تتجه أنظار الجنوب العربي هذا العام نحو حضرموت، التي تستعد لإحياء ذكرى الثلاثين من نوفمبر في لحظة سياسية حساسة تعيشها المحافظة، وسط محاولات حثيثة لإرباك المشهد وإعادة إنتاج واقع يهدف إلى فصل وادي حضرموت عن محيطه الطبيعي في الجنوب العربي.
ومع اقتراب موعد الاحتفالية الكبرى في سيئون، تتبلور ملامح مشهد جديد، عنوانه الرئيسي أن حضرموت لن تنفصل عن عمقها، وأن مشروع التفتيت الذي ظلّت قوى النفوذ الإخوانية اليمنية تراهن عليه بدأ يتهاوى أمام إرادة الجماهير.
إن ما تتعرض له حضرموت اليوم ليس مجرد تنازع سياسي عابر، بل استهداف ممنهج يتقاطع فيه قطاع الأمني بالاقتصادي والاجتماعي، في محاولة لإبقاء الوادي ساحة مغلقة تُدار بقرار خارجي بعيد عن إرادة أبنائها.
وتدرك القوى المناوئة أن حضرموت بثقلها الجغرافي والبشري والاقتصادي قادرة على قلب موازين القوى على مستوى الجنوب العربي، وأن انخراطها الكامل في المشروع الوطني الجنوبي سيُنهي عمليا أي أوراق ضغط بيد تلك القوى، ولهذا تتكثف حملات التشويه والتحريض، وتُفتعل الأزمات، ويُعمل على تعميق الانقسام، في محاولة لمنع تشكّل موقف حضرمي موحّد.
غير أن التحضير لفعالية 30 نوفمبر في سيئون جاء ليكشف عن تحول كبير يتجاوز الطابع الاحتفالي، فالاستعدادات المتسارعة والمشاركة المتوقعة تعكس رغبة جنوبية عامة في إعادة الاعتبار لحضرموت وإثبات أنها ليست ساحة يمكن العبث بها أو سلخها عن محيطها. ويتعامل أبناء الجنوب العربي مع هذا الحدث بوصفه لحظة تتجاوز الرمزية التاريخية لذكرى الاستقلال، لتصبح مناسبة لإعلان موقف سياسي واضح يعيد رسم حدود المشهد داخل المحافظة ويضع حدًا لحالة الاستفراد التي مارستها قوى النفوذ الإخوانية طوال السنوات الماضية.
فصوت الجماهير الذي يستعد للانطلاق من سيئون يمثل رسالة قاطعة بأن حضرموت جزء أصيل من الجنوب، وأن من يحاولون اختطاف قرارها أو فرض واقعٍ لا يعكس تطلعات أهلها باتوا في مواجهة موقف شعبي واسع، يستند إلى وعي متجدد بأن أمن المحافظة وثرواتها واستقرارها خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها.
كما أن هذه الفعالية تنسف الرواية التي حاولت القوى المعادية ترويجها حول رفض حضرموت للانتماء الجنوبي، إذ يأتي الحشد المنتظر ليؤكد أن المحافظة لا تعاني أزمة انتماء، وإنما تعرضت لسنوات طويلة من التهميش الممنهج ففُرض عليها واقع لا يعكس هويتها ولا إرادة سكانها.
وفي هذا السياق، تتحول ذكرى 30 نوفمبر هذا العام إلى حدث هام لإعلان موقف حضرمي جنوبي مشترك، يرفض استمرار النفوذ الإخواني في الوادي ويرسل رسالة واضحة بأن المشروع الوطني الجنوبي مستمر ومتماسك ومستند إلى قاعدة شعبية واسعة تمتد من المهرة حتى باب المندب. ولم يعد الحديث اليوم عن مجرد فعالية جماهيرية، بل عن
خطوة سياسية نوعية تعيد ضبط البوصلة وتضع حضرموت في موقعها الطبيعي ضمن مسار استعادة الدولة الجنوبية، وتؤكد أن المحافظة ليست منطقة فراغ ولا ورقة تفاوض، بل ركيزة أساسية في مستقبل الجنوب العربي.
وهكذا، تدخل حضرموت ذكرى 30 نوفمبر هذا العام ليست كمتفرج على الأحداث، بل كفاعل رئيسي يعيد هندسة المشهد ويضع حدًا لكل محاولات الالتفاف على إرادة أبنائها. ويبدو واضحًا أن ما سيخرج من سيئون لن يكون مجرد احتفال بذكرى تاريخية، بل إعلانًا واضحًا بأن زمن التلاعب بالمحافظة قد انتهى، وأن حضرموت بكل ثقلها تكتب اليوم صفحة جديدة في مسار الجنوب نحو استعادة دولته وترسيخ هويته ووحدة صفّه.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news