الأحد 25 يناير ,2026 الساعة: 07:03 مساءً
تقرير - خاص
في الوقت الذي كان يُفترض فيه أن تكون العاصمة المؤقتة عدن والمناطق المحررة ملاذاً آمناً للموظفين الفارين من بطش ميليشيا الحوثي، تحولت هذه المناطق إلى ساحة لمعاناة من نوع آخر؛ معاناة يغذيها "الإهمال المتعمد" والسياسات التي وصفها حقوقيون بـ "العنصرية والمناطقية".
آلاف الموظفين النازحين يجدون أنفسهم اليوم بلا رواتب منذ أشهر، يواجهون شبح الجوع في ظل صمت مريب من مجلس القيادة الرئاسي وتجاهل مستمر من الحكومة التي يفترض أنها تمثلهم
.
صرخات في وادٍ سحيق
وفقاً لبيانات ملتقى الموظفين النازحين، المكون الممثل لهذه الفئة على منصة فيسبوك، فإن المعاناة لم تعد تقتصر على فقدان السكن والاستقرار، بل وصلت إلى لقمة العيش الأساسية.
يشير الملتقى إلى أن وزارة المالية جمدت رواتب الآلاف منذ يوليو 2024، - صرفت لاحقا بضعة اشهر بالتقطير - في خطوة اعتبرها الموظفون "عقاباً جماعياً" وتخادماً غير معلن مع جماعة الحوثي للضغط عليهم للعودة إلى مناطق سيطرة المليشيا.
يقول أحد المعلمين النازحين في شهادة مؤلمة: "هربنا من الموت في صنعاء لنواجه موتاً بطيئاً في عدن. الراتب الذي لا يتجاوز 50 دولاراً، والذي ننتظره لأشهر، يتم إيقافه بذرائع واهية، بينما نرى المسؤولين يعيشون في رغد العيش خارج البلاد".
ويضيف "نحن لا نطالب بصدقة، بل بحقنا القانوني كموظفين في الدولة التي ندين لها بالولاء".
هذه الشهادة ليست سوى غيض من فيض لآلاف القصص التي تعكس حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الكادر الإداري والتعليمي النازح.
وقفات احتجاج أمام "أسوار الصمت"
لم يقف الموظفون النازحون مكتوفي الأيدي أمام هذا التعسف، بل نقلوا معاناتهم إلى الشارع في سلسلة من الوقفات الاحتجاجية المتكررة.
شهدت العاصمة المؤقتة عدن وقفات حاشدة أمام بوابة قصر المعاشيق الرئاسي ومقرات وزارتي المالية والخدمة المدنية، ففي نوفمبر 2024، وفبراير 2025، احتشد المئات من المعلمين والموظفين المدنيين رافعين لافتات تندد بـ "سياسة التجويع" وتطالب بصرف المرتبات المتوقفة وانتظامها شهرياً دون قيد أو شرط.
هذه الوقفات، التي واجهت في كثير من الأحيان تجاهلاً رسمياً، كانت تعبيراً عن وصول الموظف النازح إلى حافة الانفجار. فالمحتجون لم يطالبوا فقط بالرواتب، بل طالبوا بإلغاء التوجيهات العنصرية التي تستهدفهم، وصرف العلاوات السنوية وغلاء المعيشة التي حُرموا منها لسنوات، مؤكدين أن "الحقوق لا تسقط بالتقادم" وأن تحركاتهم ستتصاعد حتى انتزاع كافة مستحقاتهم.
سياسات "عنصرية"
تتجه أصابع الاتهام بشكل مباشر نحو قيادات بارزة في الحكومة، وعلى رأسهم سالم بن بريك، وزير المالية، رئيس الوزراء الاسبق.
يتهم الموظفون النازحون بن بريك بالوقوف وراء إيقاف التعزيزات المالية للموظفين النازحين منذ عام 2018، ورفض إطلاق رواتب المعلمين النازحين من محافظة الحديدة والمحافظات الأخرى الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي ، رغم استيفائهم لكافة الشروط القانونية وصدور توجيهات عليا بصرفها.
ويرى الموظفون أن بن بريك كان يمارس "سلطة مطلقة" في تعطيل المستحقات المالية دون أي رادع قانوني أو أخلاقي.
