منذ سنوات قليلة مضت ونحن نشهد جهوداً غربية لدفع المجتمعات الفاشلة إلى الاتساق مع واقعها كما هو، ولم يعد الغرب يخطط لنشر أية مبادئ أو سياسيات. الخطة الجديدة تقتضي تثبيت القوى المسيطرة على الأرض والتعامل معها لتحقيق المصالح، ولتفعل تلك القوى بالمجتمعات التي تحكمها ما تشاء.
حدث انتقال مدروس من تغيير الواقع إلى إدارة الموجود والتعاطي معه، بل ويجري التسويق الممنهج على أعلى المستويات للاعتراف بالقوى الجاهزة والمسيطرة على الأرض، أياً كانت هويتها الأيديولوجية، سلفية كانت أم فصائل طائفية لا يهم، بينما تراجع مشروع الإخوان أو تم تجميد بعض فروعه لعدم أهلية الجماعة للتكيف وعجزها عن تطوير ديناميكيات داخلية تسمح بتطور العقل الجمعي للإخوان العالقين في محطات أيديولوجية ونفسية تعزلهم عن الواقع.
المهم لدى القوى الغربية الآن التعامل مع سلطات الأمر الواقع التي لديها طموح في الحكم وقدرة على سحق المخالفين وتشكيل بدائل متعاونة بمرونة مع الآخرين. وأول الشروط أن تكون قادرة على ضبط الجغرافيا وفرض نوع من الاستقرار القسري وعدم السماح بظهور فقاعات ج هادية وخلايا خطيرة خارجة عن السيطرة وترفض التجنيد تحت لواء قيادة معلنة.
ومن واقع الميدان يتضح أن السؤال الأهم بالنسبة للغربيين (بعد تجربة سوريا وقبلها العراق وافغانستان والصومال) من يملك الرجال والسلاح وموهبة التجنيد وتجميع القوى البشرية؟ من يسيطر على الأرض؟ من يمكنه الإسهام في منع تدفق اللاجئين نحو الضفة الأخرى؟ هذا هو المعيار الجديد “شرعية القوة” بدلا عن “قوة الشرعية”، والشرعية مفردة تستخدم بكثرة في اليمن، لكن المقلق أن هذا المسار الجديد المتحمس لدعم قوى الأمر الواقع قد يجعل من رموز الشرعية (الدستورية) موظفين لدى السلفيين.
كتبت من قبل ما يفيد بأننا نواجه ضغوطا للاعتراف بواقعنا الجديد، للقبول بـما أسميه “اتساق المنطقة مع تخلفها”، وكأن ثمة قناعة غربية متأخرة بأن هذه الشعوب لا تصلح للديمقراطية، وأن الأجدى هو التعامل مع من يسيطر عليها وفق ثقافتها الراهنة، طالما ضمن لهم عدم تصدير الفوضى إلى بلدانهم المتحضرة.
على مستوى اليمن قطعنا شوطاً لا بأس به في هذا المسار ، والقوى الجاهزة للوراثة هي نفسها الفصائل التي فرضت حضورها: الحوتيون بمشروعهم الطائفي، والسلفيون بجاهزيتهم لطاعة ولي الأمر، والإصلاح (الإخواني) سيتم منحه فرصة أخيرة لإثبات تأثير شبكاته الممتدة وتحالفاته القبلية، وإذا لم يخضع مثل حركات “طاعة ولي الأمر” سيتم إدراجه مثل فروع الإخوان الفاشلة في قوائم غير المرغوب بالعامل معهم وغير المؤهلين لخدمة التحول الجديد .
وبالطبع هؤلاء “الورثة الجدد” لا يحملون مشروعاً وطنياً جامعاً لكنهم أرخص في التعامل مع الغرب وأقل كلفة، وهذا الرخص يظهر لجميع المراقبين مقارنة بالأنظمة السابقة التي ظلت تعتاش على الفساد والاسترخاء وفقدت السيطرة ولم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها.
*ملاحظة: نختم بهذا المنشور المساهمة الشخصية خلال هذه الفترة في التفاعل مع الأحداث العامة، تمهيداً للتفرغ لشؤون ثقافية وأدبية هي مجال الشغف والاهتمام الأول والجوهري لدينا.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news