مِنْ غُرابِ قاسم إلى عَرشِ الوجدانِ: القلبُ ومفارقاتُ المعنى الأنثروبُولوجي

     
صوت العاصمة             عدد المشاهدات : 91 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
مِنْ غُرابِ قاسم إلى عَرشِ الوجدانِ: القلبُ ومفارقاتُ المعنى الأنثروبُولوجي

صديقُ الطفولةِ قاسمُ ..... ، الذي كان يأكل قلوب الغربان طازجة/ رطبة، مُعتقداً في ذلك الزمن الجيد أن هذه العادة ستزيد من ذكائه. ويا للمفارقة، فبدل أن يُحلق عقله في سماء الفطنة، كان يزداد غباءً وفوضى وجنونا و مِعْراسة ورسوبا كل عام...هذا المشهد الساذج، الذي يجمع بين العادة الغريبة والتأثير العكسي، يفتح الباب واسعاً أمام تأملات في مفهوم "القلب"؛ هذا العضو الذي يتجاوز مجرد كونه مضخة بيولوجية ليتجسد في وعينا كرمز متعدد الأبعاد، يتراقص بين الجسد والروح، بين الواقعي والأسطوري، بين الحسّي والوجداني.

إن جاذبية القلب لا تكمن في تصنيفه البيولوجي ضمن "معجم الجسد"، بل في كونه ذلك "الداخل في الإنسان"، المحور الذي عليه تدور كل التجارب البشرية؛ لقد أدركت الشعوب منذ القدم هذه الحقيقة، فسعت إلى استكشاف قواه حتى عن طريق "أكل القلوب"، بوصفها محاولة لامتلاك الجوهر الروحي والصفات الكامنة في المخلوق.

في الطقوس القديمة، كان القلب هو الجوهر الذي يُقدَّم للآلهة أو يُستمد منه الصفات والبركات. تتجلى هذه القيمة العليا في حضارات أمريكا الوسطى؛ فلدى كهنة الأزتيك، لم يكن تقديم قلوب ضحاياهم النابضة على المذابح مجرد قربان، بل كان إمداداً للطاقة الشمسية وحفظاً لدورة الكون، فالقلب هو الطاقة الحيوية التي تضمن استمرار الحياة.

وفي المقابل، وفي ممارسة شعبية تهدف إلى غرس صفة معينة، كان قلب الحمامة المرتعش يُمنح في بعض التقاليد الأوروبية للمرعوبين أو الفزعين في محاولة ساذجة لزرع السكينة المفقودة أو الشجاعة، إذ يُعتقد أن قوة الهدوء المستمدة من هذا العضو الحي يمكن أن تنتقل إلى متلقيه.

وفي العالم العربي، وبعيداً عن الأساطير، يتحول القلب إلى رمز للشرف والضيافة. ففي عادات قبائل شبْوة اليمنية، لا يزال يُقدَّم قلب الأضحية (غالباً الخروف) المشوي طازجاً إلى الضيف الكبير، كأعلى درجات الإكرام والترحيب، إذ يعكس هذا التقليد أن المضيف يضع "قلب" بيته ومكانته أمام ضيفه، مانحاً إياه جوهر الكرم والشجاعة.

ورغم أن منطقنا الحديث يسخر من هذه الممارسات الساذجة، فإنها تكشف عن إيمان عميق بقوة القلب الرمزية، من منطلق أن "القلب" في الميثولوجيا هو سجل الروح ومقر الضمير، كما في مصر القديمة حيث كان يُوزن مقابل "ريشة ماعت" (رمز الحقيقة) لتحديد مصير الروح.

وفي الأدب الشعبي العربي، يرتقي القلب من كونه عضواً إلى عرش الوجدان والذات المتكاملة. إنه ليس مجرد مكان تُسكَن فيه العواطف، بل هو الـ "أنا" الجوهرية للشاعر. حينما تتغنى القصائد بـ "القلب"، فهي لا تعني المضخة النابضة، بل ذلك الكيان الذي "يحزن" ويُصبِر نفسه.

