التضخم في اليمن وارتفاع تكاليف المعيشة: اختلال الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للأفراد

     
شبكة اليمن الاخبارية             عدد المشاهدات : 55 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
التضخم في اليمن وارتفاع تكاليف المعيشة: اختلال الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للأفراد

ربما يكون التضخم من أكثر المصطلحات شيوعا في علم الاقتصاد، فقد أغرقت هذه الظاهرة دولا في فترات طويلة من عدم الاستقرار، وكثيرا ما يطمح محافظو البنوك المركزية، أن يُعرفوا بصقور مكافحة التضخم.

وفاز سياسيون في الانتخابات بوعود بمكافحة التضخم، لكنهم خسروا السلطة بعد فشلهم في ذلك، حتى أن التضخم أُعلن العدو الأول للدولة في الولايات المتحدة من قِبل الرئيس جيرالد فورد عام ١٩٧٤.

فما هو التضخم إذا، ولماذا هو بهذه الأهمية؟ التضخم هو معدل ارتفاع الأسعار خلال فترة زمنية محددة، عادة ما يُستخدم مصطلح التضخم كمقياس عام، مثل الزيادة الإجمالية في الأسعار أو ارتفاع تكلفة المعيشة في بلد ما.

ولكن يمكن أيضا حسابه بشكل أكثر تحديدا، وذلك بالنسبة لسلع معينة، كالغذاء، أو خدمات معينة، كقص الشعر مثلا. ومهما كان السياق، فإن التضخم يُمثل مقدار ارتفاع أسعار مجموعة معينة من السلع أو الخدمات خلال فترة زمنية محددة، غالبا ما تكون سنة.

يؤثر التضخم في ارتفاع المستوى العام للأسعار وعلى القوة الشرائية للمستهلكين، لأنه يعني أساسا انخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية، أي انخفاض كمية السلع والخدمات التي يمكن لوحدة واحدة من النقود شراؤها في فترة زمنية محددة مقارنة بالفترات السابقة، ويؤدي كذلك إلى انخفاض قيمة العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية.

أنواع التضخم وأسبابه :

وللتضخم أنواع عديدة وفق عدة معايير منها تحكم الدولة في جهاز الأسعار، ومعيار حدته ومعيار مصدر الضغط التضخمي، ويتم تقسيم التضخم وفقا لمعيار تحكم الدولة بالأسعار، ويسمى التضخم المفتوح، وترتفع في إطاره الأسعار بحرية لتحقيق التعادل بين العرض والطلب دون أي تدخل من جانب الدولة.

والنوع الأخر هو التضخم المكبوت، حيث تحدده فيه الدولة سقفا للأسعار، لمنعها من الاستمرار في الارتفاع، ومن ثم الحد من حركات الاتجاهات التضخمية لتجنب آثارھا غیر المواتیة.

وطبقا لمعيار الحدة، ينقسم التضخم إلى الجامح والزاحف وغير الجامح، حيث يعد الجامح، أخطر أنواع التضخم تأثیرا على الاقتصاد الوطني، إذ ترتفع الأسعار بشكل مستمر وسريع، يصعب السيطرة عليه، مما يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج وخفض الأجور الحقيقة للعمالة، ويكون غير الجامح أقل خطوة، حيث يمكن السيطرة عليها عبر الأدوات النقدية للبنك المركزي.

وهناك التضخم الزاحف، أيضاً ويسمى بالتضخم المعتدل، ويحدث عندما ترتفع الأسعار بنسبة معتدلة سنوبا، لا تحدث ضررا اقتصاديا حيث تستقر عند مستويات منخفضة وتسجل رقما أحاديا فعندما تزيد الأسعار بنسبة معتدلة يدفع ذلك المستهلكين لزيادة مشترياتهم على الفور في محاولة لتجنب ارتفاع الأسعار في المستقبل مما يعزز جانب الطلب الكلي. لهذا السبب بحدد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، نسبة التضخم عند مستوى 2%، وهذا المعدل يختلف من دولة إلى أخرى، ويختلف أيضا بين الدول النامية والدول المتقدمة.

