بشرى العامري
يعيد اعتقال اشواق سليمان الشميري على يد ميليشيا الحوثي فتحَ ملفّ الانتهاكات الجسيمة التي تطال النساء في صنعاء، بشكل فاضح.
لا يمثل اعتقال أشواق حادثة فردية أو عابرة في سجل الانتهاكات الحوثية، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الجرائم الممنهجة التي تستهدف النساء في مناطق سيطرة المليشيا، ضمن سياسة قمعية واضحة تقوم على الترهيب والإخفاء والإذلال وكسر أي صوت مستقل، وسط صمتٍ دوليٍّ فاضح.
لكنّ الأخطر من هذا الصمت الخارجي، هو صمتُنا نحن.
وفي مقدمة الصامتين تقف حكومة الشرعية، ممثَّلة بالوزارات المعنية، التي لم تتجاوز بياناتها حدود البرود المعتاد، إن حضرت أصلا، (ومع اشواق سليمان للاسف لم يحدث أي موقف أو حتى بيان حتى اللحظة).
أشواق ليست اسماً عابراً في قائمة ضحايا القمع.
بل هي نموذج صارخ لما يحدث حين تكون المرأة بلا حزب، بلا قبيلة نافذة، بلا ظهر سياسي.
في 25 نوفمبر الماضي، اقتحمت قوة مسلحة منزل أسرتها في صنعاء منتصف الليل، واختطفتها بطريقة مهينة ومروّعة، ومنذ ذلك اليوم انقطعت أخبارها.
لا مذكرة توقيف، لا تهمة، لا زيارة، لا ضمانات قانونية. اختفاء قسري كامل الأركان.
جريمة مكتملة.
لكن الجريمة لم تتوقف عند باب المنزل.
الجريمة الأكبر بدأت بعد ذلك… بالصمت.
صمتٌ دوليٌّ بارد، وصمتٌ محليٌّ أشد قسوة.
لم يكتب عن قضيتها إلا قلّة من أهلها وأصدقائها، وبأصواتٍ مثقلة بالخذلان.
ولم تتحرك القيادات النسوية على كثرتها، ولا مدّعيات السلام، ولا حتى الناشطات المقيمات في عواصم أوروبا وتركيا، فالصقيع يبدو أنه قد اصاب الجميع.
بيانات باهتة إن وُجدت، وتعاطف خجول لا يرقى إلى مستوى الكارثة.
وكأن حياة النساء المختطفات مسألة هامشية لا تستحق الضجيج.
خذلان الضحايا يحدث حين يصبح التضامن انتقائياً.
والمؤلم أن الانتهاك لا يرتكبه الجلاد وحده، فثمة شكل آخر من العنف يُمارَس بحق الضحايا، هو عنف التجاهل،
في اليمن اليوم، لم يعد التضامن معيارا حقوقيا، بل صار قرارا سياسيا.
نغضب لمن ينتمي إلينا ونتجاهل من لا ظهير له.
لو كانت أشواق تنتمي لحزب نافذ، أو لقبيلة قوية، أو لتيار صاخب على وسائل التواصل، لاشتعلت الحملات، وتسابقت البيانات، وامتلأت الشاشات بصورتها.
لكن لأنها مستقلة
تُركت وحيدة، وكأن استقلالها تهمة، وهذا الاصطفاف الانتقائي لا يقل خطورة عن الاعتقال نفسه.
فهو يكرّس طبقية في الحق بالحرية، وعنصرية في قيمة الإنسان.
أشواق ليست الأولى… ولن تكون الأخيرة
وكأن السؤال غير المعلن كان:
إلى أي حزب تنتمي؟ ومن أي قبيلة؟ ومن يقف خلفها؟
أشواق التي لا تنتمي إلا لليمن، كتبت قبل اعتقالها بأيام أنها لا تتبع أي تيار سياسي، ولا تحمل إلا هوية الوطن الكبير.
فكان استقلالها تهمتها، وصوتها جريمتها، فاقتحمتها قوة مسلحة في فجرٍ موحش، واختفت آثارها منذ ذلك الحين.
الحوثي يرتكب جريمة بعد أخرى أمام صمت دولي ومحلي مخيف،
لكنّ الانتقائية في تضامننا نحن جريمة أخرى لا تقل قسوة.
حين نتحرك فقط لمن يشبهنا سياسيا، أو طائفيا، أو حزبيا،
ونصمت عمّن لا ظهير لهم، فنحن نكرّس شكلا آخر من الظلم، ووجها قبيحا من العنصرية المقنّعة.
تضامنٌ بلا عدالة في المعايير ليس تضامنا، بل اصطفاف.
والدفاع عن معتقل الرأي لا يجب أن يُقاس بانتمائه، ولا بثقله السياسي، ولا بعدد متابعيه.
ماذا لو كانت أشواق من بيتٍ نافذ، أو من حزبٍ صاخب، أو من دائرة النفوذ الإعلامي؟
كنّا سنرى حملات لا تهدأ، وبيانات لا تتوقف، وصورا تتصدر الشاشات.
