أعد الحلقة لـ”يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب:
لم تكن الأرقام والحسابات التي درسها إياد المصقري قادرة على كبح شغفه القديم بعالم الصحافة والإعلام؛ ففي حين كان ينتظره مستقبلاً هادئاً كمحاسب، اختار أن يطوي دفاتره وينحاز إلى نداء الوطن ومهنة المتاعب.
تحول إلى واحد من أبرز الأصوات والعدسات التي وثقت معارك استعادة الدولة في خطوط النار المشتعلة.
نقل معاناة العالقين في الصحراء، إلى توثيق اللحظات الأخيرة لكبار قادة الجيش اليمني، يقدم إياد نموذجاً للإعلامي المحارب الذي عاش مرارة الانكسارات ونشوة الانتصارات، واضعاً الحقيقة والمصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
وُلد إياد صالح المصقري في 19 ديسمبر/كانون الأول 1990، وينتمي إلى قرية “المصاقرة” منطقة الحداء محافظة ذمار.
قضى طفولته في القرية، ونشأ في بيئة تعليمية متميزة مقارنة بالقرى المجاورة بفضل وجود مدرسين أكفاء واهتمام وجهاء القرية (ومنهم والده) بجلب المشاريع التنموية والتعليمية إليها.
كان إياد من الطلاب الأوائل في مدرسته بالقرية، حيث كان يحصد المركز الأول أو الثاني دائماً.
الجامعة الاسلامية
نشأ في أسرة مثقفة؛ حيث تخرج والده من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكان يعمل نائباً لمدير الأحوال المدنية بمحافظة ذمار، ويعمل في المدينة ويعود للقرية نهاية الأسبوع.
كان يحضر معه الصحف الرسمية (مثل الثورة والجمهورية)، بينما كان شقيقه الأكبر يميل لصحف المعارضة، مما خلق بيئة نقاش سياسي ومعرفي مبكر.
قبل وصول الكهرباء الحكومية، كانت أسرته تمتلك “مولد” كهرباء، وكانوا يشاهدون النشرات الإخبارية، وبعد العصر كان يشغل التلفاز بواسطة البطارية، ويشاهد جلسات مجلس النواب، مما ساهم في تشكيل وعيه السياسي وهو لا يزال طفلاً.
تخصص في المحاسبة
تخرج إياد من الثانوية العامة عام 2007 بمعدل 77%، كان إياد يميل لدراسة الإعلام بسبب تأثره بالصحف، لكنه لاحظ أن معظم الوظائف المعلن عنها في الصحف هي للمحاسبين، فقرر دراسة المحاسبة في جامعة صنعاء لضمان الحصول على عمل، في حين كان يراد منه أن يدرس الطب (الصيدلة).
درس إياد المحاسبة في كلية التجارة جامعة صنعاء وحصل على البكالوريوس بمعدل 81%، ولأنه مهتم بالإعلام فقد التحق في فترة ما بعد الظهر بـ دبلوم مهارات تلفزيونية في جامعة العلوم والتكنولوجيا (عبر منحة من صندوق تنمية المهارات)، وشملت دراسته التحرير الخبري، التقديم، والإعداد الإخراج، مع التطبيق العملي في كل مادة، ولتعزيز مهاراته درس لاحقا اللغة الإنجليزية في الجامعة اللبنانية.
بعد التخرج عمل في مجال المحاسبة، وبعد دخول الحوثيين إلى صنعاء عاد إياد إلى القرية حيث أصبح ملاحقاً بسبب كتاباته على فيسبوك، بعد أن أبلغ عنه بعض الأشخاص من أبناء منطقته.
أثناء مكوثه في القرية، وفر له والده فرصة عمل كمحاسب في ذمار، (استمر في هذا العمل لمدة ثمانية أشهر فقط)، لكنه لم يجد نفسه فيه؛ فكان ينهي المعاملات المحاسبية بسرعة ليتفرغ للكتابة والمتابعة الصحفية التي كانت تشغل عقله.