أما معيار المصدر التضخمي، فينقسم إلى تضخم الطلب وينتج في هذه الحالة بسبب ارتفاع مستوى الطلب (الإنفاق الكلي) في المجتمع في وبقاء الإنتاج عند نفس المستوى، بحيث يعجز القطاع الإنتاجي عن تلبية الزيادة في الطلب الكلي، فيختل التوازن الكلي، وينعكس ذلك على مستوى الأسعار التي تتجه نحو الارتفاع، وكذلك التضخم المستورد.

ويحدث عندما تتعرض العملة المحلية لضغوطات نتيجة انخفاض قيمتها أمام العملات الأجنبية، ترتفع بشكل كبير أسعار السلع المستوردة في السوق المحلية، في هذه الحالة يتحمل المستهلكون كلفة هذا الانخفاض في قيمة العملة عند قيامهم باستهلاك سلعة أو خدمة مستوردة بالكامل أو بھا مكون مستورد، ويزداد تأثير هذا المكون كلما ارتفعت نسبة مدخلات الأسعار مستوى الإنتاج المستوردة من الخارج في هياكل الانتاج المحلي.

ويمكن تصنيف أسباب التضخم إلى ثلاث فئات رئيسية، مثل التضخم الناتج عن الطلب، التضخم الناتج عن التكلفة، والتضخم النقدي، وسنستعرض في هذه المادة التحليلية، الأسباب مع التركيز على عوامل محددة مثل زيادة الإنفاق الحكومي، ارتفاع أسعار الطاقة، وتوسع النقد، بالاستناد إلى أمثلة حديثة حتى عام 2025، بما في ذلك تأثير الحرب الروسية الأوكرانية.

بداية فإن التضخم الناتج عن الطلب يحدث عندما يفوق الطلب الإجمالي على السلع والخدمات العرض المتاح، مما يدفع الأسعار إلى الارتفاع، ومن أبرز العوامل هنا زيادة الإنفاق الحكومي، خاصة خلال فترات التحفيز الاقتصادي.

على سبيل المثال، خلال جائحة كوفيد-19، لجأت العديد من الحكومات إلى برامج دعم مالي هائلة، مثل الإعانات والإنفاق على البنية التحتية، مما أدى إلى زيادة الطلب وارتفاع التضخم.

في الولايات المتحدة، بلغ التضخم ذروته عند 9% في 2022 بسبب هذه السياسات، واستمر التأثير حتى 2025 حيث ساهم في ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، كما يساهم نمو الاقتصاد السريع أو انخفاض البطالة في هذا النوع، حيث يزيد الدخول المتاح لدى الأفراد من الإنفاق.

أما التضخم الناتج عن التكلفة ينشأ من ارتفاع تكاليف الإنتاج، مما يجبر المنتجين على رفع الأسعار للحفاظ على هوامش الربح، وهنا يبرز دور ارتفاع أسعار الطاقة كعامل رئيسي، إذ يؤثر على تكاليف النقل والتصنيع، أحد الأمثلة البارزة هو تأثير الحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت في 2022 واستمرت آثارها حتى 2025، حيث أدت الحرب إلى اضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية، خاصة الغاز الطبيعي والنفط الروسي، مما رفع أسعار الطاقة بنسبة تصل إلى 50% في أوروبا.

كما ساهمت في ارتفاع أسعار الطعام، إذ تعتبر أوكرانيا وروسيا مصدرين رئيسيين للحبوب والزيوت، مما أدى إلى زيادة أسعار الغذاء العالمية بنسبة 20-30% في 2022-2023، واستمر الضغط في 2025 بسبب التوترات الجيوسياسية المستمرة والانحرافات المناخية. هذا النوع من التضخم يؤدي إلى دوامة حيث ترتفع الأجور لتعويض التكاليف، مما يعزز الارتفاع السعري.

أما التضخم النقدي فيرتبط بتوسع الكمية النقدية في الاقتصاد بشكل يفوق النمو الإنتاجي، وفقا لنظرية ميلتون فريدمان التي تقول إن التضخم دائماً وأبداً ظاهرة نقدية، يحدث ذلك عندما تقوم البنوك المركزية بطباعة المزيد من النقود أو خفض الفوائد لتحفيز الاقتصاد، مما يزيد من السيولة ويشجع على الإنفاق.

