كتب/ بشرى العامري:
ليس الدان الحضرمي مجرد لونٍ غنائي يُؤدّى، بل روحٌ تمشي على إيقاع الأرض، وصوتٌ يخرج من عمق حضرموت ليحمل معه تاريخ اليمن ووجدانه الفني.
هو نكهة حضرمية خالصة، لكنها حين تُغنّى تختزل الوطن بأكمله، بجباله وسواحله، بترحاله وحنينه القديم.
الدان فن غنائي شعبي يمني أصيل، وُلد من تلاقي الشعر بالموسيقى، ومن انسجام الصوت مع الجسد في لحظة أداءٍ لا تُستعاد مرتين. يبدأ بدندنة بسيطة:
دان… ودان… دان
لكن هذه البساطة سرعان ما تتحول إلى فضاء واسع تُركّب عليه أبيات الشعر، مرتجلة أحيانا، ومشحونة بالعاطفة والحكمة والحب.
هذا الفن العريق، الذي أدرجته منظمة اليونسكو مؤخرا ضمن قائمة التراث العالمي غير المادي، ليس تكريما لصوتٍ فقط، بل اعترافٌ بتاريخٍ حيّ، وثقافةٍ ما زالت تتنفس في مجالس حضرموت، وفي لياليها العامرة بالقصيد واللحن.
ويمتاز الدان بتنوع مقاماته الموسيقية، وتعدّد لهجاته، ما يمنحه ثراءً فنيا ومرونة نادرة.
ولكل دان مزاجه وإيقاعه، ولكل مقام حكايته، من الدان الغياضي، إلى دان الهبيش، ودان الريض، والدان الشبواني، حيث تختلف الإيقاعات وتتشابه الروح.
ولا يُؤدى الدان على خشبة مسرح بقدر ما يُعاش في طقوسه الخاصة، جلسات تجمع الشعراء والمغنين، تتداخل فيها الأصوات مع الحركات الجسدية، وتتمايل الأجساد على إيقاع الطبول، في مشهد يشبه المصالحة بين الإنسان وموروثه.
وبفضل هجرة الحضارم، خرج الدان من جغرافيته الأولى، وعبر البحار إلى الخليج العربي وبلدان أخرى، مؤثراً ومتأثراً، ليترك بصمته في الموسيقى العربية، ويؤكد أن الفن حين يكون صادقا لا يعرف حدوداً.
ومن رحم هذا الفن خرجت أسماء خالدة، مثل الفنان الكبير أبوبكر سالم، والشاعر حسين المحضار، اللذين حملا الدان من مجالسه الشعبية إلى فضاءات أوسع، دون أن يفقد نكهته الأولى أو صدقه العميق.
الدان الحضرمي، في جوهره، ليس أغنية تُسمع فقط، بل ذاكرة تُروى، وهوية تُغنّى، ودرسٌ مفتوح في كيف يمكن للفن أن يكون وطنًا كاملًا… يُختصر في لحن.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news