بين الوساطة السياسية وحماية الحق في الحياة.. ما حدود الدور الأممي تجاه الانتهاكات الجسيمة في اليمن؟

     
الإصلاح نت             عدد المشاهدات : 38 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
بين الوساطة السياسية وحماية الحق في الحياة.. ما حدود الدور الأممي تجاه الانتهاكات الجسيمة في اليمن؟

 

تشهد اليمن منذ الانقلاب الحوثي على الدولة نزاعًا مسلحًا معقدًا أدى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت القتل والتعذيب والاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري والاغتيالات، وقد أثرت هذه الانتهاكات بشكل مباشر على الحق في الحياة، وهو الحق الأساسي الذي تحميه المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

في هذا السياق، تبرز مسؤولية الأمم المتحدة والمبعوث الأممي في تعزيز حماية المدنيين وضمان احترام الحقوق الأساسية ضمن جهود الوساطة السياسية، حيث تلعب الأمم المتحدة دورًا مزدوجًا في اليمن: فهي تسعى لتسهيل الحوار بين الأطراف المتنازعة لتحقيق استقرار سياسي، وفي الوقت نفسه مطالبة بمراقبة الانتهاكات وحماية المدنيين.

هذا الدور المزدوج يتطلب توازنًا دقيقًا بين الأهداف السياسية وواجب حماية الحقوق، ويطرح تساؤلات حول حدود فعالية الأمم المتحدة والمبعوث الأممي في تحقيق هذا التوازن، خصوصًا وأن اليمن -بحسب مراقبين- واحدة من أكثر النماذج تعقيدًا في علاقة الأمم المتحدة بالنزاعات المسلحة المعاصرة، ليس فقط لطول أمد الصراع الناجم عن الانقلاب الحوثي الممتد لأكثر من عشر سنوات؛ بل لطبيعة الانتهاكات الجسيمة التي رافقته، واتساع رقعتها، وتعدد الجهات المتورطة فيها، حتى إن السؤال المطروح لم يعد كيف يمكن إنهاء الحرب فحسب، بل كيف يمكن حماية المدنيين في ظل استمرار أنماط عنف ممنهجة باتت جزءاً من بنية الحرب؟

فعلى مدى سنوات، اضطلعت الأمم المتحدة بدور الوسيط السياسي الرئيسي في اليمن، عبر مبعوثيها المتعاقبين، في محاولة لتقريب وجهات النظر ودفع الأطراف نحو تسوية سياسية، غير أن هذا الدور ظل محاطاً بإشكالية جوهرية تتعلق بحدود الوساطة، ومدى قدرتها على التعايش مع واقع انتهاكات جسيمة طالت الحق في الحياة، والحرية، والكرامة الإنسانية.

وقد أفضى التركيز المفرط على إدارة العملية السياسية إلى تراجع الاهتمام العملي بملف الانتهاكات، أو تأجيله إلى مسارات لاحقة، تحت مبررات الحفاظ على فرص الحوار وعدم تعقيد المشهد؛ إلا أن هذا النهج، في السياق اليمني، لم يسهم في تقليص العنف، بقدر ما أسهم في إعادة إنتاجه بأشكال مختلفة.

الإطار القانوني والدولي

يشمل الالتزام الدولي لليمن فيما يتعلق بحقوق الإنسان والحق في الحياة مجموعة من المواثيق الدولية التي تعد الدولة طرفًا فيها، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية المدنيين في النزاعات المسلحة، وتلزم هذه المواثيق جميع الأطراف بمنع الانتهاكات وحماية المدنيين من أي أعمال تهدد حياتهم وسلامتهم.

وتتمثل مسؤولية الأمم المتحدة في متابعة الالتزام بهذه المعايير الدولية وتقديم الدعم للدولة اليمنية لتعزيز سيادة القانون وحماية الحقوق الأساسية، كما يحدد القانون الدولي الإنساني واجبات واضحة للأمم المتحدة في مراقبة النزاع ومنع الانتهاكات الجسيمة.