الانتقال إلى مأرب
بعد هذه الفترة من العمل المتخفي والمخاطر الأمنية في ذمار، قرر الانتقال إلى مأرب في عام 2015 ليبدأ مسيرته الإعلامية العلنية والمؤسسية.
بدأ إياد المصقري العمل في المجال الإعلامي بشكل احترافي في عام 2015، عندما انتقل إلى مأرب بعد سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء وبقية المحافظات.
في مأرب بدأ العمل في مركز “سهم” الإعلامي ككاتب للأخبار القصيرة، لمواكبة أحداث الجوف وتحريرها وكان يهدف إلى إبراز دور المقاومة والمشايخ هناك، حيث تحول المركز الى مصدر وحيد في نقل أخبار المعارك في محافظة الجوف.
اعتمد إياد في صياغة الأخبار على مصادر قوية من الميدان، مستفيداً من دورة الدبلوم التي درسها في جامعة العلوم والتكنلوجيا بصنعاء، ولم يقتصر عمله على التحرير، بل شارك في تغطية عمليات تحرير الجوف ميدانياً وقام بتصوير تلك المعارك
اعتبر إياد هذه التجربة محطة هامة صقلت مهاراته في “السبق الصحفي” والتعامل مع المصادر الميدانية قبل انتقاله للعمل في مؤسسات إعلامية أكبر.
اخبار مقاومة ذمار
اثناء عمله في “سهم” كان إياد يغطي أخبار المقاومة في ذمار، حيث يتلقى بيانات العمليات العسكرية من المسؤول الميداني للمقاومة في ذمار مباشرة، ومن ثم يقوم بصياغتها ونشرها وتوزيعها.
تسببت نشاطاته الإعلامية ضد جماعة الحوثي، في مضايقات لأقاربه وأبناء قريته في النقاط العسكرية التابعة للحوثيين، حيث كانوا يُسألون عنه وعن قرابتهم به، ولتخفيف هذا الضغط وحماية أسرته، اضطر لتغيير اسمه على فيسبوك كإجراء احترازي.
نقطة تحول
عندما انقطعت طريق الفرضة بسبب اشتداد المواجهات بين الجيش الوطني وجماعة الحوثي عام 2016، اضطر المسافرون لسلوك طرق صحراوية وعرة (طريق البيضاء)، ما تسبب في تحفر الطريق الترابي وتكدس القاطرات وتوقف حركة السير تماماً، وعلق المئات بينهم عائلات، في طرق ترابية وشعاب موحشة مدة ثلاثة أيام دون توفر أكل أو خدمات أساسية، وعجز المسافرون حتى عن العودة.
في الاثناء اقترح المحامي، علي التام، وهو أحد أبناء المنطقة، على إياد وصحفيين آخرين تغطية الوضع وإبرازه إعلامياً، حيث ذهب إلى المنطقة وقام بنشر خبر مطول على صفحته بالفيس بوك مرفق بصور ومقاطع فيديو، لتنقل عنه القنوات والمواقع الإخبارية وتحول الى مصدر للخبر.
أحدث التقرير “ضجة كبيرة”، وتواصلت معه قنوات فضائية، كما تواصل معه وزراء للاستفسار عن الوضع، وساهمت هذه التغطية في تدخل المنطقة العسكرية الثالثة، والاشغال العسكرية، وفاعلي خير وتجار؛ حيث تم إغاثة العالقين بالطعام، واستخدام المعدات الثقيلة لتمهيد الطريق وفتحها أمام المسافرين بعد نحو 6 أيام من المعاناة.
اعتبر إياد أن هذا العمل كان نقطة تحول في مسيرته، حيث أثبت أن التركيز على الملف الإنساني لا يقل أهمية عن تغطية المعارك العسكرية.
البداية مع “يمن شباب نت”
يذكر إياد إن بدايته الفعلية كصحفي كانت مع موقع “يمن شباب نت”، حيث كان مراسلاً لهم في فترة التأسيس، عام 2015.
تعتبر تجربة العمل مع موقع “يمن شباب نت” هي الانطلاقة الحقيقية لإياد المصقري في عالم الصحافة، حيث عمل كصحفي ميداني يعد التقارير الإخبارية المختلفة، ويرى أن هذه المرحلة هي التي صقلت اسمه مهنياً.
