بشرى العامري
إحدى أبرز صور الصراع بين المكونات السياسية في اليمن تتجلى هذه الأيام في الموقف من علم الدولة اليمنية، بوصفه رمزا سياديا لا يقبل التأويل أو المساومة.
فالمسألة لم تعد تفصيلاً شكليا، بل تحولت إلى مؤشر سياسي يعكس اتجاهات النفوذ وصراع الأجنحة داخل بنية الشرعية نفسها.
ففي عدن، يظهر المحافظ المعيَّن حديثا في اجتماعات رسمية دون رفع علم الجمهورية اليمنية، مع الإبقاء على صورة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، ويُسوَّق هذا السلوك بوصفه محاولة لـ«تحقيق توازن» عبر إلغاء علم الدولة مقابل إلغاء علم الشطر الجنوبي السابق الذي يرفعه المجلس الانتقالي الجنوبي كرمزية لمشروع الانفصال. غير أن هذا المنطق، في جوهره، لا يؤسس للدولة، بل يعكس مقايضة رمزية تُفرغ السيادة من معناها.
في السياق ذاته، تعكس لقاءات عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرمي (أبو زرعة) صورة أكثر التباسا، إذ تختفي منها جميع الرايات، بما فيها علم الجمهورية اليمنية، كما تغيب صورة رئيس المجلس العليمي.
فالمحرمي، الذي كان نائبا لعيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي قبل حله، يبعث من الرياض رسائل سياسية مفادها أنه يلتقي مسؤولين وسفراء أجانب دون أي رمزية وطنية، وكأن التخلي عن شعار الانفصال لا يقابله تبنٍّ واضح لشعار الوحدة، في معادلة صامتة عنوانها، هذه بتلك.
أما عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، فيظهر في مناسباته الرسمية مع علم الجمهورية اليمنية، لكن دون صورة العليمي رئيس المجلس، بينما تُرفع في مكاتبه داخل مقر قواته في المخا صورة الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، في مشهد يعكس ازدواجية رمزية بين الدولة والذاكرة السياسية الخاصة.
المفاجأة الأبرز جاءت من ظهور عضو مجلس القيادة الرئاسي الدكتور عبدالله العليمي باوزير في اجتماعه الأخير مع القوى والتيارات الجنوبية دون رفع علم الجمهورية اليمنية أو صورة رئيس المجلس، في موقف بدا وكأنه محاكاة صريحة لنهج أبو زرعة المحرمي، ما يطرح تساؤلات مشروعة، هل نحن أمام سباق غير معلن على وراثة النفوذ السياسي لعيدروس الزبيدي؟ أم محاولة لاسترضاء قواعد المجلس الانتقالي الباحثة عن زعامة بديلة؟ ربما هذا وذاك.
وفي حضرموت، يتخذ المشهد منحى مختلفا، إذ عاد علم الجمهورية اليمنية إلى الواجهة بعد غياب، لكن إلى جواره ظهر علم جديد يحمل صورة شجرة السدر اليمنية، وقيل إنه “علم حضرموت”، وهو رمز مستحدث لا يُعرف مصدره أو مرجعيته، ويضاف إلى فوضى الرموز التي تتسع رقعتها دون أي إطار قانوني منظم.
صراع الرايات وشعارات الدولة ليس ترفا سياسيا ولا خيارا شخصيا، بل موقف رسمي تحكمه القوانين واللوائح النافذة، التي لا تجيز رفع أي أعلام أو رموز ذات طابع سيادي خارج الإطار القانوني المعتمد، والتهاون في هذا الجانب يعني القبول الضمني بتفكيك رمزية الدولة.
وباختصار، فإن معركة تثبيت الدولة وهويتها وبناء مؤسساتها تبدأ من احترام هذه الرموز السيادية، لا من التحايل عليها أو إخضاعها لموازين النفوذ.
وتظل مسؤولية القيادة الشرعية قائمة في حسم هذا الملف عبر توجيهات واضحة وصريحة وإجراءات حازمة.
أما استمرار هذا التردد فلن يفضي إلا إلى تعميق التشظي، وتحويل كل طرف إلى نسخة مكررة من عبث الرمزية الذي أسسه عيدروس الزبيدي، مع اختلاف الأسماء وتعدد الأجنحة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news