عبدالله إسماعيل:
أدرك تماما حجم الصدمة التي قد يشعر بها بعض الأعزاء عندما أكتب عن الزيدية، أو أنشر نصوصا من كتب أئمتها، أو أعرض اقتباسات موثقة من مصادرها الأصلية.
أدرك الذهول.
وأتفهم الاستغراب.
وأستوعب حتى الاتهام بالتجني.
لأنني أعرف أن ما أطرحه لا يصطدم فقط بقناعات، بل يصطدم بصورة ذهنية جرى بناؤها عبر قرون، وساهم فيها اكثر من عامل.
صورة ملساء.
مخففة.
منزوعة الحدة.
مرسلة المفاهيم.
تم اعادة تقديمها بوصفها مكونا تاريخيا طبيعيا،
أو تجربة دينية محايدة،
أو مجرد مدرسة فقهية بين مدارس.
بينما تكشف النصوص الأصلية، حين تُقرأ في سياقها الكامل، وسلوك كهنتها، بنية فكرية مختلفة تماما عن صورة أرادوا ترويجها وتكريسها، في بعض الأحيان بمساعدتنا نحن.
افهم أن:
الصدمة لا تنشأ من المعلومة وحدها.
تنشأ من تصادم المعلومة مع سردية الراسخة.
حين يتم تكريس خطاب يقدّم الإمامة كرمز عدالة،
ويغلفها بالورع، ويعيد إنتاج أئمتها في هيئة رموز إصلاح،
وأنهم أقرب الى السنة، وان مذهبهم نموذج.
ثم يكتشف نصوصا مباشرة من كتبهم، تؤصل لعقيدة الاصطفاء،
ومحورية الولاية،
وتقسم المجتمع،
فيصبح الذهول رد فعل مفهوم.
قرون طويلة من إعادة التقديم الانتقائي للنصوص
صنعت حاجزا نفسيًا أمام أي قراءة نقدية.
قرون من تغييب الجوانب الوثنية والكارثية في التراث الإمامي
مقابل إبراز مشاهد محددة بعناية، او نظرة فقهية قاصرة.
حين نزيل هذه الطبقة، تظهر النظرية الزيدية كما هي.
وهنا يبدأ الارتباك.
بين السائد والحقيقة.
جزء من المشكلة لا يتعلق بالمعلومة، بل بطريقة التعامل مع التراث.
هناك سلوك تقديسي تراكم عبر الزمن.
تحولت فيه شخصيات إلى رموز فوق النقد.
وتحولت كتب بعينها إلى مراجع مغلقة لا تُناقش.
في مثل هذا المناخ، يصبح أي عرض نقدي موثق تهديدا لصورة مستقرة.
ويُفهم كشف النص على أنه استهداف، رغم أنه عمل بحثي ضروري وحتمي.
أنا لا أضيف كلمة من عندي حين أنقل.
ولا أقتطع نصا خارج سياقه.
ولا أزور عبارة.
بل أضع النص كما ورد،
وأسرد الأحداث والجرائم كما كتبها الكهنة أنفسهم
وأطلب من القارئ أن يقرأه بعقلية مفتوحة.
والفرق كبير بين نقد فكرة، والطعن في أتباعها.
وبين تحليل نظرية، واستعداء مجتمع.
حين ننظر إلى المسار التاريخي، نجد أن صراع اليمنيين مع النظرية الزيدية، لم يكن سياسا فقط.
كان معرفيا أيضًا.
شهد اليمن محاولات متكررة لإعادة صياغة الذاكرة.
احرق الكهنة الكتب اليمنية والمكتبات.
اخفوا مخطوطات.
غيبوا وشوهوا أسماء مقاومين للنظرية من اقيال اليمن وعلمائها.
وصُوروا معارضي المشروع الإمامي الزيدي بوصفهم خارجين أو متمردين.
وفي المقابل، جرى تضخيم رموز بعينها،
وربطها بالمشروعية الدينية.
هذه العملية الطويلة صنعت وعيا انتقائيا.
ولهذا أفهم لماذا تبدو بعض الحقائق اليوم كأنها اكتشاف مفاجئ.
التاريخ اليمني شهد محطات متعددة واجه فيها اليمنيون الإمامة الزيدية وأسقطوها.
لكن بعد كل انتصار، كانت هناك لحظة ارتخاء.
تراجع الاشتغال على الذاكرة.
انشغل الناس باليومي.
