في خطوة تاريخية تعكس نضجاً سياسياً وإجماعاً قبلياً غير مسبوق، طوت حضرموت صفحة من الانقسام والتفرد بالقرار، لتفتح عهداً جديداً من الشراكة المؤسسية والعمل الجماعي المتناغم مع المشروع الوطني الجنوبي.
ففي اجتماع موسع عُقد في منطقة رأس حويرة، بحضور كبرى قبائل حضرموت وقيادات عسكرية وأمنية رفيعة المستوى، أعلن “حلف قبائل حضرموت” عن إعادة هيكلة قيادته، وانتخاب الشيخ خالد محسن الكثيري رئيساً جديداً له في خطوة ينظر إليها كتصويب لمسار الحلف، واستعادة لقراره المختطف، وتأكيد قاطع على أن حضرموت، بثقلها التاريخي والقبلي، جزء لا يتجزأ من نسيج دولة الجنوب الفيدرالية القادمة.
يأتي هذا التحول في وقت حاسم، حيث تواجه حضرموت والجنوب تحديات جسيمة، من مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة إلى طرد ما تبقى من قوات الاحتلال اليمني وتأمين الثروات الوطنية.
لقد أدركت المكونات القبلية والاجتماعية في حضرموت أن التمرد الذي قادته القيادة السابقة للحلف، بقيادة الشيخ عمرو بن حبريش، قد أدى إلى عزل المحافظة وخلق حالة من التصادم مع مؤسسات الدولة الشرعية والمشروع الجنوبي الجامع وخدمة لأجندات خارجية تهدف إلى إبقاء حضرموت شوكة في خاصرة الجنوب، ومنعها من استعادة دورها الطبيعي كركيزة أساسية في الدولة الجنوبية.
اقرأ المزيد...
حضرموت تستعيد قرارها وتوحد صفها ..قيادات حضرمية جديدة ترسم اتجاه المرحلة المقبلة
29 نوفمبر، 2025 ( 6:02 مساءً )
القوات المسلحة الجنوبية تهنئ الرئيس الزُبيدي بالذكرى الـ58 للاستقلال الوطني المجيد
29 نوفمبر، 2025 ( 5:58 مساءً )
إن المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يولي حضرموت أهمية استراتيجية قصوى، يرى في هذه الخطوة تأكيداً على رؤيته لدولة فيدرالية حديثة، تُدار فيها كل محافظة من قبل أبنائها، وتُصان فيها خصوصيات كل منطقة ضمن إطار وطني موحد. إعادة هيكلة الحلف ليست مجرد انتصار لحضرموت، بل هي انتصار لمشروع الدولة الجنوبية بأكملها، حيث تتكامل فيه الإرادة الشعبية والقبلية مع المؤسسات العسكرية والأمنية لتحقيق هدف واحد: استعادة السيادة، وبناء مستقبل آمن ومزدهر لأجيال الجنوب القادمة.
*وحدة الصف الحضرمي والجنوبي: ضرورة حتمية لمواجهة التحديات*
تكمن القوة الحقيقية لأي مجتمع في تماسكه الداخلي وقدرته على توحيد صفوفه في مواجهة الأخطار، وفي حضرموت، هذه الحقيقة تتجلى بوضوح أكثر من أي وقت مضى وأن وحدة الصف الحضرمي والجنوبي ليست مجرد شعار سياسي، بل هي حجر الزاوية لضمان مستقبل آمن ومستقر.
فمن خلال تعزيز التماسك بين كافة المكونات القبلية والاجتماعية في حضرموت، وتجاوز الخلافات الثانوية وتقديم المصلحة الوطنية العليا على أي اعتبارات شخصية أو فئوية ضيقة، يمكن تحقيق الأهداف الكبرى التي يتطلع إليها أبناء حضرموت والجنوب. وهي اهداف واضحة وثابتة تتمثل في استعادة أبناء حضرموت لحقهم الكامل في إدارة ثرواتهم، وطرد قوات الاحتلال اليمني، وفرض السيادة الكاملة على كل شبر من أرض حضرموت.
