على تخوم الربع الخالي، حيث الرمال تمتد بلا نهاية، تقع محافظة الجوف في أقصى شمال اليمن. هذه المنطقة التي يعيش فيها ما يقارب 590 ألف نسمة تبدو وكأنها عالِمٌ معزول يعاني شحّاً قاسياً في الغذاء والماء، فيما يعتمد معظم سكانها اعتماداً شبه كامل على المعونات الإنسانية للبقاء. وفي ظل هذه الظروف الهشّة، تحوّلت الجوف إلى واحد من أهم الممرات التي تعبر منها تجارة المخدرات المتضاعفة في اليمن، بحسب ما يؤكده مسؤولون محليون وأجهزة أمنية تتابع المشهد عن قرب.
يدخل اليمن سنته الحادية عشرة من الحرب الأهلية، وهو بلد منقسم إلى منطقتين رئيسيتين: في الشمال تسيطر جماعة الحوثي المدعومة من إيران، وفي الجنوب تتركز الحكومة المعترف بها دولياً. هذا الانقسام السياسي والعسكري الحاد خلق شبكة واسعة من الفراغات الأمنية التي أتاحت للمهربين حرية الحركة، ومكّنت شبكات الاتجار من التغلغل في أراضي البلاد الممتدة من الساحل إلى الحدود.
ورغم أن الكميات الحقيقية للمخدرات التي تمر عبر اليمن لا تزال طيّ المجهول، إلا أن المؤشرات المتوافرة تكشف عن نمط متصاعد، خصوصاً فيما يتعلق بحبوب الكبتاجون، وهو نوع من الأمفيتامين ارتبط لسنوات بصناعته الضخمة داخل سوريا، حيث كان نظام بشار الأسد – وفقاً لجهات رقابية – يُشرف على تصنيع ما يصل إلى 80 في المائة من الإنتاج العالمي.
ويُرجع خبراء الزيادة المفاجئة في حجم المرور عبر اليمن إلى موقعه الجغرافي بالغ الحساسية. فالبلاد تشرف على البحر الأحمر، وتتحكم عبر مضيق باب المندب بأحد أهم الممرات البحرية التي تربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي. ومع ضعف مؤسسات الدولة واتساع نطاق الفقر وغياب القانون، وجدت شبكات التهريب ضالتها. فالطريق اليمني يفتح أبواباً واسعة للوصول إلى الأسواق الخليجية، خصوصاً السعودية، حيث الطلب أعلى والعائد المالي أكبر.
وتشير بيانات جمعها "معهد نيو لاينز" الأميركي، المتخصص في تتبع تجارة المخدرات في اليمن، إلى أن كمية الحبوب المصادرة في البلاد خلال عام 2025 قد بلغت نحو 1.7 مليون حبة، مقارنة بـ 358 ألفاً فقط في العام الذي سبقه. هذا الارتفاع لا يعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للاتجار، لكنه يعطي صورة واضحة عن التوسع الهائل في نشاط الشبكات التي تنقل بضائعها عبر الأراضي اليمنية.
وترى كارولين روز، الباحثة في مركز "نيو لاينز" والمتخصصة في شؤون الأمن الوطني، أن ما يحدث ليس مرتبطاً فقط بالتطورات السياسية في سوريا، بل هو امتداد طبيعي لمسارات التجارة التي أعيد رسمها منذ عام 2024، حين بدأت شبكات صناعة الكبتاجون تبحث عن طرق جديدة بعيدة عن لبنان وسوريا بعد تضييق الخناق على منافذها التقليدية. واليمن، بحدوده الهشة وأوضاعه المتفجرة، كان الخيار الأمثل.
وتشير تقديرات بريطانية وأميركية إلى أن القيمة السنوية لتجارة الكبتاجون غير الشرعية وصلت إلى 57 مليار دولار في عام 2023، ما يوضح ضخامة العائدات التي تجعل من هذه التجارة قوة قادرة على اختراق البلدان والمؤسسات.
وفي الآونة الأخيرة، أعلنت السلطات اللبنانية ضبط أكثر من 6.5 مليون حبة كبتاجون و700 كيلوغرام من الحشيش كانت في طريقها إلى السعودية، وهو ما يعكس استمرار محاولات التهريب عبر مختلف المسارات. وكانت الرياض قد قررت عام 2021 تعليق استيراد المنتجات الزراعية اللبنانية على خلفية ضبط شحنات مخدرات داخلها.
