يمن إيكو|تقرير:
في قلب المحيط الهندي، تبسط سقطرى أجنحتها كواحدة من أجمل الجزر في العالم، حيث تتناثر الشواطئ البيضاء والمياه الفيروزية، وتعتلي شجرة (دم الأخوين) المهيبة الأرض بصمتها الأسطوري. ولكن هذه الجنة الطبيعية، رغم سحرها، تواجه تحديات اقتصادية وبيئية لم يعرفها أهلها من قبل، منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2014، وفقاً لما نشرته جريدة “الباييس” الإسبانية ورصده وترجمه موقع “يمن إيكو”.
وحسب “الباييس” الإسبانية، فإن الأرخبيل، الذي يبعد أكثر من 300 كلم عن ساحل اليمن، استقطب أنظار المستثمرين والسياح على حد سواء، بفضل موقعه الاستراتيجي وطبيعته النادرة، إلا أن التوترات السياسية وسيطرة القوات الإماراتية إلى جانب ربيبها المجلس الانتقالي الجنوبي، فتحت الأرخبيل على مصاريع العبث البيئي والعسكرة المتعمدة للسواحل والنهب والإضرار الممنهج بغطائه النباتي وبيئته البحرية المرجانية النادرة، كلها عوامل تركت أثرها السلبي المباشر على البيئة والسياحة.
وحسب الصحيفة، فإن سقطرى فقدت منذ بداية النزاع، الكثير من تنوعها البيولوجي: 37% من النباتات البالغ عددها 825 نوعاً مستوطنة، و90% من الزواحف، و95% من حلزونات الجزيرة أصبحت مهددة بشكل مباشر.
هذا التحذير الرسمي من اليونسكو يعكس هشاشة النظام البيئي أمام الاستغلال غير المنضبط، ويضع المسؤولين أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على البيئة وتنشيط الاقتصاد المحلي.
وذكرت الصحيفة أن الضغوط تضاعفت بعد استغلال الأراضي والمحمية الطبيعية من قبل مستثمرين أجانب، خصوصاً المؤسسات الإماراتية التي أنفقت على تطوير البنية التحتية، بما في ذلك المطار ومرافق سياحية. ورغم زيادة الإيرادات السياحية، إلا أن هذه الاستثمارات غير المرخصة طالت المحميات الوطنية، مثل ديكسام وديليشا، ما أدى إلى قلق عالمي بشأن سلامة التنوع البيولوجي.
وأضاف تقرير الصحيفة، أن الصيد الجائر وتهريب المرجان و126 نوعاً من النباتات المستوردة والحشرات الغازية مثل سوسة النخيل الحمراء، كلها عوامل مهددة للنظام البيئي المحلي. مشيراً إلى أن بعض الأنواع المستوطنة، مثل فراشات الأرخبيل، تُباع بمبالغ تصل إلى 1200 دولار أمريكي (1028 يورو بسعر الصرف الحالي) للفراشة الواحدة، ما يحوّل الجمال الطبيعي إلى سلعة مربحة مع عواقب بيئية وخسائر طويلة الأمد.
على الرغم من كل هذه المخاطر، لا يمكن إنكار الجاذبية السياحية لسقطرى: شواطئها الخلابة، الكهوف البحرية، والمناظر الجبلية الفريدة جعلتها وجهة مميزة للسياحة البيئية، كما أن الاستمتاع بالغوص أو مشاهدة الطيور النادرة يجذب السياح الباحثين عن تجربة طبيعية نقية ومتميزة.
وحذر خبراء البيئة المحليون والدوليون من أن استمرار الإهمال أو استغلال الأرخبيل بدون ضوابط صارمة قد يؤدي إلى فقدان أنواع مستوطنة لا توجد في أي مكان آخر بالعالم، ما سيؤثر ليس فقط على النظام البيئي، بل على فرص التنمية المستدامة التي تعتمد على السياحة والزراعة التقليدية.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 90% من مساحة الأرخبيل مغطاة بمحميات وحدائق وطنية، وهو ما يجعل أي توسع عمراني أو استثماري غير منظم يشكل تهديداً كبيراً على الموارد الطبيعية، ويبرز الحاجة الملحة لخطط حماية متكاملة ودعم مالي وتقني دولي لحماية الجزيرة.
في الوقت نفسه، يسعى السكان المحليون للمحافظة على التراث البيئي وسياحة مستدامة، عبر مبادرات مجتمعية، ورفع الوعي بالممارسات الصحيحة في التعامل مع الموارد الطبيعية، محاولة خلق توازن بين الاقتصاد والبيئة، رغم القيود الناتجة عن الانقسام السياسي والصراعات الإقليمية.
يذكر أن سقطرى أضحت منذ عام 2008 موقعاً للتراث العالمي بحسب اليونسكو، ما منحها مكانة خاصة، لكنها اليوم تواجه اختباراً صعباً بين حماية كنزها الطبيعي والاندفاع نحو الاستثمارات السريعة، لتبقى الجزيرة رمزاً عالمياً للجمال والفردية البيئية، ودرساً حياً في صراع الإنسان مع الطبيعة والسياسة معاً.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news