أثبتت التجارب أن الانقسامات الداخلية هي الثغرة التي ينفذ منها الأعداء لزرع الفتن وإضعاف الجبهة الداخلية. وعندما تتشتت الجهود في صراعات جانبية، فإن العدو الحقيقي يستفيد من هذا الفراغ لترسيخ وجوده ومواصلة نهبه
ورؤية المجلس الانتقالي الجنوبي لدولة الجنوب الفيدرالية تقوم على أساس أن قوة الدولة تنبع من قوة مكوناتها. وحضرموت، بتاريخها العريق وثقلها الاستراتيجي، تمثل عموداً فقرياً لهذه الدولة لذلك، فإن أي محاولة لشق الصف الحضرمي أو فصله عن محيطه الجنوبي هي طعنة في قلب المشروع الوطني وإن وحدة الهدف والمصير بين حضرموت وبقية محافظات الجنوب هي الضمانة الوحيدة لتحقيق النصر الكامل، وبناء دولة قوية تحترم خصوصية كل محافظة وتضمن حقوق جميع أبنائها.
*إعادة هيكلة الحلف: تصويب للمسار وتكامل مع الدولة*
لم تكن عملية إعادة هيكلة “حلف قبائل حضرموت” وإشهار قيادته الجديدة مجرد إجراء روتيني، بل كانت خطوة تصحيحية ضرورية تهدف إلى إعادة الحلف إلى مساره الطبيعي كإطار قبلي جامع يخدم مصالح أبناء حضرموت ويتكامل مع مؤسسات الدولة.
لقد جاءت هذه الخطوة بعد فترة ظهرت فيها تباينات عميقة في المواقف بين القيادة السابقة للحلف والجهات الرسمية المتمثلة في السلطة المحلية ومجلس القيادة الرئاسي والمشروع الوطني الجنوبي.
هذه التباينات لم تكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحولت إلى مسار تصادمي هدد بنسف الدور التاريخي للحلف كصمام أمان للمجتمع.
تمت عملية إعادة الهيكلة بطريقة سلمية ومؤسسية، من خلال إجماع قبلي واسع، لضمان استمرارية الحلف وتعزيز قدرته على أداء دوره في خدمة أبناء المحافظة.
الهدف الأسمى من هذا التغيير هو تحقيق التوازن السياسي الذي يصب في اتجاه استعادة دولة الجنوب العربي،فالقيادة الجديدة، برئاسة الشيخ خالد الكثيري، تدرك أن قوة حضرموت تكمن في انسجامها مع محيطها الجنوبي، وليس في الانعزال أو التمرد.
يمثل حلف حضرموت جزء حيوي من النسيج الأمني والقبلي والاجتماعي الذي يساهم في حماية الموارد والمكتسبات الوطنية والإجماع القبلي الحضرمي على رئاسة الشيخ الكثيري جاء متناغماً تماماً مع توجهات دولة الجنوب ومشاريعها الأمنية والتنموية، ليؤكد أن القبيلة والدولة ليستا خصمين، بل هما مكونان متكاملان يعملان لهدف واحد: أمن واستقرار وازدهار حضرموت والجنوب.
*تمرد بن حبريش: خروج عن الإجماع وخدمة لأجندات معادية*
إن ما قاد إليه الشيخ عمرو بن حبريش لم يكن مجرد خلاف سياسي، بل كان تمرداً واضحاً على الإجماع الحضرمي والجنوبي. لقد خرج بن حبريش عن هذا الإجماع عبر اتخاذ قرارات أحادية لا تعبر عن مكونات الحلف الحقيقية، ولا عن مقادمة القبائل وقياداتها الوازنة.
هذا التمرد لم يكن فقط على الإرادة القبلية، بل امتد ليشمل قرارات مجلس القيادة الرئاسي، وتوجيهات السلطة المحلية، والتنسيق مع التحالف العربي وتسبب هذا المسار الانعزالي في عزل الحلف وإبعاده عن المسار العام للدولة، ووضعه في موضع تصادم مباشر مع المؤسسات الرسمية.
