الجثة

     
بيس هورايزونس             عدد المشاهدات : 83 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
الجثة

أستيقظ وهي منبطحة بجانبي أو علي، كسولة وممتعضة ومتغضنة، لزجة بأفكار بالكاد تخلّصتُ منها قبل النوم، تغرق فيها بلا توقف وتترك لي أسئلة شائكة وتحرّضني على الوقوع فيها.

أزيحها قليلًا عن وجهي. تتخضب يدي بالطحلب الجاف الغائر في جلدها وبرماد متراكم منذ سنوات.

أخذ علبة السجائر، أجدها فارغة، أنظر لها لا تشعر بذنب إيذائي وتعريضي للألم في الصباح الباكر.

أتمدد بجانبها لا أفكر في شيء.

قد أغفو وتظل هي تحملق في السقف تدوّن فراغها اليومي. وقد أحدثها عن أي شيء أو أقترح عليها. لا تأبه بي!

أزيحها عن وجهي قليلًا، وأنظر ما تبقى من أيام ستظلّ فيها بجانبي. على ظهرها المجعّد بالندوب والطعنات الغائرة، “منتهية الصلاحية” تفرّغني من كل أمل.

أظنّها محظوظة بي. أحملها معي وقتما خرجت وأينما ذهبت. أطعمها وأسقيها وأراقب تغضنها بلا انكسار. وأكتب معها وأقرأ الشعر وأخبار العالم النتنة.

أقف أمام المرآة. أستجيب لحاجة بشرية لجرح القلب بالندم. تقف ولا تبدي أي شعور، كأنها لا ترى نفسها أو ما ذهب من سنواتها وما أخذته من طفل يراعاها طوال سبعة وعشرين خريفًا.

ما الذي قد تستطيع أن تقوله مرآة لجثة؟

قبل سبعة وعشرين عامًا، غريب ما تركها بجانب منزلنا، ومن الأفضل أن أقول رماها. أبي، المعلم المسكين رحيم القلب، الذي لا يترك أحدًا يقف بين العواصف والانكسارات وحده، دعاها إلى الداخل وأعلن عنها في اليوم التالي. ربما يتذكرها ذاك الغريب ويأتي يومًا ما لأخذها.

ولقد أصبحت من العائلة، لها اسم ولها صفة ولها ترتيب بين الأبناء. بعد أسبوع هنّئ جدي أبي بها في إحدى الصحف. عندما وجدت تلك الصحيفة مزقتها وأعدتها إلى صندوقها الصدئ إربًا إربا.

محدبة، وعلى جلدها تتفشى أعشاب سكرية. تلهث ككلب عجوز. لا يعجبها شيئًا ولا يروقها، ومزاجها حرباوي على الدوام. زرقاء رمادية كسماء يوم عيد في عيني طفل فقير. سماء العيد لا تتلون كما شاء الناظر، والجثة لا ترى السماء بأي لون، والذي يحمل جثة على ظهره والآخرون يسخرون من حمله الأخرق والجبان، لا يرى أبعد منها.

أخذ قلم رصاص أو طبشورًا وأرسم باب منزل على الجدران، وأرسم في الداخل زوجة جميلة وأطفالًا بحاجة لأب وأعرّفهم إليها. أحاول أن أغريها لتدخل فأغلق عليها الباب وأهرب منها ليلتقطها غريب غيري. تحملق في الباب وتحدّق في الأطفال يلعبون في الردهة ضاحكين بلا تعب سوى تعب انتظار العشاء، ثم تأخذ قلم الرصاص أو الطبشور وترسم على الباب أبًا بحقيبة هدايا يعود من المدن البعيدة، ترسمه يدخل ويعانقهم، ثم تغلق الباب وتبكي. جثة ضدإنجابية وقلبها رحيم؟!

عندما أشغل لها الموسيقى لا تتمايل ولا تصفق ولا تنتشي، تتمعّن في الصمت وتطيل تحديقها في السراب، وأحيانًا تتمادى بعينيها حتى العدم.

ما الذي قد تمنحه أغنية لجثة؟

أحاول أيضًا أن أعلمّها الرقص. أود أن تصبح كائنًا أكثر خفة وتتوقف عن إلحاق العار بي أينما حللت وهي معي. تراقب قدميّ تتقدمان وتتأخران ويديّ تنقبضان وتنبسطان وتحاوران ما وراءها بخفة غيمة، فتشعر بالاشمئزاز وتنفجر بالبكاء. الرقص أيضًا يفشل في ترويض الجثة؟!