في الإعلام العسكري
لم يستمر كثيرا مع “يمن شباب نت” حيث انتقل للعمل مع المركز الإعلامي للقوات المسلحة، بسبب معرفته بالميدان وخبرته في التصوير والتغطية من الخطوط الأمامية.
بدأ العمل في الإعلام العسكري، رسمياً مع تأسيس المركز الإعلامي للقوات المسلحة عام 2016، حيث عمل كمصور ميداني ومحرر للأخبار، واعتبر هذه المرحلة محطة تحول مهني هامة في حياته.
مع القائد الشدادي
بدأت القصة في جبهة صرواح أثناء عملية “نصر 3” العسكرية؛ حيث كان إياد يذهب يومياً لتغطية اخبار المعركة.
إحدى المرات ذهب إياد لمقابلة القائد الفريق الركن عبدالرب الشدادي، في صرواح للحصول على تصريح صحفي، وجد إياد القائد الشدادي يؤم الجنود في الصلاة وسط المعارك، فقام بتوثيق تلك اللحظة بصورة.
في المركز شدد الدكتور يحيى الأحمدي، (نائب رئيس المركز) على عدم نشر الصورة، قائلاً: “لو استشهد الشدادي انشروها غيروها لا يمكن تنتشر”، وذلك لحماية موقع القائد ولأسباب بروتوكولية.
بعد يومين فقط من التقاط الصورة، استشهد اللواء الشدادي، حينها نشر إياد الصورة لتكون رداً قاطعاً على الشائعات التي كانت تدعي أن القائد يعيش في أبراج عاجية بعيداً عن الميدان؛ حيث أثبتت الصورة أنه كان في مقدمة الصفوف مع جنوده.
يصف إياد الشدادي بأنه كان “أقرب الناس للشهادة”، وكان يتحرك بنفسه لفك الضغط عن الكتائب التي تعاني في الميدان، مما كان يرفع معنويات الجنود بشكل كبير، يقول إياد “إنه لم يتفاجأ بخبر استشهاده فهو يعرف جيداً أنه كان في مقدمة الصفوف”.
الدقة والسرية
تعلم إياد في المركز أهمية الحذر الإعلامي، حيث كان يحرص على عدم نشر أي صور أو معلومات قد تضر بالمقاتلين في الجبهات أو بالمؤسسة العسكرية أو تكشف مواقع الجيش، مفضلاً المصلحة العامة على السبق الصحفي الشخصي.
يرى إياد أن عمله في المركز الإعلامي للقوات الملحة ليس مجرد وظيفة، بل هو واجب وطني وديني للدفاع عن الجمهورية، وشرف مؤمناً بأن الكاميرا سلاح يوازي البندقية في المعركة.
الجبهات التي غطاها
واكب إياد العمليات العسكرية في عدة جبهات مشتعلة، منها صرواح، الجوف، البيضاء، وأطراف شبوة (بيحان) ونهم وقبلها شارك في تغطية اخبار معارك الجوف حتى تحريرها، وقد تخصص لفترة في تغطية جبهة صرواح بشكل يومي خلال عملية “نصر 3”.
استفاد إياد من العمل في المركز تحت إشراف الصحفي أحمد شبح، مما صقل مهاراته في التحرير العسكري والالتزام بـ البروتوكول الرسمي والمصداقية.
سكرتير صحفي لرئيس هيئة الأركان
كانت تجربة عمل إياد المصقري سكرتيراً صحفياً لرئيس هيئة الأركان العامة، الفريق صغير بن عزيز، محطة مهنية بارزة استمرت لنحو ثمانية أشهر.
بدأت علاقة إياد برئيس هيئة الأركان العامة، الفريق الركن، عزيز بن صغير، اليوم الثاني من قرار تعيينه، عام 2020، حيث التقى به إياد في الخطوط الأمامية بجبهة نهم أثناء تغطيته للمركز الإعلامي، وطلب منه تصريحاً وصورة تذكارية، وهو ما لاقى ترحيباً وتشجيعاً من رئيس الأركان، وانتشر التصريح في معظم وسائل الاعلام وأعجب بن عزيز بـ إياد.
