الدروز أبناء السر الذي نجا من صاحبه

     
بيس هورايزونس             عدد المشاهدات : 99 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
الدروز أبناء السر الذي نجا من صاحبه

لو اعترضت درزياً وسألته: هل أنت درزي؟، سيتفحص ملامحك أولاً كما لو كنت تنتمي إلى محكمة تفتيش جاءت متأخرة ألف عام ثم يجيبك: نحن أهل التوحيد. ليس ذلك التوحيد الذي يدرّسه الفقيه في الجامع ولا ذاك الذي يتباهى به المتكلمون في مجالس العقيدة. نحن أمام توحيد آخر غامض كقصيدة، عميق كمغارة أفلاطونية، أقرب إلى تمرين تأملي في معنى الإشارة لا في ظاهر العبارة. فالتسمية التي نحشرهم فيها “الدروز” ليست خيارهم، بل سقطت عليهم كما يسقط الاسم على مجهول الهوية في رواية كافكا.

أصل الحكاية أن داعية متهوراً اسمه محمد بن إسماعيل الدرزي قرر أن يسبق الوحي بخطوة ويعلن ما لم يُعلَن، فلفظته الجماعة واتهمته بالزندقة، ثم رمته خارج أسوارها كما يُرمى حجر في بئر نسيان. لكنه ومن سخرية التاريخ بقي الاسم الوحيد الذي التصق بهم كقدر لا فكاك منه. فمن طردوه بالأمس ورثوا اسمه اليوم. ربما هي لعنة الأسماء أو سخرية اللغة، أو لعله ثأر سردي من طائفة لم تشرح نفسها بما يكفي، ولم ترد على الخطاب التاريخي بغير الصمت والتقية.

“الأشياء العميقة تكره الوضوح” يقول نيتشه، ولعل هذا ما يفسر كيف ظل الدروز منذ تأسيس مذهبهم الباطني في أحضان الدعوة الفاطمية، كجملة غامضة في كتاب مفتوح، لا يفهمها إلا من عبر منطق الغموض إلى غموض المنطق. لا جنة في عقيدتهم ولا نار تهدد المارقين، لا ترهيب بالسواك ولا طمأنينة بلبن الجنة، لا فتاوى تقسم ظهر الذباب ولا صراخ في تفاصيل الطهارة، بل هناك “حدود خمسة” كأنها آلهة يونانية متنكرة، وهناك تأويلات باطنية تشبه زهوراً تفتحت في العتمة. هناك الفلسفة والرمز والهرمسية، وتوليفات روحية أعيت فقهاء الخطابة، وأربكت متعقبي العقيدة.

قرأوا أفلاطون أكثر مما قرأوا البخاري، وتأملوا في الإشارات كما يتأمل شاعر صوفي في بياض الصفحة. لا يقيمون شعائر التبشير ولا يفتحون باباً للالتحاق بجماعتهم، ليس من باب النخبوية بل لأن الطائفة عندهم ليست نادياً اجتماعياً بل مساراً باطنياً معقداً يبدأ من الولادة ولا ينتهي إلا بحمل “العقل الأول” ذاك السر الذي لا يُكتب بل يُعاش.

في زمن المذابح الطائفية والخطابات اللاهثة وراء السيطرة، اختار الدروز الانسحاب من المعركة. عاشوا في الجبال لا لأنهم رُحلوا قسراً ـ كما يحدث في الروايات الساذجة ـ بل لأنهم اختاروا العزلة كخيار ميتافيزيقي بعيداً عن صخب الحاكمية ودهاليز الإمامة. وحين كانت الإمبراطوريات الدينية تكتب خرائطها بالدم كانوا يرسمون خطوطهم بالحذر . وبين فوضى الخلافة وصمت التصوف اختاروا أن يكونوا “لا أحد” في عالم مكتظ بـ “الكل”.

إنهم كالماء في راحة اليد كلما ظننت أنك أمسكتهم أفلتوا، تاركين فيك إحساسًا بأنك لم تفهم شيئاً، وهذا بالضبط ما يريدونه. ديانتهم خريطة بلا إشارات، وسلوكهم كناية في عالم لا يفهم إلا التصريح. إنهم إهانة مكرّسة للعقل التبسيطي، وعبث ناعم بمفهوم الطائفة في زمن الجموع الصاخبة.

هل هم مسلمون؟ يقولون نعم. لكنهم مسلمون لا يظهرون في كتب الفقه، ولا يحضرون في قوائم الغزوات، ولا يرفعون شعارات الهوية. يشبهون الإسلام بقدر ما يشبه الضوء الشمس، شيءٌ من الأصل لكن لا يراه الجميع بنفس الطريقة. من لا يفهمهم يغضب منهم، ومن يحاول تفسيرهم يضل عنهم، ومن يريد ضمّهم يصطدم بجدار اللامبالاة.

الدروز  أو “أهل التوحيد” كما يسمون أنفسهم، هم باختصار تجربة فكرية خاضها التاريخ ثم نسي كيف يكررها.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

انفجار عنيف في منزل ‘‘الصبيحي’’ يودي بحياته فورًا وسقوط ضحايا آخرين

المشهد اليمني | 681 قراءة 

سياسي : وزير الدفاع تعهد بتشكيل لجنة تحقيق بإستبعاد أبناء هذه المحافظة من الكلية العسكرية

كريتر سكاي | 377 قراءة 

صحافي: لولا تواجد محمود الصبيحي لسقطت عدن وقصر معاشيق في خبر كان

عدن الغد | 338 قراءة 

أول وفاة في اليمن بسبب نظام الطيبات

الوطن العدنية | 254 قراءة 

الأوقاف اليمنية تحدد سقف أسعار برامج العمرة بهذا السعر وتتوعد المخالفين

الوطن العدنية | 242 قراءة 

ما وراء تهديدات ‘‘العليمي’’ بنزع سلاح مليشيا الحوثي؟ باحث سياسي يجيب

المشهد اليمني | 230 قراءة 

ملخص الضربات الأمريكية الإيرانية خلال الساعات الأخيرة

المشهد اليمني | 221 قراءة 

تفاصيل انفجار هائل هز العاصمة عدن فجر اليوم أعقبته انفجارات أخرى (صور وفيديو)

مراقبون برس | 206 قراءة 

الكشف عن أحد ضحايا انفجار معسكر الممدارة بعدن

كريتر سكاي | 203 قراءة 

معلومات عن انفجار معسكر الصولبان في عدن وحصيلة غير رسمية بالضحايا

مأرب برس | 188 قراءة