في 9 فبراير/ شباط 2026 وفي قلب العاصمة السعودية "الرياض"، وبداخل مبنى السفارة اليمنية، وقف "شائع الزنداني" أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن "رشاد العليمي"، لأداء اليمين الدستورية كسابع رئيس للوزراء في البلاد جاءت به المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية الموقعتين في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011.
فالرجلان "العليمي والزنداني" اللذان أصبحا يتربعان هرم السلطة اليمنية أتت بهما المبادرة التي وقع عليها الحزب الحاكم حينها المؤتمر الشعبي العام برئاسة رئيس الجمهورية الأسبق علي عبدالله صالح وأحزاب المعارضة وذلك إثر ثورة 11 فبراير الشعبية في العام 2011، عام الربيع العربي الذي حاولت الرياض احتواءه واحتواء تداعياته في اليمن المجاور حتى اليوم.
وجوه كثيرة أتت بهم المبادرة إلى سدة السلطة والحكم في اليمن، فكل القرارات الجمهورية ثم الرئاسية وذلك عقب إعلان نقل السلطة حين سلّم الرئيس المنتخب "عبدربه منصور هادي" رئاسة البلاد لمجلس قيادة رئاسي في 7 أبريل/ نيسان 2022، والذي تكون من رئيس و7 أعضاء، كان لقرار نقل السلطة استناد للمبادرة.
ففي ديباجة أي قرار رسمي يمني، أصبح يتضمن إضافة إلى الاطلاع على الدستور اليمني، الاطلاع كذلك على "المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية"، ومع "كمّ" القرارات التي صدرت خلال الفترة الماضية، سواء في الحكومة أو السلطات المحلية في المحافظات، تحول الكثير من تلك القرارات إلى عبء سياسي نتيجة الانقلاب على مقررات المرحلة ومنها المبادرة.
ومنذ توقيع المبادرة الخليجية التي هي في الأصل "سعودية" وبرعاية من الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، في نوفمبر 2011 وحتى اليوم، عاش اليمن، ويعيش أوضاعاً صعبة حيث دخل حرباً لم تزل مستمرة، أشعلتها مليشيا الحوثي بدعم من إيران، وبتحالف وتسهيل من علي عبدالله صالح، الذي بدا في توجهه هذا منقلباً على ما وقع عليه كطرف رئيس في المبادرة الخليجية التي طُعنت منذ وقت مبكر ومن صالح.
ومع كل ما حدث ورغم تفاقم الأزمة على كل المستويات في الداخل اليمني، ظلت المبادرة الخليجية أحد الفواعل الرئيسة في إدارة الملف المعقد، كـ"خارطة طريق" للرياض تحولت من مجرد احتواء لثورة الشعب الغاضبة ومبادئها وأهدافها العادلة، إلى "شراكة استراتيجية" تحدث عنها كثيراً رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي مؤخراً، وما بينهما المواقف السعودية التي بدأت من تبنيها للقضية اليمنية أمام العالم معلنة تحالفها العسكري لإعادة الشرعية ودعم الرئيس السابق هادي، وكل ذلك استند من المبادرة الخليجية التي تهدف إلى استقرار اليمن، لأن استقراره استقرار للسعودية.
ما قبل انقلاب الحوثيين
ومن هذا المنطلق، نجد أن مسار السياسة السعودية في اليمن لم يتغير، فمنذ التوقيع على المبادرة الخليجية حتى انقلاب مليشيا الحوثي في صنعاء كانت السعودية حريصة على جمع الفرقاء اليمنيين، وهو الحرص الذي انعكس في المبادرة نفسها، حيث أصبحت "خطاً وحيداً" لا يمكن تجاوزه، وما على الأطراف اليمنية إلا الانضمام إليه طواعية دون أي إجبار، لذلك لم تحاول الرياض إقناع الحوثيين، كما أن "علي عبدالله صالح" منذ الإعلان عنها ظل يراوغ حتى اضطر إلى التوقيع عليها بعد أشهر.
وعلى مدى سنوات ما قبل الإنقلاب تركت المبادرة الخليجية في صنعاء بعهدة الحكومة الجديدة والرئيس "هادي"، والذي أصبح توافقياً وبدلاً أن يترأس لفترة شهرين ثم يعلن "انتخابات" تم انتخابه كرئيس توافقي وحيد لتمدد فترة حكمه إلى سنتين، هو تدخل من الأمم المتحدة التي دعمت المبادرة إلا إنها جاءت بصيغة جديدة عبر مبعوث الأمم المتحدة جمال بن عمر، الذي كان من أوائل الملتفين على مضامين المبادرة الخليجية.
ومع أن هادي نجح في جمع الفرقاء إلى مؤتمر الحوار الوطني، بما فيهم الحوثيون إلا إن عدم الإشراف السعودي والخليجي المباشر لم يفض إلى تنفيذ أي من مخرجات الحوار، كما أن لجنة إعداد الدستور توقفت، والمؤلم أن هيكلة الجيش والأمن كانت مدخلاً لإضعاف قدرات الجيش والورقة التي استغلها علي عبدالله صالح لتسليم المعسكرات بل والقتال بها لاحقاً في صف الحوثيين، وضد الجمهورية، ومثّل ذلك ردة فعل على الثورة الشعبية التي أطاحت بحكمه وكذلك بالمبادرة السعودية التي أزاحته من الحكم ونكاية بالسعودية صاحبة المبادرة.
ومع الزحف والتمدد المسلح الحوثي باتجاه صنعاء أدركت دول الخليج حجم الخطأ الذي ارتكبته بالابتعاد عن الإشراف المباشر على الملف اليمني، وقررت تعيين مبعوث خاص للأمين العام لمجلس التعاون إلى اليمن لمحاولة سد هذا الفراغ وتدارك ما يمكن تداركه.