كما يلعب المبعوث الأممي دورًا مركزيًا في الوساطة بين الأطراف اليمنية المتنازعة، مع ضرورة مراعاة الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية المدنيين، ويتطلب هذا الدور توازنًا بين الوساطة السياسية وضمان احترام الحقوق الأساسية، بحيث لا يتم تجاوز الحماية الإنسانية لصالح مصالح سياسية ضيقة.

إضافة إلى ذلك، يتضمن الإطار القانوني أيضًا آليات الرقابة والمساءلة، حيث يمكن للأمم المتحدة التعاون مع المؤسسات الوطنية للتحقيق والتوثيق، لضمان جمع الأدلة المتعلقة بالانتهاكات وحماية الضحايا والمبلغين، ويشكل هذا التعاون ركيزة أساسية لتعزيز مصداقية الجهود الأممية.

ويؤكد مراقبون أن النزاع في اليمن يخضع لأحكام القانون الدولي الإنساني، إضافة إلى التزامات اليمن الدولية في مجال حقوق الإنسان، كما أن قرارات مجلس الأمن، لا سيما تلك الصادرة تحت الفصل السابع، منحت الأمم المتحدة دوراً واضحاً في دعم الشرعية وحماية المدنيين في اليمن.

ورغم وضوح هذا الإطار، فإن التطبيق العملي ظل محدوداً، خاصة فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق المدنيين، مثل القتل خارج القانون، والقصف العشوائي، والاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري والاغتيالات التي طالت العشرات من الكوادر السياسية وفي مقدمتهم أعضاء التجمع اليمني للإصلاح، حيث تعاملت الأمم المتحدة، في كثير من الحالات، مع هذه الانتهاكات بوصفها "تحديات إنسانية"، لا جرائم تستوجب المساءلة.

كما يكتسب مبدأ "مسؤولية الحماية" في اليمن أهمية خاصة، نظراً لعجز الدولة عن بسط سلطتها على كامل أراضيها، وسيطرة جماعات مسلحة على مؤسسات الدولة، ومع ذلك، لم يُفعَّل هذا المبدأ بصورة جادة، وبقي حبيس البيانات العامة، دون أن يترجم إلى إجراءات رادعة.

ويؤكد خبراء قانونيون أن التباين بين النص والتطبيق أسهم في إضعاف الثقة الشعبية اليمنية بالدور الأممي، وخلق انطباعا بأن القانون الدولي يُستخدم بمرونة سياسية، لا بمعايير ثابتة، الأمر الذي انعكس سلباً على صورة الأمم المتحدة في الوعي العام اليمني.

كما يشكل الالتزام بالقانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان معيارًا لتقييم فعالية الدور الأممي، ويعد مؤشرًا رئيسيًا على مدى قدرة الأمم المتحدة والمبعوث الأممي على حماية الحق في الحياة داخل سياق النزاع في اليمن.

بين الوساطة وتوصيف الانتهاكات

وفي إطار ما سبق، يواجه المبعوث الأممي إلى اليمن اليوم معضلة مركبة، تتمثل في ضرورة التواصل مع جميع الأطراف المؤثرة، بما في ذلك جماعات متورطة في انتهاكات جسيمة، بما فيها القتل خارج القانون والاغتيالات، وقصف المدنيين وغيرها، مقابل الحاجة إلى الحفاظ على مصداقية الأمم المتحدة كجهة تحترم القانون الدولي وحقوق الإنسان.

في الممارسة العملية، مال خطاب المبعوثين المتعاقبين إلى لغة حذرة، تركز على مصطلحات من نوع "خفض التصعيد" و"بناء الثقة"، مع تجنب التوصيف القانوني الواضح للانتهاكات، خصوصاً تلك المرتكبة من قبل جماعات تسيطر على الأرض. هذا الحذر، وإن كان مفهوماً من زاوية سياسية، إلا أنه حمل كلفة أخلاقية وقانونية عالية على اليمنيين.

