لم تكن تهمة «الإرهاب» في السياق اليمني توصيفًا أمنيًا محايدًا مرتبطًا حصريًا بظواهر العنف والجماعات المتطرفة، بل تحولت، عبر مراحل متعددة، إلى أداة سياسية شديدة الخطورة، استُخدمت لإدارة الصراع، وإضعاف الخصوم، وإعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة وخارجها.
فمنذ عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح، جرى توظيف هذا المفهوم بوصفه «سلاحًا سياسيًا» مرنًا، يُستدعى عند الخلاف ويُجمَّد عند التسويات، في ممارسة تكشف أن المسألة لم تكن مرتبطة بمواجهة الإرهاب بوصفه خطرًا حقيقيًا، بقدر ما كانت مرتبطة بالابتزاز السياسي والمكايدة وإدارة الصراع من خارج أطر القانون.
وفي قلب هذا الاستخدام المنهجي، جاءت الحملات التي استهدفت التجمع اليمني للإصلاح، حيث جرى تقديم الحزب، مرارًا، في بعض الخطابات الرسمية والإعلامية، كحاضنة للتطرف، دون أن تستند تلك الاتهامات إلى أدلة قضائية، أو تحقيقات مهنية، أو أحكام قانونية واضحة. بل استُخدمت هذه التهم غالبًا لتبرير الإقصاء والتضييق، أو لإضعاف الحزب داخليًا، وتشويه صورته خارجيًا، في لحظات سياسية حساسة.
ومع تعقّد المشهد اليمني وتداخل الصراع المحلي بالإقليمي، لم تتراجع هذه الورقة، بل تصاعد توظيفها، في وقت تتجاهل فيه بعض القوى حقيقة أن الإرهاب الفعلي لا يزال يضرب المجتمع، وأن الإصلاح كان – وفق الوقائع – من أكثر الأطراف استهدافًا وتضررًا من عملياته، وهو ما تكشفه سلسلة الاغتيالات والهجمات التي طالت قياداته وكوادره ومقراته في أكثر من محافظة.
تهمة عند الطلب
خضعت العلاقة بين النظام السابق والإصلاح لمنطق المصالح المتقلبة؛ تقارب عند الحاجة السياسية، وتصعيد عند الرغبة في كسر النفوذ أو إعادة ضبط التوازنات. وفي كل مرة كان الخلاف يحتدم، كانت تهمة «الإرهاب» تُرفع كعصا سياسية، عبر الإعلام الرسمي وأدواته، لتبرير الاستهداف وخلق حالة عداء شعبي، رغم أن الإصلاح ظل مكونًا أصيلًا في الحياة السياسية، وركنًا من أركان التعددية، وفاعلًا رئيسيًا في جميع الاستحقاقات الانتخابية.
وبعد الثورة ثم الحرب، انتقلت هذه الورقة من الاستخدام المحلي إلى حملات إقليمية، حاولت إدراج الحزب ضمن سرديات الإرهاب، مستغلة المناخ الدولي المشحون تجاه الحركات السياسية ذات الخلفيات الإسلامية المعتدلة. ولأهداف سياسية بحتة، جرى تضخيم بعض الحوادث الأمنية، وحرف مسارات التحقيق، وربطها بالإصلاح خارج أي مسار قانوني، ليظل الحزب في دائرة الاتهام، بينما يُحمَّل تبعات إرهاب منظم لم يكن طرفًا فيه. واللافت أن هذه التهمة لم تُطرح يومًا باعتبارها قضية عدالة، بل كأداة ابتزاز سياسي، تُستخدم عند الخصومة وتُخفف عند المصالحة، لتتحول «مكافحة الإرهاب» إلى شعار انتقائي، يُدار بمنطق الصراع لا بمنطق القانون.
تزييف الحقائق وإدارة الاتهام
تكشف التجربة أن تهمة الإرهاب الموجهة للإصلاح لم تكن يومًا قضية قانونية قائمة على أدلة، بل خطابًا تحريضيًا يعتمد على الشائعات والتعميم والربط الإيحائي. ولو كانت تلك الاتهامات حقيقية، لكان القضاء هو المسار الطبيعي لإثباتها، غير أن الواقع يُظهر أن معظمها لم يتجاوز حدود الحملات الإعلامية، دون أي سند قانوني.
وقد تحولت هذه التهمة إلى أداة جاهزة تُستدعى كلما شعر الخصوم بثقل الإصلاح السياسي أو الاجتماعي، ليس بدافع حماية المجتمع، بل بهدف إضعاف الحزب، وتحميله مسؤولية الأزمات، وتبرير الإقصاء والتضييق، مع الإبقاء على «نافذة الإرهاب» مفتوحة كذريعة دائمة للعبث الأمني.
وما يعزز طابع المزايدة السياسية أن حدة الاتهام كانت تخضع لتغير المصالح؛ ترتفع مع اشتداد الخلاف، وتنخفض مع تبدل التحالفات، وهو ما يكشف أنها لم تكن قضية أمن وطني، بل أداة صراع.
