بشرى العامري:
لم تعد نغمة “مظلومية الجنوب” في خطاب بعض القوى السياسية توصيفا موضوعيا لمعاناة حقيقية، بل تحوّلت لدى فاعلين محددين إلى مادة جاهزة للتربح والابتزاز السياسي والمادي، تُستدعى عند الحاجة وتُطوى عند تعارضها مع المصالح.
تحت هذا العنوان، سُفكت دماء، ورُحِّل عمال ومواطنون بسطاء على ظهر القلابات، وتعرّض آخرون للملاحقة والاخفاء والقتل والدفن في مقابر مجهولة، وسُرقت ممتلكات، وأُهين علم الجمهورية ورموز الدولة، وكل ذلك باسم “القضية الجنوبية”.
وهي ممارسات لا يمكن تبريرها أخلاقيا ولا وطنيا، ولا تمت بصلة لجوهر أي قضية عادلة.
الأخطر من ذلك أن هذه المظلومية المزعومة فُرغت من بعدها الإنساني، واستُبدلت بخطاب عنصري فجّ، يقوم على تصنيف المواطنين وفق أصولهم ومناطقهم، باستخدام مسميات مهينة مثل «دحابشة» وغيرها، وتلك الممارسة لم يشهد الوطن بطوله وعرضه عنصرية مثلها بل وتوسّع هذا الخطاب ليشمل أبناء الجنوب أنفسهم ممن يختلفون رأيا، فوصِفوا بمسميات إقصائية لا تقل إساءة وخطورة منها ” عرب ٤٨ وجماعة عبد الفتاح اسماعيل “، وحين تظهر أي ردة فعل مقابلة، تعود الأسطوانة ذاتها، مظلومية، وادعاء مواطنة من الدرجة الثانية، وتجاهل كامل للسياق والأفعال السابقة.
إذا كان منطق السياسة اليوم هو تصنيف القضايا وفق من هو الأكثر ظلما، فإن اليمن بأكمله يستحق هذا الوصف.
ابتداء من تعز المحاصَرة، والبيضاء التي شهدت حربا دموية، وإب التي كانت مسرحا لجرائم انظمة الشمال والجنوب المتعاقبة، وتهامة التي تعاني من التهميش والاقصاء والفقر المدقع، ومناطق واسعة من الشمال والجنوب التي ذاقت القتل والتشريد والتهميش.
الظلم لم يكن حكرا على جغرافيا بعينها، بل طال الوطن برمّته، لأن الإشكالية لم تكن يوما «شمالا ضد جنوب»، بل منظومة فساد واستبداد وسلاح خارج الدولة دمّرت الجميع.
والدليل الأوضح على زيف خطاب العنصرية المتبادل أن أبناء الجنوب ما زالوا يعيشون في الشمال بأمان، وبيوتهم وأموالهم مصانة، دون تصنيف أو بطاقات أو ملاحقة على أساس مناطقي، بعكس ما تشهده بعض مناطق الجنوب اليوم من ممارسات إقصائية خطيرة تُهدد النسيج الاجتماعي وتزرع الكراهية.
إن تعليق شماعة المظلومية بهذا الشكل لم يعد سلوكا سياسيا مقبولا، لأنه لم يعد يسعى إلى إنصاف، بل إلى طعن فكرة الوحدة، وتمزيق المجتمع، وإغراقه في صراعات لا تنتهي، ولا تخدم سوى أعداء الوطن ومشاريع التفكيك.
فمظلومية الجنوب جزء من مظلومية وطنٍ بأكمله، وليست قضية معزولة تُختزل في مشروع انفصال أو تُستغل لإنتاج مظالم جديدة.
والحل المنقذ من كل هذا لا يكمن في مزيد من التحريض، ولا في إعادة إنتاج الضغائن، بل في العودة الجادة إلى مخرجات الحوار الوطني، باعتبارها الإطار التوافقي الوحيد الذي عالج جذور المظالم، وطرح مشروع يمن اتحادي عادل، قائم على أقاليم تضمن الحقوق، وتذيب الفوارق، وتنهي مركزية الفساد، وتعيد بناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية.
وقبل كل شيء، لا بد أن تتوقف هذه الفوضى الغير أخلاقية، وأن يصحو المجتمع لخطورتها، لأن استمرارها يوغر الصدور، ويغذي الأحقاد، ويدفع البلاد إلى دوامة صراعات لا رابح فيها إلا الخراب.
فالقضايا العادلة لا تُنصر بالعنصرية، ولا تُخدم بالدم، ولا تُبنى على أنقاض الوطن، بل تُحمى بدولة عادلة، وخطاب مسؤول، وإرادة وطنية لا تساوم على وحدة اليمن وكرامة أبنائه جميعا.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news