هل أمنحكِ عشقًا وستقلعين عن عاداتكِ في اشتهاء الألم؟

صمتها المطأطئ جعلني أخذها ذات ليلة بلا نجوم أو قمر إلى أقرب هاوية. وقفت وأدّعيت الانتشاء بالمنظر الساحق يلتهم العشاق الذين يلتقون خلسة، ضمّت يديها ووقفت بجانبي. فعلًا كان السواد ذاك مغريًا للتأمل أكثر من القتل، لكنّ الوقوف أمام المطلق ينهار في حضرة الجثث. لفرط عجلي دفعتها وفررت. سمعتها تهوي دون أن تصرخ أو تتصاعد منها حشرجة ارتطام. خمّنت أنّها تمزقت في الهواء ولم تصل القاع إلا على قيد الرماد.

في ليلة أخرى أخذتها إلى مقبرة قديمة، حفرت قبرًا لي ونمت فيه على سبيل انتظار الموت. ساعدتني بالحفر حتى قبيل الفجر، وقبل أن أخذ الملاءة السوداء وبعض الكلام كرهتها لأنها لم تخبرني أنّني أخطئ بحق نفسي وأنها ستشتاق لي. فكرت بها كثيرًا، ماذا ستفعل من دوني في هذا العالم الغول وهذه الحياة المرعبة التي، كلما اقتربت من باب، نهرتها. على كل حال خسيس، أنا أقدر على العيش بدونها؛ غافلتها وحشرتها في الحفرة الشرهة. كانت مسالمة ولم تقاوم، وأعدت التراب عليها إلى صمته بهدوء.

في الليلتين، ما إن وصلت إلى البيت لم أهنأ خوفي من ارتكاب المجزرة بحقها بعد، كانت تتمدد على سريري. رفعت رأسها من تحت غطاء رتيب، نظرات باردة، ثم عاودت نومها. لماذا لا تعاتبني كلّما حاولت إيذاءها أو إيذائي؟

أخطأتُ بحقها أكثر مما أخطأت بحقي. لست أبًا وفيًا لها ولا ابنًا ولا صديقًا ولا عاشقًا. أكثر وأفدح خطأ ترتكبته بحقي أنها عندما أرتكب الأخطاء بحق نفسي وأؤذيني لا تمنعني من ذلك، ولا تشير لي أن أكف عن فتح هذه الجروح المتعمدة.

هي ليست بصديقتي، ولا بالحميمة معي أو اللدودة، لا أحد منا يكره الآخر ولا يحب. تقضي يومها كسولة وخاملة كما تشاء وأقضي أحلامي كما أشاء. فقط نحن، وبمفردنا، جسد وظلّ، لا تبتعد وإلا ووجدتني مجرورًا بنزوة رمادية مباغتة. وما أن أذهب في اتجاه ما تجد نفسها مجرورة بانكسار قلبي.

الآن، وبشكل غريب، بالشكل الذي يحقد به المرء على نفسه، أشعر بالحزن. مرّ غريب يبحث عن جثة. أطلت برأسي من النافذة وأطلت برأسها. سألت أحد الجيران خائفًا عليها وعلي.

حدّقت فيها وحدّقت في. يالسوء حظّنا المشترك.

قبل ان يذهب الغريب قال: ذات يوم، وفي اللحظة ذاتها، الجثة ورفيقها سيأتيا إلي كل يحمل الآخر.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

بالفيديو: لواء عسكري موال لعيدروس الزبيدي يهدد باقتحام قصر المعاشيق في عدن خلال المظاهرة القادمة

المشهد اليمني | 855 قراءة 

صحيفة بريطانية تفضح ”عيدروس الزُبيدي” وتكشف سر يخفيه عن الجميع

الخليج اليوم | 705 قراءة 

توضيح هام حول صرف الرواتب ولجان البصمة

عدن توداي | 693 قراءة 

عدن دولة وإقليم مستقل.. مستشار في مجلس القيادة الرئاسي يكشف ملامح مشروع سيادي جديد

موقع الأول | 487 قراءة 

شابة بعدن تسرق 24 ألف ريال سعودي وعملات صعبة.. والمفاجأة في ماذا اشترت بالفلوس قبل القبض عليها!!

المشهد اليمني | 451 قراءة 

هذا هو الشرط الحاسم لانضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي؟

نيوز لاين | 432 قراءة 

وفاة الميسري بجلطة دماغية

الخليج اليوم | 417 قراءة 

البيض يعلن قراراً يهز الجنوب ويتحدث عن تغيرات قادمة من حضرموت

المشهد اليمني | 376 قراءة 

عاجل:تمزيق صورة عيدروس الجديدة بعد ساعتين من رفعها بعدن

كريتر سكاي | 369 قراءة 

رفع صورة لعيدروس الزبيدي بعدن الليلة

كريتر سكاي | 332 قراءة