لقد سعت قيادة بن حبريش إلى تحويل الحلف إلى أداة لتحقيق طموحات سياسية شخصية، واحتكرت القرار القبلي، وربطت مصير الحلف بمواقفها الفردية، مما عطل دوره كمرجعية جامعة لكل الحضارم. الأخطر من ذلك، أن هذا التمرد لم يكن وليد اللحظة، بل كان نتيجة تراكمات وتأثيرات من قوى معادية لمشروع استعادة دولة الجنوب. لقد أدركت المكونات القبلية الواسعة أن الحلف تحت قيادة بن حبريش كان يسير في طريق يخدم أجندات أعداء حضرموت والجنوب، الذين يسعون إلى إبقاء المنطقة في حالة من الفوضى والانقسام لمنع استقرارها ونهضتها.
*الأضرار الواقعية لعهد التمرد: فراغ أمني وخدمة للإرهاب*
لم يكن تمرد القيادة السابقة للحلف مجرد خلافات سياسية عابرة، بل تسبب في أضرار واقعية وملموسة على الأرض، أثرت بشكل مباشر على أمن واستقرار حضرموت.
حالة التمرد والتصادم مع الدولة أضعفت قدرة الحلف على مواجهة التحديات الأمنية الحقيقية، وخلقت حالة من الفراغ القيادي الذي استغلته جهات لا تريد الخير لحضرموت، وعلى رأسها التنظيمات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة. القيادة السابقة أربكت العلاقة التاريخية المتينة بين القبيلة والدولة، وعرقلت بشكل مباشر جهود قوات النخبة الحضرمية والأجهزة الأمنية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
فبدلاً من أن يكون الحلف عوناً وسنداً لهذه القوات، أصبح في بعض الأحيان عائقاً أمام تحركاتها، مما وفر بيئة خصبة لانتشار الجريمة وتنامي خطر الإرهاب. إن محاربة الإرهاب، ومكافحة تهريب المخدرات، وتأمين المناطق الشاسعة في حضرموت تتطلب تضافر جميع الجهود، القبلية والرسمية. وعندما تختار قيادة الحلف مسار التصادم، فإنها عملياً تقدم خدمة مجانية لتلك القوى الظلامية التي تسعى إلى تدمير النسيج الاجتماعي ونشر الفوضى.
*استعادة القرار الحضرمي: عودة الحلف إلى مساره الطبيعي*
تمثل إعادة هيكلة “حلف قبائل حضرموت” لحظة فارقة في تاريخ المحافظة، فهي ليست مجرد تغيير في الأسماء والمناصب، بل هي استعادة حضرموت لقرارها السيادي بعد مرحلة من التفرد والانعزال التي فرضتها القيادة السابقة.
إن توافق مقادمة القبائل والقيادات القبلية الوازنة على هذا التغيير هو رد عملي وحاسم على مرحلة التمرد، ومؤشر واضح على أن الحلف قد عاد إلى مساره الطبيعي كإطار جامع يخدم حضرموت أولاً وأخيراً.
لقد أثبتت قبائل حضرموت أنها قادرة على تصحيح مسارها بنفسها عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك.
إن رمزية انعقاد اللقاء في ضيافة قبائل سيبان، إحدى كبرى قبائل حضرموت، وفي منطقة رأس حويرة التاريخية، يمنح هذه القرارات ثقلاً قبلياً وتاريخياً لا يمكن لأي طرف أن يطعن فيه أو يشكك في شرعيته.
هذه الخطوة تؤكد أن حضرموت ترفض أن يكون قرارها مرهوناً بشخص واحد أو فئة محدودة. إنها رسالة قوية بأن زمن احتكار القرار القبلي قد ولى، وأن المستقبل يُبنى على أساس الشورى والمشاركة الجماعية.
*إنهاء عصر التفرد: بداية عهد الشورى والمؤسسية*
ما حدث في اجتماع حلف حضرموت التاريخي يؤكد بوضوح نهاية مرحلة التفرد بالقرار، وبداية عهد جديد يقوم على الشورى القبلية، والعمل المؤسسي، والانسجام التام مع مؤسسات الدولة.