في السنوات الأخيرة، ساهم برنامج التيسير الكمي، الذي اعتمدته البنوك المركزية بعد الجائحة في توسع النقد، مما أدى إلى تضخم عالمي بلغ متوسطاً 8% في 2022. كما أن الحرب الروسية الأوكرانية أجبرت بعض الدول على زيادة الإنفاق العسكري والدعم، مما عزز التوسع النقدي ورفع التضخم في أوروبا إلى مستويات قياسية في 2023-2025.

وغالبا ما تتداخل هذه الأسباب، كما في حالة الحرب الروسية الأوكرانية التي جمعت بين صدمات التكلفة (ارتفاع الطاقة والطعام) والتوسع النقدي لمواجهة الأزمة، ومن هنا فإن فهم هذه الأسباب يساعد في صياغة سياسات فعالة للسيطرة على التضخم، مثل رفع الفوائد أو تنويع مصادر الطاقة.

اختلال توازن مستويات المعيشة :

وتعد اليمن من أبرز البلدان التي تعاني من مشكلة التضخم، حيث ارتفع خلال العام الجاري، إلى 35% وفقا لتقرير حديث صادر عن صندوق النقد الدولي، قبل أن يتراجع قليلا منذ أغسطس، بعد إجراءات استقرار العملة.

هذا الارتفاع ناتج أساساً عن انخفاض قيمة الريال اليمني بنسبة 30% منذ بداية العام، بسبب نقص تدفقات العملات الأجنبية، توقف صادرات النفط، وتراجع الثقة الاقتصادية.

ويشير صندوق النقد الدولي، إلى تضاعف المشكلات الاقتصادية أمام الحكومية بالتزامن مع ارتفاع معدل التضخم، حيث انخفضت الإيرادات الحكومية من 22.5% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2014 إلى أقل من 12% في عام 2024، بينما ارتفع الدين العام إلى أكثر من نسبة 100% من إجمالي الناتج المحلي للمناطق المحررة، وتراكمت المتأخرات المستحقة لمعظم الدائنين الخارجيين.

وبالتوازي مع ذلك، توسع عجز الحساب الجاري من 2.1% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2014 إلى ما يقرب من 11% من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2024.

وانخفضت تغطية الاحتياطيات الدولية انخفاضا كبيرا إلى أقل من شهر واحد من الواردات، على الرغم من الدعم المالي الكبير المقدم من المملكة العربية السعودية والذي بلغ مجموعه حوالي 2 مليار دولار خلال الفترة 2023-2024.

وفي عام 2024، انكمش اقتصاد اليمن للعام الثالث على التوالي، إذ انكمش إجمالي الناتج المحلي بنسبة 1.5% بسبب انخفاض إنتاج النفط والغاز المسال، والصادرات، والاستهلاك المحلي في ظل احتواء الأجور العامة وارتفاع التضخم.

وبلغ التضخم 27% في عام 2024، وارتفع إلى أكثر من 35% على أساس سنوي مقارن بحلول يوليو 2025، وذلك بسبب تراجع قيمة الريال اليمني بنسبة 30% منذ بداية العام، نتيجة لتدفقات النقد الأجنبي المحدودة وانخفاض الثقة، مما دفع الحكومة المعترف بها دوليا إلى اتخاذ إجراءات لتحقيق الاستقرار في سعر الصرف في أغسطس.

وأدى انخفاض قيمة الريال اليمني، إلى وصول سعر الصرف إلى أدنى مستوى تاريخي عند 2905 ريال للدولار الواحد في يوليو 2025، ونتيجة لذلك، ارتفعت تكلفة سلة الغذاء الأساسية بنسبة 26% مقارنة بالعام السابق، مع زيادات حادة في أسعار الوقود والمواد الغذائية المستوردة (التي تشكل معظم الاستهلاك في اليمن). على سبيل المثال، أصبحت أسعار الخبز والحبوب والزيوت مرتفعة بشكل يفوق قدرة معظم الأسر.