هذا التجسيد يظهر بوضوح في الأمثال الشعبية اليمنية حين تقول: "يارمّانة قدها القلوب ملانة"، معترفة بامتلاء وعائه بالأسرار والمتاعب. ويأتي الاعتراف بتحميل القلب المسؤولية في مناجاته: "ياقلبي يا كتكت شِل همي معك واسكت". وتكتمل معادلة الوجدان حين يُقر المثل العربي بأن "اللي ماهو في القلب ينساه العين"، جاعلاً القلب المصدر الأوحد للحفظ والتذكر، بينما تُشير عبارة "القلوب عند بعضها" إلى الاتصال الروحي العميق.

لقد جعل الشاعر من قلبه "شخصية" مستقلة، تتألم، تشتاق، وتتمرد، فيصبح القلب مسرحاً للحب والهجر. وتتجسد هذه الدراما الوجدانية ببراعة في عناوين الأغاني التي تحكي قصته:

تارة، يُرفع المحبوب إلى منزلة القلب ذاته، حيث يُمنح اعترافاً بالمكانة والاشتياق العميق: "يا حبيب القلب وينك"، و "شل القلب لك" (كإشارة إلى تسليم الجوهر)، وتُوصف شدة القرب والاتحاد بـ "قلبي صار قلبك".

وتارة أخرى، يكون موضع الشكوى والألم الناتج عن الجفاء، حيث تُنشد شكوى القلب المنهك: "مسكين قلب المفارق" مجيب الرحمن، و "القلب كله جراح"، و "قلبي المتعوب"، وحتى الاحتفال بالجرح والمحبوب قاسي الفعل: "لأن قلبه القسي". كما يحمل القلب هم الوجود، يتجسد ذلك في أغنية تحمل الفلسفة ذاتها: "نسَّم القلب دنيا".

إن هذا التماهي بين جوهره العضلي ورمزيته الروحية، بين ما يُقدَّم للضيف إكراماً وما يُنادى عليه في الشعر والأغاني والأمثال، هو سر خلود "القلب" في الأدب والوجدان البشري، مما يجعله المعنى الأعمق لـ "الداخل في الإنسان" الذي لا يحده تصنيف ولا يقيده زمن.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

حادثة صادمة داخل بقالة… كاميرات المراقبة توثق تصرفات غير لائقة لرجل أربعيني

نيوز لاين | 357 قراءة 

الظهور الأول لنجل "هادي" الأصغر.. من هو "ياسر" الذي خطف الأنظار بجانب عمه؟

الوطن العدنية | 294 قراءة 

من هو ياسر عبدربه هادي؟ صورة نادرة لنجل الرئيس الراحل تثير تفاعلاً واسعاً

شمسان بوست | 290 قراءة 

يحيى صالح ينشر بيانا ناريا جديدا بشأن جريمة تفجير جامع دار الرئاسية ويتحدث عن الاطراف التي خططت ومولت ونفذت

المشهد اليمني | 265 قراءة 

طالبة تكشف تفاصيل صادمة عن اغتصابها داخل حرم مدرسة في تعز

نيوز لاين | 231 قراءة 

أخ في يافع وأخت في تل أبيب.. صورة تُنهي فراق 60 عاماً!

الوطن العدنية | 193 قراءة 

اغتيال ضابط في مديرية سيئون بمحافظة حضرموت

الميثاق نيوز | 161 قراءة 

برلماني يمني يكشف كواليس آخر لقاء مع هادي ومن الذي خذله فعلاً

نيوز لاين | 152 قراءة 

تفاصيل جديدة بشأن جريمة قتل بأمريكا تخص شاباً يمنياً متهم بقتل أسرته ومواطن آخر

الوطن العدنية | 130 قراءة 

صانع محتوى يمني ينجو من محاولة تصفية في صنعاء… تفاصيل اللحظات الحرجة

نيوز لاين | 127 قراءة