لكن لأنها امرأة، مستقلة…
تُركت وحدها.
لتدفع الثمن مرتين: مرةً على يد سجّانها، ومرةً بصمت من يفترض أنهم أهل صوتها.
ونسينا أن الحرية لا تتجزأ، وأن كرامة المعتقل لا تُصنَّف.
والموقف الأخلاقي الحقيقي يبدأ حين ندافع عمّن لا يملكون منصة، ولا حزبا، ولا قبيل بل يملكون حقا فقط.
العدالة في التضامن ليست خيارا أخلاقيا زائدا، بل هي جوهر المعركة من أجل وطنٍ لا يُعتقل فيه الرأي ولا تُترك فيه أشواق وحيدة.
قضية أشواق ليست استثناء، فقبلها كانت حنان الشيباني، التي اختُطفت في واقعة مروعة في اكتوبر العام الماضي بعد أيام فقط من ولادتها، في انتهاك فجّ لكل القيم الإنسانية والأعراف الاجتماعية.
امرأة في أضعف حالاتها الجسدية والنفسية تُسحب إلى السجن، وكذلك زميلتها في برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة (WFP) نسرين الشرماني
ومع ذلك، مرّت قصتها ببرودٍ لافت، وكأنها تفصيل عابر.
وقبلهما سارة الفايق، التي اعتُقلت في 6 يونيو 2024 من منزلها في صنعاء ضمن حملة استهدفت موظفي المنظمات الدولية والمحلية.
أُخفيت قسرا لأشهر، وخلال احتجازها توفيت والدتها في يناير 2025 كمداً وصدمةً وحسرة، دون أن تتمكن من وداع ابنتها أو رؤيتها للمرة الأخيرة.
أي عقوبة أشد من أن تُحرم أم من ابنتها، وتُحرم ابنة من قبلة الوداع الأخيرة؟
ومع ذلك…
لا حملات، لا ضغط دولي، لا ضجيج.
وغيرهن كثيرات لا نعرف أسماءهن أصلا.
أصبحن نساء يبتلعهن السجن، ويبتلعهن النسيان.
في مقابل ذلك تجري مفاوضات لاطلاق سراح المختطفين لكن قوائمها تخلو من النساء، حقوق بلا صوت، والأكثر فداحة أن هذا التهميش امتد حتى إلى مسار المفاوضات.
فالوفود المكوكية التي تتحدث عن تبادل الأسرى وكشوفات المختطفين، تقدّم قوائم تخلو من النساء، وكأنهن خارج المعادلة، أو وكأن قضيتهن عيب يجب إخفاؤه.
ويُصرّ المفاوضون على تجاهلهن، بينما الحوثي لم يتردد في المقايضة.
فقد ساوم على إطلاق سراح سميرة مارش، المدانة بقيادة خلية لزرع العبوات الناسفة في مأرب، وأفرج عنها في أبريل 2023 مقابل عدد من الصحفيين، واحتفل بها علنا.
امرأة متهمة بأعمال عنف جرى التفاوض عليها بقوة،
بينما عشرات النساء المدنيات، المعتقلات تعسفا بلا تهمة، لا يجدن من يطالب بأسمائهن.
أي مفارقة أخلاقية هذه؟
وأي عدالة معطوبة تلك التي تدافع عن الجناة وتتجاهل الضحايا؟
القضية ليست أشواق أو سارة وحدها بل كرامة النساء جميعا،
فما يحدث اليوم ليس مجرد انتهاكات متفرقة، بل سياسة ممنهجة:
اختطاف تعسفي
إخفاء قسري
حرمان من الضمانات القانونية
ابتزاز عائلي ونفسي
وتواطؤ بالصمت من مجتمع يفترض أنه حاضن للضحايا.
بيئة كاملة لإنتاج الخوف وكسر النساء تحديدا.
فالمرأة المستقلة، الصحفية، الموظفة، أو حتى المواطنة العادية أصبحت هدفا سهلا.
والرسالة واضحة
“إما الصمت… أو السجن.”
العدالة لا تكون انتقائية
الحرية لا تتجزأ.
وكرامة الإنسان لا تُقاس بانتمائه.
والتضامن الذي يختار ضحاياه… ليس تضامنا، بل اصطفافا سياسيا.
الموقف الأخلاقي الحقيقي يبدأ حين ندافع عمّن لا صوت لهم،
عمّن لا قبيلة تحميهم،
ولا حزب يتبناهم،
ولا منصة تروّج لقضيتهم.
أشواق، وحنان، وسارة…
لسن أسماء عابرة.
هنّ اختبارٌ لضميرنا الجمعي.
فإما أن ندافع عنهن جميعا…
أو نكون شركاء في خذلانهن.
لأن الوطن الذي تُختطف فيه النساء بصمت…
ليس وطنا آمنا لأحد.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news