أما الجانب الأكثر قتامة في هذه المأساة، فيتمثل في الدور الذي يلعبه وزير الخدمة المدنية، عبد الناصر الوالي، فقد ضجت الأوساط الصحفية والحقوقية بتسريبات منسوبة للوالي، قال فيها أمام عدد من موظفي وزارته: "اعتبروني عنصرياً.. مناطقياً.. قولوا ما شئتم، أنا لا أريد أن أرى أي شمالي في عدن".
هذه التصريحات، التي لم يتم نفيها بشكل قاطع، بحسب حقوقيين، انعكست في إجراءات تعسفية شملت تعطيل كشوفات المرتبات وفرض اشتراطات تعجيزية رغم ان معظم هؤلاء الموظفين من أبناء المناطق المحررة كانوا يعملون في مناطق جماعة الحوثي قبل انقلابها على الدولة .
فجوة بين الحقوق والواقع المرير
تؤكد الإحصائيات الصادرة عن ملتقى الموظفين النازحين وجهات حقوقية أن عدد الموظفين النازحين الذين سلموا ملفاتهم واستوفوا بياناتهم يصل إلى نحو 30 ألف موظف وموظفة في عدن وحدها، بينما تشير تقديرات أوسع إلى أن إجمالي المتضررين من سياسات التجميد والعرقلة قد يصل إلى 90 ألف موظف على مستوى المناطق المحررة.
هؤلاء الموظفون يعيشون واقعاً مريراً؛ حيث يتقاضى الموظف النازح راتباً يتراوح بين 40 إلى 70 دولاراً فقط نتيجة انهيار العملة، وهو مبلغ يتم تجميده لعدة أشهر كما حدث منذ يوليو 2024.
وفي الوقت الذي ترفض فيه وزارتا المالية والخدمة المدنية اعتماد الكشوفات المرفوعة من جهات العمل، تصر على شروط تعجيزية، بينها التوقيع في مكاتب الخدمة المدنية بصفة مستمرة، وهو إجراء إقصائي ممنهج يحرم النازحين من أبسط حقوقهم.
امتدت سياسات العنصرية للوزارتين الى حرمان الموظفين النازحين من العلاوات السنوية والزيادة المقرة لرواتب الموظفين في 2018 كبدل غلاء معيشة، وذلك بنسبة 30% من الراتب، ةالتي تُصرف لزملائهم في المناطق المحررة ويُستثنى منها النازحون لأسباب مناطقية واضحة.
تخادم مع الحوثيين أم سياسة تجويع متعمدة؟
يرى مراقبون أن سياسة "التجويع" التي تنتهجها وزارتا المالية والخدمة المدنية تخدم بشكل مباشر أجندة الحوثيين في صنعاء، فمن خلال قطع سبل العيش وتضييق الخناق على النازحين، تضطر العائلات للعودة مرغمة إلى مناطق سيطرة المليشيا، حيث يتم استقطابهم قسرياً أو التنكيل بهم بتهمة "الخيانة"، وهو ما وصفه ملتقى الموظفين النازحين في أحد بياناته بأنه "جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم"، محذراً من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى انهيار ما تبقى من ثقة في مؤسسات الدولة الشرعية.
ما يتعرض له الموظفون النازحون ليس مجرد أزمة مالية ناتجة عن شح الموارد، بل هو نتاج عقلية إقصائية ترى في النازح "عبئاً" أو "عدواً"، متناسية أن هؤلاء هم العمود الفقري للدولة اليمنية.
ختاماً
بين ماضي مؤلم ومستقبل مجهول يتفائل الموظفين النازحين وأسرهم بإنصافهم من قبل حكومة الدكتور شائع الزنداني المزمع تشكيلها بصرف كافة مرتباتهم وحقوقهم المصادرة من قبل الحكومات السابقة وتمكينهم من اعمالهم وتعويضهم عما لحق بهم من أضرار خلال السنوات السابقة.
ويبقى السؤال قائماً: هل يتحرك مجلس القيادة الرئاسي لوقف هذه "العنصرية المؤسسية" وإنصاف الموظفين الذين دفعوا ثمن ولائهم للدولة، أم أن "الشرعية" ستظل تتفرج على كوادرها وهم يتساقطون في براثن الفقر والنزوح، تاركة إياهم لقمة سائغة للمليشيات والضياع؟
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news