلى هذه الخطوات باعتبارها حلقة جديدة في مسار تقليص البدائل التقنية وتعزيز الاحتكار الاتصالي.
مورد حربي
وخلال السنوات الماضية، نفذت مليشيا الحوثي سلسلة من الإجراءات المتلاحقة التي أعادت تشكيل قطاع الاتصالات والإنترنت في مناطق سيطرتها بشكل كامل، بما أثر على ملايين المواطنين والآلاف من مالكي شبكات الواي فاي المحلية.
ففي ديسمبر 2019، أعلنت المليشيا قطع شبكات الإنترنت المحلية بعد أسابيع من رفع تعرفة الخدمة بنسبة تجاوزت 130%، مما أدى إلى خسائر كبيرة لملاك الشبكات الذين يعتمدون على بيع الباقات كدخل أساسي لأسرهم، وركزت الحملة على آلاف الشبكات الصغيرة في الأحياء والمناطق الشعبية، بهدف إخضاع السوق لشخصيات نافذة وإعادة توزيع موارد قطاع الاتصالات تحت سيطرتها المباشرة، مما أسفر عن مصادرة عدد كبير من الأجهزة والمعدات.
ومع مرور السنوات استمرت التضييقات، وتوجت في مايو 2022 بإطلاق خدمة الإنترنت العامة “يمن واي فاي” في العاصمة صنعاء، حيث نصبت 48 نقطة بث في الشوارع والأسواق، مما أسهم في تقليص الطلب على شبكات الواي فاي الخاصة وأدى إلى خفض دخل مالكيها.
ووفقا لخبراء فإن هذه الخدمة تسهّل التجسس على المستخدمين، إذ تتطلب تسجيل حساب للوصول، ما يمنح المليشيا القدرة على مراقبة حركة البيانات بشكل مباشر، كما أظهرت تقارير تقديرات الإيرادات أن مليشيا الحوثي جنت خلال السنوات الماضية مبالغ كبيرة من قطاع الاتصالات، حيث بلغت عائدات الإنترنت وحده نحو 240 مليون دولار سنوياً، أي ما يزيد على 140 مليار ريال يمني، ما يوضح أن السيطرة على الإنترنت ليست مجرد مسألة تقنية بل أداة مالية وسياسية مهمة لدعم أنشطتها.
في الوقت نفسه تراجعت جودة الخدمة بشكل واضح، وأصبح اليمن من بين الدول الأدنى سرعة في الإنترنت، والأعلى تكلفة في الوطن العربي، مع مستويات قياسية من الحجب الرقمي، ما يوضح أن الإجراءات لم تكن اقتصادية فقط، بل شكلت حرباً شاملة على حرية الاستخدام ومصادر دخل المواطنين.
احتكار للمجال العام
ولم تقتصر الإجراءات الرقمية التي اتخذتها مليشيا الحوثي على منع الإنترنت الفضائي أو التضييق على شبكات الواي فاي، بل امتدت إلى سلسلة من الخطوات التي تعكس توجها متكاملا لإعادة تشكيل الفضاء الرقمي بما يخدم اعتبارات السيطرة والإحكام. فقد شهدت السنوات الماضية حجب عشرات المواقع الإخبارية المحلية والدولية، خاصة تلك التي تتبنى خطابا نقديا أو تنقل روايات مغايرة، ما أدى إلى تقليص التعددية الإعلامية وحصر مصادر المعلومات ضمن نطاق يمكن التحكم به، كما خضع قطاع الاتصالات لإشراف مباشر، سواء من خلال التدخل في إدارة الشركات أو التحكم في حركة البيانات الدولية، الأمر الذي جعل الاتصالات مجالا سياديا مغلقا أكثر من كونه خدمة عامة مفتوحة.
إلى جانب ذلك سُجلت في وقت سابق حالات استدعاء واحتجاز لناشطين بسبب منشورات أو تفاعلات على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما أسهم في انتشار رقابة ذاتية بين المستخدمين، حيث أصبح كثيرون يعيدون التفكير قبل كتابة أي تعليق أو مشاركة أي رأي، كما فُرضت قيود تنظيمية صارمة على مزودي الخدمة المحليين، مع اشتراطات تسجيل وتصاريح تهدد بالإغلاق أو المصادرة عند المخالفة، وفي بعض الفترات تم إبطاء أو تقييد تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت، خاصة أثناء أحداث أمنية حساسة.
هذه الإجراءات مجتمعة تكشف أن المسألة لم تعد تقنية بحتة، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة رسم حدود المجال العام الرقمي وتضييق مساحاته المستقلة.
الدكتور عبدالله العليمي: الدعم السعودي سنداً لكل اليمنيين وعلى كل التراب اليمني
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news