لقد رفضت حضرموت، بإرادة أبنائها وقبائلها، أن يظل مستقبلها رهينة للأهواء الفردية أو التحركات غير المنسقة التي تضر بالمشروع الجنوبي والجهود التي يبذلها التحالف العربي لتحقيق الاستقرار في المنطقة.
تغيير القيادة لم يكن خطوة انتقامية أو شخصية، بل جاء استجابة لمطالب واسعة من داخل الحلف نفسه، واستناداً إلى المصلحة العامة لحضرموت والجنوب.
العهد الجديد الذي دشنه انتخاب الشيخ خالد الكثيري يقوم على مبادئ أساسية: المشاركة الواسعة، واحترام رأي الأغلبية، والتنسيق الكامل مع السلطات المحلية والعسكرية.
اختيار الكثيري، وهو شخصية تحظى بقبول واسع، جاء في إطار تداول القيادة وإتاحة الفرصة لوجوه جديدة قادرة على بناء شراكات فعالة، مما يعزز من فاعلية التمثيل داخل الحلف ويضمن إشراك جميع مكونات حضرموت في صنع القرار.
*شرعية القيادة الجديدة: دعم مؤسسي وتكامل بين القبيلة والدولة*
لم تكن شرعية القيادة الجديدة لحلف حضرموت نابعة فقط من الإجماع القبلي الواسع، بل تعززت بشكل حاسم من خلال الدعم المؤسسي الرسمي الذي حظيت به.
إن حضور مدير أمن ساحل حضرموت، وقائد المنطقة العسكرية الثانية، إلى جانب مقادمة القبائل في الاجتماع الموسع، يوجه رسالة قاطعة لا لبس فيها: المؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية في حضرموت تدعم هذا التغيير وتعتبره خطوة في الاتجاه الصحيح. هذا الحضور الرسمي الرفيع يؤكد أن زمن “دولة الحلف الموازية” قد انتهى إلى غير رجعة.
اليوم، يؤكد هذا التكامل بين القبيلة والدولة أن الهدف واحد والمصير مشترك. الأمن والقبيلة مكونان متكاملان يعملان في خندق واحد من أجل مصلحة أمن واستقرار حضرموت بأكملها. هذه الشراكة الجديدة تمنح قيادة الحلف الجديدة القدرة على التحرك السريع والفعال لمواجهة التحديات القائمة، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب ومحاربة الجريمة المنظمة.
*حضرموت درع الجنوب: تكامل المصير ورؤية الدولة الفيدرالية*
إن أحد أهم أهداف اجتماع حلف حضرموت وإعادة هيكلته هو التأكيد على حقيقة راسخة: أمن حضرموت جزء لا يتجزأ من أمن الجنوب.
ضمنت هذه الهيكلة الجديدة أن لا يكون الحلف “شوكة” في خاصرة المشروع الوطني الجنوبي، كما كان يخطط له الأعداء، بل أن يكون درعاً حصيناً له.
تنسجم هذه الخطوة تماماً مع رؤية المجلس الانتقالي الجنوبي لدولة الجنوب الفيدرالية، التي تقوم على مبدأ أن المحافظات تدير شؤونها بنفسها في إطار دولة اتحادية موحدة.
تمنح هذه الرؤية حضرموت خصوصيتها وتضمن لأبنائها حقهم في إدارة ثرواتهم وسلطتهم المحلية، وفي نفس الوقت، تجعلها شريكاً كاملاً في بناء الدولة الجنوبية الحديثة.
لقد أدركت قبائل حضرموت أن محاولات عزلها عن عمقها الجنوبي هي مؤامرة تهدف إلى إضعافها وتركها فريسة سهلة للقوى المتربصة.
واليوم، من خلال هذه الخطوة الشجاعة، تؤكد حضرموت أنها تختار بملء إرادتها أن تكون في قلب المشروع الجنوبي، وأن تساهم بثقلها الكامل في تحقيق حلم استعادة الدولة. إنها رسالة للعالم بأن الجنوب، بكل مكوناته، موحد خلف قيادته السياسية ممثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، وماضٍ بثبات نحو تحقيق أهدافه المشروعة في الحرية والاستقلال.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news