يعود أصل عقار "فينيثيلين" – الذي سيصبح لاحقاً معروفاً عالمياً باسم الكبتاجون – إلى شركة ألمانية طوّرته في ستينيات القرن الماضي لعلاج اضطرابات النوم وفرط الحركة. لكن العقار خرج عن الاستخدام الطبي لاحقاً، ليظهر اليوم كبضاعة مربحة ضمن الأسواق السوداء.
في اليمن، تؤكد مصادر أمنية أن المخدرات تصل عبر مزيج من القوارب الكبيرة والصغيرة التي تتحرك عبر البحر العربي، أو عبر مسارات صحراوية قادمة من مناطق حدودية مع عُمان، خصوصاً باتجاه محافظة المهرة الواقعة أقصى الشرق. ومن هناك، تنتقل الشحنات نحو الداخل عبر طرق تكاد تكون معروفة للجميع، وهي غالباً طرق محمية، تستخدم لتهريب الأسلحة أيضاً، قبل أن تصل إلى خطوط الحدود مع السعودية الممتدة لمسافة 1300 كيلومتر، والتي يسهل اختراقها.
ويؤكد أحد التجار – الذي يعمل في الجوف – أن عمليات النقل باتت تستعين بالحمير والطائرات المسيّرة لعبور الشريط الحدودي. ويقول إن الطلب في السعودية مرتفع جداً، مما يرفع سعر الحبة إلى ما يصل إلى 20 دولاراً، بينما بيعها داخل اليمن أقل ربحية بكثير بسبب الفقر الشديد الذي يعاني منه أكثر من 82 في المائة من السكان.
ويتقاسم الحوثيون والحكومة السيطرة على محافظة الجوف، التي تمتلك حدوداً مع السعودية بطول 300 كيلومتراً. ويقول مصدر أمني في المحافظة إن “جميع خطوط العبور تمر من هنا”، مؤكداً أن الحركة باتت علنية إلى درجة أن الشاحنات والسيارات تمر عبر الأحياء دون خوف. ويضيف مسؤول محلي: “الجميع يعرف أن المهربين يتمتعون بحماية قوية، تشمل مسلحين وجماعات نافذة”.
ويدّعي أحد مسؤولي الأمن أنه استجوب مهربين عدة مرات، وأنهم لا يتبعون أي جهة أيديولوجية أو سياسية، بل يعملون لصالح من يدفع أكثر. وتؤكد روز أن ظاهرة التهريب منتشرة في كل المناطق اليمنية، سواء تلك الخاضعة للحوثيين أو للحكومة، مما ينفي وجود جهة واحدة محتكرة للتجارة.
وتتهم الحكومة اليمنية الجماعة الحوثية بأنها تستقدم خبراء مرتبطين بحزب الله لإدارة العمليات، في حين يحمّل ناشطون وحقوقيون الفساد المزمن مسؤولية تفاقم الاتجار في كل القطاعات. ويشتهر سهل البقاع في لبنان، وهو منطقة نفوذ لحزب الله، بأنه مركز لتصنيع الكبتاجون، كما أن العلاقة بين الحزب والحوثيين ليست جديدة، خاصة في مجال التدريب والدعم الفني.
وفي سياق متصل، أعلنت الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات (WADA) عن تنفيذ عملية أمنية واسعة في اليمن أسفرت عن ضبط 447 كيلوغراماً من المخدرات والمنشطات، ووصفتها بأنها خطوة مهمة في مواجهة تلك التجارة. وكشفت الوكالة أن المصنع الذي تمت مداهمته كان سيصبح أول منشأة متطورة لإنتاج المخدرات داخل اليمن بإدارة خبراء سوريين وإيرانيين، وأنه كان مرتبطاً بالحوثيين، بينما نفت إيران هذه الاتهامات.
ويلعب النظام القبلي في اليمن دوراً مركزياً في تسهيل هذه التجارة. فالقبائل تتحكم فعلياً في الأرض، وتعمل أحياناً كوسيط يضمن مرور الشحنات دون اعتراض، ما يجعل المهرب أكبر من أن يواجه منفرداً. ويقول مسؤول في الجوف: “المصالح المشتركة تتجاوز كل خطوط القتال. الفرق المتحاربة تتعاون عندما يتعلق الأمر بالمال”.
ويكشف أحد المهربين في حديثه عن شبكة تضم أسماء من الحوثيين ومسؤولين في الحكومة اليمنية على حد سواء، مؤكداً أن بعض من يفترض بهم محاربة الجريمة هم أنفسهم جزء من الشبكة. وعندما سُئل كيف ينجو الجميع من المحاسبة، كانت إجابته قصيرة وصادمة: “لأنهم جميعاً أصدقاء”.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news