بينما يتصاعد التوتر الأمني بمحافظة حضرموت (شرقي اليمن) تقف الحكومة اليمنية المعترف بها، ومجلس القيادة الرئاسي موقف المتفرج دون أي موقف واضح أو خطوات حاسمة لاحتواء التصعيد في أكبر محافظات البلاد مساحةً وأهمها ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا.
هذا الصمت الرسمي عزز المخاوف من انزلاق المحافظة الأكبر من حيث المساحة في اليمن نحو العنف والفوضى، خصوصًا وأن الموقف ذاته أدى إلى سقوط العاصمة صنعاء في قبضة الحوثيين عام 2014، ومن ثم سقوط مدينة عدن المعلنة عاصمة مؤقتة للبلاد بيد المجلس الانتقالي في 2019م.
وفي أحدث فصول التوتر، أفادت مصادر محلية اليوم، باندلاع اشتباكات مسلحة، بين مسلحي حلف قبائل حضرموت، وقوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، حاولت التقدم إلى “هضبة حضرموت”، وذلك بعد ساعات من إعلان الحلف نشر قوات لتأمين منشآت وحقول النفط تحت غطاء الدولة الشرعية.
هذا التحرك جاء عقب وصول حشود عسكرية واسعة دفع بها الانتقالي من عدن نحو المحافظة، في مشهد يعكس حجم التنافس والتجاذب داخل المحافظة المستقرة والغنية بالنفط.
في هذا التقرير.. يسلط “برَّان برس”، الضوء على موقف مجلس القيادة الرئاسي والحكومة مما يجري في حضرموت، ويبحث المخاطر المحتملة لهذا الموقف المتخاذل من واقع التجارب خلال العقد الماضي، وما الذي يجب فعله لاحتواء التصعيد.
موقف سلبي وغامض
في تصريح لـ“برَّان برس”، وصف "الكعش سعيد السعيدي"، ناطق حلف قبائل حضرموت، موقف الرئاسة بأنه كان “سلبيًا منذ البداية فيما يخص مطالب واستحقاقات حضرموت”.
وقال إن الأوضاع التي وصلت إليها حضرموت “بسبب تلك التسويفات، وعدم إعطاء حضرموت مكانتها الحقيقية، بل جعلوها غنيمه يتقاسمها أعضاء مجلس الرئاسة كلًا يريد له اليد الطولى عليها، ناكرين فضائل حضرموت وأهلها على اليمن بأكمله”.
من جانبه، وصف الصحفي والمحلل السياسي عبدالجبار عوض الجريري، موقف مجلس القيادة الرئاسي بأنه “غامض” إلى الآن، مضيفًا أنه “يكتفي بمشاهدة ما يحدث بصمت دون أن يتدخل لنزع فتيل الحرب ووقف التصعيد”.
الجريري: الرئاسي والحكومة في موقف ضعيف أمام نفوذ الانتقالي وتحركاته غير المسؤولة، وربما يخشيان من الطرد من عدن إذا تدخلوا لوقف التصعيد
وأضاف أن “الرئاسي والحكومة في موقف ضعيف أمام نفوذ الانتقالي وتحركاته غير المسؤولة، وربما يخشيان من الطرد من عدن إذا تدخلوا لوقف التصعيد”.
في السياق ذاته، عبّر مدير وحدة الدراسات الميدانية بمركز مداد حضرموت حسن بن عبيدالله، عن أسفه لموقف مجلس القيادة الرئاسي، واصفًا هذا الموقف بأنه “ضعيف وهزيل”، ولم يكن بمستوى الحدث، خاصةً أن المحافظة تعيش احتقانًا منذ عام ونصف.
وأضاف الباحث بن عبيدالله، في حديث لـ“برّان برس”، أن المجلس القيادة الرئاسي “اكتفى بإصدار قرارات لتطبيع الأوضاع في المحافظة، لكن لم تكن هناك جدية واضحة لتنفيذ هذه القرارات لتجنب أهم محافظات اليمن الإنزلاق نحو الفوضى”.