والنتيجة الأخطر أن هذا الاستخدام الانتقائي لا يضر الإصلاح بقدر ما يضر المجتمع والنظام العام، إذ يُفرغ مفهوم مكافحة الإرهاب من مضمونه، ويحوّله إلى غطاء لتصفية الحسابات، بل ويوفر بيئة آمنة للإرهابيين الحقيقيين بعيدًا عن المساءلة.
حملات بلا دليل
اعتمدت حملات التشويه ضد الإصلاح على صناعة صورة ذهنية سلبية في الوعي العام، عبر تكرار الاتهام وربطه بأي حادثة عنف، دون تقديم دليل مباشر قابل للمساءلة. ومن أبرز أساليب هذه الحملات «الربط الإيحائي»، حيث لا تُقدَّم اتهامات صريحة، بل إشارات مبهمة تُترك لتؤدي أثرها النفسي.
كما جرى استغلال المناخ الدولي بعد أحداث الإرهاب العالمية، وربط الحزب قسرًا بتلك السياقات، بهدف التأثير على الرأي العام الخارجي، وإضعاف موقعه السياسي.
وتكمن خطورة هذه الحملات في أنها لا تستهدف حزبًا بعينه فحسب، بل تستهدف وعي المجتمع، عبر صناعة «عدو وهمي» يُستهلك في الصراع، بينما تُحجب الأسباب الحقيقية للأزمات، ويُصرف النظر عن الفاعلين الحقيقيين في العنف.
تهمة لصناعة القمع
لم تبقَ هذه التهمة تدور في المجال الإعلامي وحسب، بل تحولت إلى أداة عملية لتبرير الاستهداف السياسي والأمني، ومحاولة تفكيك حضور الإصلاح داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. فحين يُصوَّر حزب سياسي واسع الامتداد كـ«خطر أمني»، يصبح تمرير الإجراءات الاستثنائية ضده أمرًا ميسورًا، دون الحاجة إلى أدلة. وقد انعكس ذلك في محاولات إقصائه من مواقع التأثير، واستهداف كوادره، وإضعاف دوره في القرار السياسي، ليس حمايةً للمجتمع من التطرف، بل تفكيكًا لخصم سياسي مؤثر يمتلك قاعدة شعبية ورؤية وسطية.
ويكمن خطر هذا المسار في تحويل العمل السياسي إلى ساحة تصفية أمنية، واستبدال التنافس الديمقراطي باتهامات جاهزة، بما يهدد مستقبل الشراكة الوطنية.
الإصلاح: حائط صد لا حاضنة عنف
تُعد مفارقة اتهام الإصلاح بالإرهاب من أكثر المغالطات فجاجة في التاريخ السياسي اليمني الحديث. فالوقائع تُظهر أن الحزب وكوادره كانوا من أكثر ضحايا الإرهاب، سواء إرهاب الجماعات المتطرفة أو المليشيات المسلحة، وأن موجات الاغتيالات التي طالت قياداته تؤكد أنه يمثل نقيضًا موضوعيًا للإرهاب.
فالإصلاح، بوصفه حزبًا مدنيًا، يرتكز على العمل السياسي السلمي، والمشاركة الديمقراطية، والالتزام بالدولة، وهو ما جعله هدفًا للجماعات المتطرفة التي ترى في هذا النموذج تهديدًا مباشرًا لها. كما أن القوى التي مارست «الإرهاب السياسي» عبر تلفيق التهم، هي ذاتها التي وفرت بيئات خصبة لنمو التطرف، واستخدمته كورقة ضغط لتحقيق مكاسب سلطوية.
تخويف الخارج وشيطنة الداخل
يُظهر تتبع مسار الاتهامات نمطًا متكررًا؛ إذ تتصاعد نغمة الإرهاب كلما اقترب الإصلاح من تحقيق إنجاز سياسي أو توسيع حضوره. وهو ما يعكس خوفًا بنيويًا من قدرته على الحشد السلمي والمنافسة الديمقراطية، ودفع خصومه لاستخدام «فزاعة الإرهاب» لتعطيل المسار السياسي والحصول على غطاء خارجي.
ويُستخدم هذا الخطاب لابتزاز المجتمع الدولي عبر معادلة زائفة: «إما نحن أو الإرهاب»، في محاولة لإجهاض أي تحول ديمقراطي حقيقي.
إن محاولات وصم التجمع اليمني للإصلاح بالإرهاب ليست سوى بروباغندا سياسية تهدف إلى قلب الحقائق، وتحويل الضحية إلى متهم، لخدمة مشاريع استبدادية أو مليشياوية. وقد أثبتت التجربة أن إضعاف الأحزاب المدنية المنضبطة لا يخدم مكافحة الإرهاب، بل يوفر بيئة مثالية لازدهاره.
وإذا كانت المعركة اليوم معركة استعادة دولة، فإن الطريق إليها لا يمر عبر المكايدات والتلفيقات، بل عبر الاصطفاف خلف القوى الوطنية التي أثبتت التزامها بالعمل المدني وسيادة القانون، وهو ما يجسده الإصلاح بوصفه مكونًا جمهوريًا مدنيًا، يرى في السياسة أداة بناء لا وسيلة هدم، وفي الدولة مظلة جامعة لا غنيمة صراع.
صناعة «الإرهاب» لتشويه الإصلاح وإرباك الحياة السياسية
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news