تم استدعاؤه للعمل مع الفريق بن عزيز بعد استهداف طقم مرافقي رئيس الأركان واستشهاد نجله ومصوره الخاص؛ فعمل إياد كمصور وكاتب للأخبار ضمن طاقمه.
يصف إياد الفريق بن عزيز بأنه رجل دولة يدرك أهمية الإعلام، ويحترم المؤسسات الرسمية؛ حيث لم يسعَ لإنشاء كيانات إعلامية موازية، بل منح ثقته الكاملة لـ دائرة التوجيه والمركز الإعلامي للقوات المسلحة.
اكتسب إياد من هذه التجربة مهارات البروتوكول العسكري والتعامل مع المستويات العليا في الدولة.
عايش الصدمة مباشرة
وصف إياد المصقري شعوره تجاه الانكسارات العسكرية بأنها “صدمة” حقيقية عاشها بنفسه كونه كان متواجداً في قلب الميدان، وليس متابعاً من الخارج، مما يجعله أحياناً يلوذ بالصمت مستغرباً من الأخبار التي تأتي من البعيد.
يؤكد أن الكتابة عن الانكسار توجع بشكل كبير؛ لأنه مدرك تماماً لحجم التضحيات والواقع الحقيقي على الأرض، بخلاف من هم في الخلف الذين قد يمتلكون معنويات أفضل لعدم معايشتهم للتفاصيل القاسية، مما يجعل مرارة وقع التراجع العسكري عليه مضاعفاً.
نظرة قادة الجيش لدور الإعلام.
يذكر إياد أنه في السنوات الماضية بداية المواجهات، كان بعض القادة يركزون فقط على التقدم الميداني دون إعطاء أهمية كبرى للإعلام، لكن مع اشتداد الضغط العسكري (كما حدث في مأرب)، حدث تحول كبير وأدرك القادة أن “الحرب إعلام”، فبدأوا يهتمون بالمنظومة الإعلامية الرسمية ويدعمونها بشكل أكبر.
أدرك القادة أن الصمت الإعلامي أحياناً يكون تكتيكاً عسكرياً، كما حدث في إخفاء بعض تفاصيل “الجبهة الشرقية” لمأرب لتجنب إظهار الحصار، وهو ما كان يتطلب تنسيقاً عالياً بين القادة والإعلام العسكري.
العمل في قناة سبأ
يشغل حالياً منصب محرر صحفي في قناة سبأ الفضائية، حيث يشارك في إعداد النشرة الإخبارية الرئيسية، كما يقوم أحياناً بتغطيات ميدانية شاملة؛ حيث يستغل خبرته في التصوير والمونتاج ليجهز الخبر كاملاً (تصويراً وكتابة).
يرى إياد أن العمل في التلفزيون متعب وشاق ويتطلب جهداً مضاعفاً مقارنة بالصحافة المكتوبة؛ حيث يقدر أن الصحافة المكتوبة تمثل فقط 30% من الجهد الذي يحتاجه العمل التلفزيوني، نظراً لضرورة مراعاة التوقيت، والبحث في الأرشيف، وصياغة الخبر بما يتناسب مع أداء المذيع.
في ختام حديثه، ركز إياد المصقري على المشهد الإعلامي اليمني، معبراً عن حزنه العميق لإغلاق قناة بلقيس، حيث وصف توقفها بأنه يشبه “الانكسار في الجبهة”، ووصفها بأنها “مدرسة صحفية متكاملة”، وأشار إلى أنها رغم وجود بعض الميول، إلا أن الإنسان اليمني والقضية الوطنية على رأس أولوياتها، مؤكداً أنه لم يرَ منها أي تقرير يسيء للجيش والمعركة الوطنية.
مرتبط
الوسوم
الصحفيين اليمنيين
سلسلة أصحاب الجلاله
نسخ الرابط
تم نسخ الرابط
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news