وبالفعل تم تعيين الدكتور صالح القنيعير وهو قيادي عسكري وسياسي سعودي وخبير بالشأن اليمني كمبعوث خاص، لكنه تسلم عمله خلال شهر أيلول (سبتمبر) ٢٠١٤ والحوثيون يدقون أبواب صنعاء وكانت الأحداث تتلاحق والتمرد يصل إلى مراحله الأخيرة بوضع يده على العاصمة ويستولي عملياً على كل مفاصل السلطة والتأثير. ومضت الأمور كما نعرف حتى انطلاق "عاصفة الحزم" في مارس/ آذار ٢٠١٥ بطلب من الرئيس هادي وبغرض إنهاء الانقلاب واستعادة الشرعية اليمنية لسلطتها المغتصبة.
وبعد هروب عبدربه منصور هادي من صنعاء إلى عدن، وبالتوازي مع غليان شعبي يتصاعد وبدا يمتص صدمة السقوط المفاجئ لصنعاء أعلنت السعودية بدء عاصفة الحزم ضمن تحالف عربي واسع ضد الحوثيين وصالح، وهو التحرك السعودي الفعال والذي تفاعل معه اليمنييون في ساحات القتال، فكانت المقاومة الشعبية التي حررت عدن في فترة زمنية قصيرة وامتدت المقاومة إلى مختلف المحافظات.
خطوط الرياض الحمراء
وكون انقلاب الحوثيين نتيجة لعدم رضا أطراف بـ "المبادرة" وبمخرجات الحوار الوطني التي أتت لاحقاً، وهو ما تطلب عاصفة حزم وتحالف عسكري، يأتي ضمن هذا السياق ما شهدته العاصمة اليمنية المؤقتة عدن والمحافظات المحررة من أحداث وصلت في ديسمبر الماضي (2025) إلى انقلاب كلي وتمهيد للانفصال، من قبل أطراف دعمتها دولة الإمارات استغلالاً لدورها في التحالف العربي، والذي عملت منذ أول يوم فيه على إفشاله وتقويض السياسة السعودية في اليمن.
ومن المفارقة أن "عيدروس الزبيدي" الذي قاد الأحداث الأخيرة وتجاوز خطوطاً تعتبرها الرياض "حمراء" وبدعم من أبوظبي، دخل مربع السياسة من المبادرة الخليجية، حيث في العام 2016 عين كمحافظ لعدن، إلا إنه استمر في خطه الانفصالي والذي تصاعد أكثر منذ منتصف العام 2017 بعد أن أوجدت له الإمارات كياناً موازياً وهو "المجلس الانتقالي الجنوبي"، وهو الانقلاب الثاني على المبادرة الخليجية بعد انقلاب الحوثيين وصالح.
ومع ذلك واصلت السياسة السعودية التي يمكن وصفها بالناعمة من خلال اتفاق الرياض الذي وقع في 5 نوفمبر 2019، والذي أدخل الزبيدي ومجلسه إلى الحكومة ثم مجلس القيادة الرئاسي، إلا إن تمرد الزبيدي، دفع بالمملكة إلى ترك سياسة مسك "العصا" من المنتصف موجهة ضربة عسكرية للانتقالي إضافة إلى طرد الإمارات من اليمن.
والزبيدي، لا يعد الرجل الوحيد الذي انقلب على السياسة السعودية، وهو وإن جاء لاحقاً لـ "صالح" مثلاً، فقد تنكر آخرون لما تبنته الرياض في اليمن كهاني بن بريك الذي تقلد وزارة ثم ما لبث أن تركها وانخرط في استراتيجية الإمارات التي لم يعرف عنها سعيها لتنفيذ ما جاءت به المبادرة الخليجية بل اشتغلت على كل ما يناقض مبادئها وآليتها التنفيذية.
إطفائي الحرائق لا يكفي
وبالتوازي مع كل ما حصل يمكن قراءة الدور السعودي وفق سياستها التي اتضحت من المبادرة الخليجية هو دور إطفاء حرائق، والعمل على أن تكون في مسافة متقاربة مع كل الفرقاء، فالمملكة لم تقطع تواصلها حتى مع الحوثيين وفي أشد المراحل ومع احتدام المعارك، حتى إنه قبل أعوام وصل سفيرها محمد آل جابر إلى العاصمة صنعاء.
واليوم، ومع مضي 15 عاماً من توقيع المبادرة الخليجية، ما زالت السياسة السعودية تضعها مفتاحاً للحل، ورغم التعقيدات الحاصلة في المشهد اليمني، إلا إن أي مقاربة للحل لا يمكن لها أن تتجاوز المبادرة، فالهدف النهائي تمثل بالاستفتاء على الدستور، وإجراء انتخابات رئاسية ونيابية، وهي استحقاقات لا يمكن العبث بها، أو الالتفاف عليها كما فعل بعض الذين حاولوا تأسيس صراعات وحروب مذهبية لا تنتهي.
كما أن القفز على المبادرة الخليجية وتبني مشاريع الانفصال، لن تسكت عنه المملكة وهو ما حصل مؤخراً إلا إنه ورغم استخدام الرياض للقوة فإنها تركت الباب مفتوحاً للحوار وفي حين أنها تركت القضية الجنوبية ضمن مقررات الحوار الوطني فإنها تبنت القضية هنا واستجابت لطلب من رئيس مجلس القيادة في مطلع يناير الماضي لعقد حوار جنوبي - جنوبي.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news