كما أن غياب الوضوح في توصيف الانتهاكات، أو التعامل معها بوصفها "تجاوزات"، أسهم في خلق بيئة إفلات من العقاب، وشجع على استمرار أنماط العنف ذاتها، لا سيما في ملفات حساسة مثل استهداف المدنيين، والاحتجاز التعسفي، وتجنيد الأطفال والاغتيالات وغيرها، كما أن هذا النهج أضعف ثقة الضحايا والمجتمع المحلي في العملية السياسية نفسها، إذ بات يُنظر إليها كمسار منفصل عن معاناة الناس اليومية، لا كأداة لحمايتهم أو إنصافهم.

تقييم الانتهاكات الجسيمة

كما أسلفنا، شهدت اليمن خلال السنوات الماضية وتحديدًا منذ الانقلاب الحوثي على الدولة، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت القتل خارج نطاق القانون، التعذيب، الاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري. وقد أثرت هذه الانتهاكات بشكل مباشر على الحق في الحياة، وخلقت بيئة غير آمنة للمدنيين.

والمؤكد أن توثيق هذه الانتهاكات قد تمّ عبر مؤسسات وطنية مثل اللجنة الوطنية للتحقيق في الانتهاكات، وكذلك منظمات حقوقية دولية، ما يوفر قاعدة بيانات دقيقة لدراسة حجم الانتهاكات وأنماطها، ويشير هذا التوثيق إلى ضرورة تدخل فعال من الأمم المتحدة لضمان حماية المدنيين والمساءلة.

كما يشمل تقييم الانتهاكات أيضًا تحديد الفئات الأكثر تعرضًا للخطر، بما في ذلك النساء والأطفال والعاملين في الخدمات الأساسية، مثل قطاع الطاقة والصحة والتعليم، ويتيح هذا التقييم توجيه جهود الحماية بشكل أكثر فعالية، وضمان مراعاة الاحتياجات الخاصة للفئات الضعيفة.

وتعد الانتهاكات المرتبطة بالمليشيات المسلحة والعمليات العسكرية غير النظامية من أبرز التحديات التي تواجه الأمم المتحدة في مراقبة النزاع، ويعكس ذلك الحاجة إلى آليات فعالة للتحقق والتحليل لضمان تقديم التوصيات الملائمة، كما يبرز تقييم الانتهاكات الجسيمة العلاقة الوثيقة بين الإفلات من العقاب وتفاقم الانتهاكات، حيث يُظهر غياب آليات المساءلة الفعالة أن المدنيين يظلون عرضة للخطر، ما يضع مسؤولية إضافية على الأمم المتحدة والمبعوث الأممي لضمان الحماية.

والملاحظ أنه في اليمن كما في غيرها من الدول التي تشهد نزاعات، كثيراً ما جرى التذرع بالحياد لتبرير تجنب تسمية المسؤولين عن الانتهاكات، أو وضع جميع الأطراف في كفة واحدة، بغض النظر عن حجم المسؤولية أو طبيعة السلوك، غير أن هذا النوع من الحياد، في واقع الأمر، لا يتسق مع المبادئ التي تقوم عليها الأمم المتحدة.

ويؤكد خبراء أن الحياد لا يعني تجاهل الوقائع، ولا الامتناع عن توصيف الجرائم. ففي اليمن، هناك أنماط موثقة من الانتهاكات الممنهجة التي لا يمكن التعامل معها كلغة توازن سياسي، وعندما يغيب هذا التمييز، يتحول الحياد إلى أداة تمييع للانتهاكات ووسيلة إفلات من العقاب، لا إلى قيمة مهنية.