وتآكلت القدرة الشرائية بشكل كبير، حيث أصبح الدخل الثابت (مثل الرواتب الحكومية المتأخرة أو المنخفضة) غير كاف لتغطية الاحتياجات الأساسية، حيث بات أكثر من 60% من الأسر اليمنية، وفقا لبرنامج الغذاء العالمي، غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية من الغذاء، ولجأت العديد من الأسر إلى استراتيجيات سلبية مثل تقليل الوجبات أو الاستدانة أو البيع من الأصول، وفقا لتقارير دولية.

ويؤدي هذا التراجع إلى تغيير سلوكيات الاستهلاك، مثل التحول إلى السلع الرديئة ورخيصة الثمن، أو تقليل الإنفاق على التعليم والصحة، مما يهدد التنمية البشرية طويل الأمد، كما يقلل من قيمة المدخرات، خاصة لكبار السن الذين يعتمدون على دخل ثابت.

وطبقا لتقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في 2025، فإن التعافي البطيء في الأجور الحقيقية يعني استمرار الضغط على ملايين الأسر عالمياً، ورغم انخفاض معدلات التضخم عالميا في 2025، إلا أن آثار اختلال الأسعار وتراجع القدرة الشرائية تظل قائمة، تتطلب سياسات نقدية حكيمة، دعماً اجتماعياً مستهدفا، وزيادة في الإنتاجية لاستعادة التوازن، كون استيعاب هذه الآثار يساعد الأفراد على التكيف، مثل الاستثمار في أصول تحمي من التضخم، بينما يدفع صانعي السياسات نحو حلول مستدامة.

خاتمة :

لم تعد معضلة التضخم التي باتت تؤرق اقتصادات الدول تقتصر على ارتفاع مستوى الأسعار، بل ظاهرة اقتصادية معقدة تؤدي إلى اختلال توازن الأسعار وتراجع حاد في القدرة الشرائية للأفراد، خاصة الطبقات ذات الدخل المتوسط والمنخفض.

ويعمل هذا التراجع على مضاعفة أعباء تكاليف المعيشة اليومية، ويعمق عدم المساواة الاجتماعية، ويحد من الادخار والاستثمار، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ورغم انخفاض معدلات التضخم العالمية في عام 2025 إلى مستويات أقل من الذروة ما بعد الجائحة، إلا أن الآثار التراكمية لا تزال قائمة، مع تحديات مستقبلية مثل التغير المناخي والتوترات الجيوسياسية التي قد تعيد إشعال الضغوط التضخمية.

لذلك فإن أولويات تحقيق التعافي لا بد أن تركز على إتباع سياسات نقدية ومالية متوازنة، وتعزيز الإنتاجية في الدول النامية، وتعزيز البناء المؤسسي للقطاعات الاقتصادية والهياكل العامة، من أجل حماية الفئات الضعيفة بدعم مستهدف ومدروس، وتضمن نموا اقتصادياً مستداماً يعيد التوازن إلى الأسعار والقدرة الشرائية، لضمان استقرار المجتمعات في مواجهة التحديات الغذائية.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

هاني بن بريك يقدم على هذه الخطوة الجديدة

كريتر سكاي | 501 قراءة 

اعلان ايراني بشأن الاستسلام

العربي نيوز | 422 قراءة 

مصير غامض لـ«صاحب الأرواح التسع» في إيران... من هو؟

بوابتي | 323 قراءة 

دولة خليجية تمدّد تلقائياً الإقامات والزيارات وتلغي الغرامات والرسوم بالكامل

نيوز لاين | 317 قراءة 

تسريبات اسرائيلية بشأن اليمن

العربي نيوز | 296 قراءة 

صورة من قلب صنعاء تشعل غضبا واسعا في أوساط اليمنيين

بوابتي | 291 قراءة 

الرئيس الايراني يعتذر لدول الجوار ويلتزم بهذا الامر

بوابتي | 278 قراءة 

عاجل: تحرك عسكري سعودي باكستاني على أعلى المستويات بعد تصاعد الهجمات الإيرانية على المملكة

المشهد اليمني | 270 قراءة 

جدل واسع بصنعاء عقب افطار شاب بفيديو مقابل هذا الامر

كريتر سكاي | 253 قراءة 

اختفاء شاب يمني خلال عودته من السعودية… ونداءات عاجلة للعثور عليه

نيوز لاين | 233 قراءة