مخطط للفوضى
عن مخاطر صمت مجلس القيادة والحكومة، أوضح الجريري، أنها تكمن في تكرار سيناريو سقطرى وعدن في حضرموت، الأمر الذي قد يؤدي إلى سقوطها بيد الانتقالي، وعندها قال: “سيفقد مجلس القيادة للرئاسي شرعيته وسيطرد من حضرموت، كما حدث للرئيس هادي عندما أسقط الانتقالي عدن”.
وأكد الحاجة الملحة لتدخل رئاسي لاحتواء التصعيد، محذرًا من أن شرعية مجلس القيادة الرئاسي “ستنتهي تمامًا، وسنشهد تمزيق قوات الجيش الوطني في حضرموت”.
وفي السياق ذاته، كشف بن عبيدالله، عن وجود “مخططات خطيرة منذ فترة لجر المحافظة (حضرموت) إلى مربع الصراع والصدام العنيف وتمزيق النسيج الاجتماعي”، مرجحًا أن ما يجري حاليًا هو “محاولات حثيثة لتنفيذ هذه المخططات”.
عبيدالله: في حال حدوث أي اختلال سياسي، سيكون المسمار الأخير في نعش الشرعية (مجلس القيادة الرئاسي وحكومته) التي ستكون قد فشلت في كل الملفات السياسية المهمة
وتحدث عن مخاطر عديدة تترتب على دخول حضرموت مربع الفوضى على مستويات عديدة؛ أبرزها الجانب السياسي؛ لأن حضرموت استطاعت أن تحافظ على مؤسسات الدولة بمنأى عن الصراع منذ بدايته، لتكون نموذجًا سياسيًا يضم كل الأطياف والقوى السياسية.
وأضاف: في حال حدوث أي اختلال سياسي، سيكون المسمار الأخير في نعش الشرعية (مجلس القيادة الرئاسي وحكومته) التي ستكون قد فشلت في كل الملفات السياسية المهمة”.
وعسكريًا، قال إن “أي إرباك في المشهد الأمني والعسكري سيشكل فرصة كبيرة لجماعة الحوثي وبقية الميليشيات والجماعات الإرهابية لبسط نفوذها على المحافظة الأكثر أهمية من حيث الموقع الجغرافي والموارد الاقتصادية التي سيتم توظيفها للإضرار بالمصالح الوطنية والإقليمية والدولية”.
دعوة للتحرك الجاد
وبشأن ما يجب فعله لحماية حضرموت، شدد السياسي السعيدي، على ضرورة تمكين أبناء المحافظة من “إدارة شؤنهم بأنفسهم في مختلف مناحي الحياة العسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بعيدًا عن فرض الوصايا عليهم”.
دعوات للرئاسي والحكومة للقيام بواجبهم وتحمل مسؤوليتهم بمنع دخول أي قوات عسكرية إلى حضرموت، وضبط حركة كل الوحدات العسكرية داخل المحافظة لمنع حدوث أي صدام ونزع فتيل الأزمة
من جانبه، دعا الجريري، إلى “تحرك جاد للضغط على المجلس الانتقالي لسحب قواته من حضرموت، ومنع عسكرة المحافظة، وتلبية مطالب أبناء حضرموت فيما يتعلق بالتجنيد لهم والخدمات وتمكينهم من إدارة حضرموت بشكل حقيقي لصناعة نهضة تنموية”.
وأما بن عبيدالله، فشدد على ضرورة قيام الرئاسي والحكومة بواجبهم وتحمل مسؤوليتهم بمنع دخول أي قوات عسكرية إلى حضرموت، وضبط حركة كل الوحدات العسكرية داخل المحافظة لمنع حدوث أي صدام ونزع فتيل الأزمة. مؤكدًا أهمية انتهاج الحوار لحلحلة الأزمة، وتمكين أبناء المحافظة من حماية أمنها واستقرارها باستيعابهم في وزارتي الدفاع والداخلية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news