غلبت على اليمنيين طيبتهم وسذاجتهم
وتركت المساحة الفكرية دون تحصين كاف.
ومع الوقت، تمارس السلالة التآمر
لتعود السردية القديمة بثوب جديد.
ويُعاد فرض المشروع نفسه بصورة مختلفة.
هذه الدورات المتكررة تجعل مهمة استعادة الوعي مهمة شاقة،
لكنها ضرورية.
لماذا أكتب إذا؟
لأن الصمت يرسخ الصورة المكرسة.
ولأن ترك النصوص دون قراءة نقدية يعني استمرار إعادة إنتاجها في الوعي العام.
ما أكتبه ليس هجومًا على أشخاص.
هو قراءة في بنية فكرية.
وفي نظرية حكم.
وانتصار لفكرة الدولة على دولة الفكرة والنظرية الهدامة.
حين أقول إنها نظرية عنصرية،
فأنا أستحضر صريح قول الرسي في ‘الأحكام’ الذي جعل الولاية ركناً يوازي التوحيد، وصيّر مخالفة سلالته كفراً واستباحة للدم.
حين أصفها بأنها كرست امتيازا قائما على خرافة الاصطفاء،
فأنا أستند إلى تعريفاتها للإمامة وشروطها.
وحين اذكر بتاريخ دويلات الامامة لندرك كارثيتها على اليمنيين،
فانا استند الى تاريخ افتخروا به ومازالوا.
ليس انفعالا.
بل بحث.
وتحليل.
وتوثيق.
أرى أن تناول هذه الملفات ليس خيارا.
هو واجب لحظة تاريخية.
حين يعود خطاب الاصطفاء إلى المجال العام.
وحين يُعاد إنتاج مفردات الولاية والسلالة في السياسة المعاصرة.
وحين يُستدعى التراث الزيدي لتبرير جرائم الحاضر.
تصبح القراءة النقدية مسؤولية كل باحث وصانع رأي.
وتتحول الأمانة العلمية إلى أمانة وطنية.
وإن ما يوجب فضح تراث الزيدية أن الحوثي يعيد إنتاجه اليوم بالنص نفسه، وبالسلوك نفسه الذي سار عليه أئمة الزيدية عبر التاريخ.
العبارات تعود كما هي.
مفردات الاصطفاء والعصمة والتكفير تعود كما هي.
تقسيم المجتمع إلى أهل حق وأهل باطل يعود كما هو.
احتكار الولاية في سلالة بعينها يعود كما هو.
الفارق أن السياق تغير، أما البنية الفكرية فبقيت ثابتة.
ولهذا فإن قراءة التراث ليست نبشا في الماضي،
بل فهما مباشرا للحاضر.
ومن دون كشف الجذور، سيبدو ما يجري اليوم وكأنه انحراف طارئ، بينما هو امتداد طبيعي لنظرية قديمة أعادت إنتاج نفسها بأدوات معاصرة.
أحترم من يعارضني.
وأقدّر من يطلب مراجعة.
وأفتح الباب لأي نقاش موثق.
دعونا نحتكم إلى النصوص.
إلى المصادر.
إلى السياق التاريخي الكامل.
إن كان في قراءتي خطأ، فليُصحح بالدليل.
وإن كان في النقل اجتزاء، فليُبيَّن موضعه.
أما الاتهام المجرد، فلن يخدم أحدا.
أكرر دائمًا أن نقدي يتوجه إلى النظرية،
لا إلى الإنسان اليمني أيا كان انتماؤه.
اليمن أوسع من أي مذهب.
وأقدم من أي سردية سياسية.
وأغنى من أن يُختزل في مشروع سلالي أو تصور وراثي للسلطة.
أطمح إلى مجتمع تقوم فيه المواطنة على الكفاءة والاختيار،
لا على النسب.
ولا على الاصطفاء.
أتفهم الصدمة.
وأتفهم الرفض الأولي.
وأتفهم حتى الغضب.
لكنني في المقابل أؤمن أن كشف النصوص كما هي خطوة ضرورية في طريق الوعي.
ما أكتبه ليس نزاعا شخصيا مع أحد.
هو انحياز للبحث.
وللذاكرة.
ولحق اليمنيين في قراءة تاريخهم كاملا دون تنقيح انتقائي.
ومن يرى في هذه القراءة قسوة،
فليعلم أن مواجهة النص أهون من مواجهة نتائجه حين يتحول إلى واقع سياسي من جديد، كما هو حاصل الآن
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news