*
عزالدين سعيد الأصبحي:
**أطلَّ العامُ الجديد بوجه عابس مبكرا، كأنه لم يُمنح فرصة الطفولة ولا فسحة البراءة. لم يأتِ صفحة بيضاء، بل وصلنا محمّلا بندوب عام مثقل بالجراح، ممتدّا كليل لم يتعلّم بعد كيف ينسحب.
منذ ساعاته الأولى، كانت السياسة تشتعل.
وعلى الأقل، فى وطننا العربى وحده، هناك سبع حروب مفتوحة، وسبع بوابات للألم: من فلسطين، جرحِنا الذى لا يندمل وبوصلة الوجع والحل معا…
إلى اليمن، والسودان، ولبنان، وليبيا، وسوريا… وحتى الصومال، حيث يقف البحر شاهدا على تعب اليابسة.
مضى الشهر الأول فقط من العام وكأننا نفتح بابا إلى الجحيم؛ أسوأ ما فيه جرائم لا يتصورها عقل، مع ما يُعرف بـ «ملفات جيفري إيبستين» التى أماطت اللثام عن منحدر لم تبلغه البشرية من قبل.
وفى كل زاوية حولنا هناك قصةٌ للهلع. والعالم ليس بأفضل حالًا؛ من طهران التى تتأرجح على حافة المجهول، إلى أوكرانيا المصلوبة على خاصرة أوروبا، إلى كشمير المعلّقة بين نارين، ومن فنزويلا المتعبة حتى جرينلاند البعيدة، حيث يبدو الجليد فيها أكثر دفئا من خرائط السياسة. أما الممرات المائية، فهى شرايين خوف مفتوحة، وصارت تجارة الذهب والفضة ظلّا لمعركة أكبر، يُساق إليها البشر كما تُساق المعادن… وقودا للأطماع.
لم تُهدّئ الثلوج غضب العالم، ولم تُطفئ برودة الطقس حرائق السياسة. كأن الطبيعة قررت أن ترافق جنون البشر بمزاج غاضب؛ فننام على أغان حالمة بالسلام، ونصحو على قرع طبول الحرب، أو على صرخات نجدة تتسلل من بين أنقاض الكوارث.
ملخص صورتنا البشرية للأسف فى مطلع عام غضوب هى مجرد إنسانٌ مقهور، محشور فى زاوية كوكب يتسع للمدافع ويضيق بالقلوب.
عالمٌ يندفع بلا كوابح، تُدار فيه النزاعات بشهوة المغامرة لا برجاحة الحكمة.
فى هذا الضجيج، تتقدّم إسرائيل بمشروع حروب متناسلة، تمدّ ألسنة النار من جنوب لبنان إلى شمال الصومال، وتعيد رسم خرائط الاشتعال بريشة الهيمنة وخلط الأوراق. وفى الجهة الأخرى من المسرح، لا تخيّب واشنطن ظنّ المتابعين؛ تفتتح العام بمشهد صادم، أقرب إلى أفلام الإثارة منه إلى نشرات الأخبار،
حين يُقتاد رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، مخفورا إلى مجمّع محاكم نيويورك، قرب الحيّ الصينى مباشرة.
مشهدٌ مثقلٌ بالرمز: هل كان مكان المحكمة رسالة سياسية مشفّرة، من باب «وإيّاكِ أعنى يا جارة»، أم مجرد صدفة يتيمة؟ فى الحالتين، يبقى الجوهر واحدا: صراعٌ على الاقتصاد، على المال، على طرق التجارة، على خنق الخصم لا مصافحته،
من خليج تايلاند البعيد حتى مضيق باب المندب، حيث تختلط الجغرافيا بعرق البحّارة وقلق العالم.
واشنطن، كعادتها، تُخرج الأحداث بعقلية المخرج الهوليوودي:
إبهارٌ سريع، وضجيجٌ كثيف، لكن بدم حقيقى هذه المرة. لم يكد يمرّ اليوم الثالث على سجن مادورو وزوجته، حتى انقلب المشهد؛
وزارة العدل تُسقط لائحة الاتهام الأساسية وتستبدلها بأخرى باهتة، منزوعة الدسم القانونى، كأن القصة أُعيدت كتابتها على عجل. ليس الأمر تصحيحًا إجرائيًا باردا، بل ارتباكٌ عميق يطل من بين السطور؛ ارتباكٌ يهدد هيبة العدالة حين تُستعمل سلّمًا للصعود السياسي.
وحين يتعثر القانون، يتقدّم شبح الحرب ليملأ الفراغ. هكذا يتحول الاتهام من صلابة الجريمة إلى ضباب السياسة، من وثيقة قانونية إلى خطاب فضفاض عن شبكات نفوذ وفساد وإرث ثقيل… توصيفات تصلح للجدل، لا للأصفاد. يقف القضاء الأمريكى اليوم عند مفترق حرج؛ فإما أن ينتصر لمنطقه، أو يفسح الطريق لمنطق القوة.
وبحسب ملامح المشهد، قد لا يُحسم الفصل القادم تحت قبة محكمة، بل على طاولة صفقات، أو فى ظل استعراض عضلات.
إنه العام الأكثر سخونة سياسيا، رغم قسوة الصقيع. عامٌ يوزّع مفاجآته كحقول ألغام: من فضائح جيفرى إيبستين التى ترفض أن تموت، إلى شدّ الحبل بين واشنطن وطهران؛ هل يسقط النظام الإيرانى سقوطًا مدويا، أم يولد من قلب العاصفة توازنٌ جديد؟ .
فى الحالتين، المفاجآت لا تأتى خفيفة.
وإن حاولنا الهروب من صداع السياسة إلى دفاتر الاقتصاد، وجدنا العالم يسهر على قلق البورصات وأسعار الذهب.
لكن، ماذا يعنينا نحن، فى هذه البقعة المثقلة بالفقد، إن صعد الذهب أو هبط؟.
لقد صعدت أرواحٌ إلى السماء، وهبطت أوطانٌ إلى الحضيض. خوفنا ليس من بورصة المال، بل من بورصة السياسة.
أقصى أمانينا… ليس الرفاه، ولا الثراء، ولا حتى الانتصارات الكبرى.
أقصى أمانينا:
قليلٌ من الأمان…
فقط، لا أكثر.
*. سفير بلادنا لدى المملكة المغربية الشقيقة
**نقلا عن جريدة الاهرام المصرية
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news