الميعنة.. صوت الأرض ووجدان الإنسان في إب الخضراء

     
اليمن الاتحادي             عدد المشاهدات : 69 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
الميعنة.. صوت الأرض ووجدان الإنسان في إب الخضراء

بشرى العامري:

تُعدّ الميعنة أحد الوجوه النادرة للتراث اليمني الأصيل، وفناً شعبياً عميق الجذور ارتبط بالأرض والإنسان في محافظة إب، ولا سيما في المنطقة الوسطى، الممتدة من مديريات السدة والنادرة، مروراً بوادي بنا والعود، وصولاً إلى مخلاف الشِعر. هناك، حيث الخضرة الدائمة والحقول المتدرجة والوديان المفتوحة على السماء، وُلد هذا الفن وتشكّل بوصفه لغة وجدانية يتواصل بها الإنسان مع أرضه ومع ذاته.

الميعنة ليست مجرد موال أو أهزوجة عابرة، بل هي حالة شعورية كاملة، تصدح منذ اللحظات الأولى للفجر بين الحقول والسهول، خصوصاً في موسم العَلان، ذلك الموسم الزراعي المفصلي الذي يمثل فاصلاً زمنياً بين الصيف والخريف. في هذا الموسم، وأثناء خلع أوراق الذرة قبل الحصاد، يعلو صوت المزارع – رجلاً كان أو امرأة – ليبوح بما يختلج في صدره من مشاعر صادقة، دون تكلف أو تصنّع.

في الميعنة، يتجاور الحب مع الفقد، والاشتياق مع الحكمة، وتطل الذكريات القديمة محمّلة بحكايات الغربة التي اشتهر بها أبناء هذه المناطق، حيث الهجرة بحثاً عن الرزق كانت قدراً متوارثاً. تتحول الميعنة هنا إلى سجل شفهي للوجدان الجمعي، تحفظ تفاصيل الحياة اليومية، وأوجاع الفراق، وحنين الأرض لمن غادروها، وأحلام البسطاء التي لم تُكتب في كتب، لكنها حُفرت في الذاكرة بالصوت والنغمة.

هذا الفن هو الاقرب لفن الملالة المعروفة في مناطق اليمن المختلفة خاصة تعز ،حيث تشبه ملالة تعز بالفكرة ومضمون الموال وأداء النساء للحن الشجي

ويمتاز هذا الفن بعفويته المطلقة؛ فلا مسرح له سوى الحقل، ولا جمهور سوى الطبيعة المفتوحة. ومع ذلك، فإن تأثيره بالغ العمق، إذ يحمل نغماً شجياً قادراً على لمس الروح، حتى لمن لا ينتمي إلى المكان. وعندما تنتقل الميعنة من الحقول إلى المناسبات الاجتماعية، كالأعراس أو اللقاءات الشعبية، يرافقها المزمار، ليمنحها بعداً احتفالياً، دون أن يفقدها بساطتها الأولى أو صدقها العاطفي.

الميعنة، بهذا المعنى، ليست فناً غنائياً فحسب، بل جزء من هوية ثقافية متكاملة، تعكس علاقة الإنسان اليمني بأرضه، وبالمواسم، وبالعمل الزراعي الذي لم يكن مجرد مصدر رزق، بل أسلوب حياة. وهي شاهد حي على قدرة المجتمعات الريفية على تحويل التعب اليومي إلى جمال مسموع، وعلى صون ذاكرتها الجمعية عبر الصوت.

وفي زمن تتسارع فيه مظاهر الحداثة، وتبهت فيه الكثير من الملامح التراثية، تظل الميعنة واحدة من الكنوز الثقافية المهددة بالنسيان، ما يستدعي توثيقها وحمايتها، بوصفها إرثاً إنسانياً يعكس روح إب الخضراء، ويجسد أصالة اليمن، حيث كان الصوت دائماً أصدق تعبير عن الإنسان والأرض والحياة.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

شاهد .. نبوءة ‘‘الأمير سعود الفيصل’’ قبل 20 عامًا التي تحققت اليوم بحذافيرها.. وكيف رد على الرئيس الأمريكي ‘‘جورج بوش’’ (فيديو)

المشهد اليمني | 499 قراءة 

الحرس الثوري يكشف المهمة الموكلة لجماعة الحوثي

عدن الغد | 441 قراءة 

خطوة جديدة لبن بريك تشعل التساؤلات حول مستقبل الانتقالي الجنوبي

نيوز لاين | 422 قراءة 

أقوى موقف لروسيا والصين تجاه المرشد الإيراني الجديد ”مجتبى خامنىي” والتهديد باغتياله!

المشهد اليمني | 311 قراءة 

المهمة الخاصة.. إيران تكشف دور الحوثيين الميداني وتوقيتها الزمني في الحرب الإقليمية

موقع الأول | 263 قراءة 

من تاجر كبير إلى مقاتل في الجبهة.. قصة استشهاد هشام الشرعبي في مواجهات تعز

بوابتي | 236 قراءة 

اول جنديين إماراتيين يسقطوا منذ الحرب بين إيران و اسرائيل .. تفاصيل

موقع الأول | 233 قراءة 

دخول ناشطة بارزة العناية المركزة في عدن

كريتر سكاي | 230 قراءة 

أول زعيم دولة خليجية يهنئ مجتبى خامنئي بعد تنصيبه مرشدا جديدا لإيران

المشهد اليمني | 210 قراءة 

​"لملس الجديد".. انتقادات واسعة لبداية المحافظ "عبدالرحمن شيخ" في عدن واتهامات بسير على خطى سلفه

كريتر سكاي | 206 قراءة