استضاف بودكاست "أسرار سقطرى" الذي يقدمه الإعلامي عاطف السقطري ويبث على قناة المهرية خلال شهر رمضان، الباحث نبيل البكيري في حلقة جذبت الانتباه بعمقها التحليلي وثراء محتواها حول هوية جزيرة سقطرى وتحدياتها في ظل التغيرات الجغرافية والسياسية.
وقال الباحث نبيل البكيري إن اللغة هي المحور الأساسي في فهم الهوية السقطرية، موضحًا أن الحفاظ على لغة مكتوبة أو مدونة ليس شرطًا لكونها حية، بل ما يُميّز سقطرى هو بقاء لغتها مُحَدَّثة شفهيًا جيلًا بعد جيل، دون تغيير جوهري، ما يُعدّ دليلًا قويًا على استمرارية هوية شعب عمرها آلاف السنين.
وأشار البكيري إلى أن هذا الاحتفاظ باللغة غير المكتوبة يُعدّ استثناءً نادرًا في العالم، خاصة في مناطق معرضة للاستعمار والهجرات، حيث تُذوب اللغات في تيارات ثقافية متعددة، لكن سقطرى، وفقًا له، نجت من هذه الظاهرة، ما يعكس قوة الترابط الاجتماعي والقبلي بين سكانها.
وأكد أن كل القبائل السقطرية، من آل عفرار إلى الثقلي وكلشات، تعود إلى أصول يمنية، مشيرًا إلى وجود امتداد قبلي مباشر للسواحل اليمنية الجنوبية، لا سيما في محافظة المهرة.
وأوضح أن الجزيرة، رغم قربها من الصومال جغرافيًا (حوالي 200 كيلومتر)، لا تمتلك أي أثر ثقافي أو لغوي يربطها بالصومال، ما يُعزز من فكرة يمنيتها المتجذرة.
وأضاف أن التاريخ يُثبت أن سقطرى كانت مركزًا تجاريًا استراتيجيًا منذ العصور القديمة، حيث كانت نقطة التقاء بين حضارات شبه الجزيرة العربية والقرن الإفريقي.
وذكر أن اكتشافات في منطقة رؤوس على الساحل الصومالي أثبتت وجود تجار يمنيين درّبوا على ممرات سقطرى، ما يعزز من دور الجزيرة كحلقة وصل بين اليمن والقارة الإفريقية.
وأشار إلى أن التراث القديم في سقطرى، بما فيه الكتابات غير المُعدّة للنشر، ما يزال غير مُستكمل الدراسة، ويُشكل فرصة كبيرة للبحث الأثري، مشيرًا إلى أن كل ما تم اكتشافه حتى الآن يُثبت بشكل قاطع أن الجزيرة تنتمي إلى الهوية اليمنية من حيث السكان والمذهب واللغة.
وأكد البكيري أن بُعد سقطرى عن السواحل اليمنية لا يُقلل من يمنيتها، بل يُعزز من قيمتها كموقع استراتيجي، خاصةً مع موقعها على خط الملاحة الدولي، وهو ما يجعلها مُستهدفة من قبل قوى خارجية، لكنها تمكنت من الحفاظ على أمنها وأمانها، ما يُعتبر نموذجًا للاستقرار في منطقة يُعاني فيها كثير من الجوار من التوتر.
وأوضح أن الجزيرة، رغم عزلتها الجغرافية، لم تُترك للمستعمرين، حيث طرد البرتغاليون عام 1511 بعد مقاومة شديدة، والإنجليز بعد اتفاقية حماية في 1867، ما يدل على قوة التلاحم السكاني والسياسي بين سكانها.
وأردف أن الدولة اليمنية الحديثة، ممثلة في الجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية، لم تُولي سقطرى الاهتمام الكافي، رغم أهميتها الاستراتيجية، ما سمح بتمدد مشاريع خارجية في الجزيرة خلال العقد الماضي، خاصة في مجال السياحة والتعدين، دون رقابة حقيقية.
وأكد الباحث اليمني أن سقطرى، بفضل ثرواتها الطبيعية والبيئية، يمكن أن تكون مصدرًا رئيسيًا للدخل القومي، شريطة تبني سياسة حكومية شاملة تُركّز على التعليم، والبنية التحتية، وتنمية القطاعات السياحية والصيدية والتعدينية.
وأكّد البكيري أن استثمار سقطرى ليس فقط مسألة اقتصادية، بل وطنية، مضيفًا ،إذا لم تُولَّ الجزيرة اهتمامًا حقيقيًا من الدولة، فستظل هامشية في خريطة التنمية، بينما يمكن أن تصبح نموذجًا للتكامل والازدهار إذا أُعطيت جهات مسؤولة في الجزيرة، وتم بناء مركز حكومي حقيقي فيها".
ودعا الباحث إلى تأسيس حضور دولة فاعل في سقطرى، عبر إنشاء مراكز تعليمية، وتطوير الموانئ، وتشجيع السياحة المستدامة، كخطوة أساسية لحماية الهوية وتحقيق التنمية المستدامة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news