وقد انعكس هذا الأمر على مسار السلام نفسه، إذ أفضى إلى هدن ومحاولة فرض تسويات هشة، لم تعالج جذور الحرب، ولم تضع ضمانات حقيقية لعدم تكرارها، فغياب المساءلة في اليمن لم يكن عاملاً مساعداً على التهدئة، بل أحد أسباب هشاشتها. ومن هنا، يصبح من الضروري إعادة النظر في مفهوم الحياد الأممي في اليمن، بحيث يُعاد تعريفه بوصفه التزاماً بالقانون الدولي، لا توازناً لغوياً بين أطراف غير متكافئة في المسؤولية.

مسار السلام وحماية المدنيين

يؤكد مراقبون أن الأمم المتحدة في اليمن تحتاج إلى مقاربة أكثر اتساقاً بين مسار السلام ومسؤولية حماية المدنيين، هذه المقاربة لا تستلزم التخلي عن الوساطة، بل إعادة بنائها على أسس أكثر صلابة، تجعل من احترام الحق في الحياة شرطاً، لا نتيجة مؤجلة.

ولا شك أن إدماج ملف الانتهاكات في العملية السياسية، وربط أي تقدم تفاوضي بإجراءات ملموسة في مجال حماية المدنيين، من شأنه أن يعيد التوازن إلى الدور الأممي، ويعزز ثقة المجتمع اليمني بالمسار الدولي. كما أن تفعيل آليات التوثيق والمساءلة، والتعاون الجاد مع الجهات الدولية المختصة، سيبعث برسالة واضحة بأن اليمن ليس ساحة مفتوحة لانتهاك القانون الدولي دون كلفة.

كما يؤكد خبراء قانونيون أن أي سلام في اليمن لا يمكن أن يكون مستداماً ما لم يُبنَ على قاعدة واضحة، وأن حماية الحق في الحياة ليست بنداً تفاوضياً، بل التزاماً دولياً لا يقبل التأجيل أو المقايضة، إذ يُشكّل فهم حدود الدور الأممي شرطًا أساسيًا لوضع إستراتيجيات واضحة تجمع بين الوساطة السياسية الفعّالة وحماية الحقوق الأساسية، بما يضمن الحد الأدنى من الأضرار للمدنيين ويعزز مصداقية الأمم المتحدة في اليمن.

بين الوساطة السياسية وحماية الحق في الحياة.. ما حدود الدور الأممي تجاه الانتهاكات الجسيمة في اليمن؟

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

قيادي انتقالي سابق يفجّر المفاجأة: هذا ما وعدتنا به السعودية عقب المؤتمر الجنوبي

نيوز لاين | 802 قراءة 

عاجل واشنطن ترحب بقرار الزنداني

عدن الحدث | 761 قراءة 

بالأرقام والتفاصيل.. كشف فضايح من العيار الثقيل عن عيدروس الزبيدي.. ماذا كان يفعل في عدن قبل هروبه؟

المشهد اليمني | 695 قراءة 

صحافي يكشف عن مفاجآت سارة بشأن أسعار الصرف وصرف المرتبات بدعم سعودي

عدن الغد | 683 قراءة 

عاجل:تحديد مكان وموعد دفن علي سالم البيض

كريتر سكاي | 648 قراءة 

خلف الستار: لماذا أُبعد سالم بن بريك فعلًا؟ وما الذي تغيّر في حسابات الزبيدي؟

نيوز لاين | 559 قراءة 

دولة خليجية تستمر بالتحريض على الرياض وتقوم بهذا الأمر في عدن

يمن فويس | 453 قراءة 

بتوجيهات المحافظ الشيخ.. إعلان تحذيري هام لسائقي ومالكي المركبات في عدن

موقع الأول | 434 قراءة 

اللواء شلال شايع يظهر في الرياض مع هذه الشخصيات مناقشاً أمر اً هاماً !

يمن فويس | 362 قراءة 

تحذير هام للمواطنين بأخذ الحيطة والحذر من إستهداف قد يطال هذه المحافظات خلال الـ24 ساعة المقبلة

نيوز لاين | 351 قراءة