الجنوب بين الواقعية السياسية ووهم الانفعال الثوري

     
صوت العاصمة             عدد المشاهدات : 108 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
الجنوب بين الواقعية السياسية ووهم الانفعال الثوري

مشهد الجنوب اليوم لا يعيش معركة هوية بقدر ما يواجه اختبار وجودٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ وأمني، إذ لم تعد المسألة مجرد شعارات عن فك الارتباط أو الانفصال، بل معادلة بقاء في ظل واقع إقليمي متغير، وضغط اقتصادي خانق، ومشهد أمني تتنازع فيه القوى بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى.

إن من الخطأ الحديث عن قيادة الانتقالي وكأنها تُحكم بالحديد والنار على كامل الجغرافيا الجنوبية، فواقع الميدان يقول إن القدرة الإدارية والأمنية محصورة في نطاقٍ محدود، جوانب أمنية واعسكرية ، بينما الإيرادات والموارد السيادية تكاد تكون منعدمة. في مثل هذا الواقع، تصبح الدعوات لإسقاط المجلس بأسم الفشل أو إضعافه مغامرة سياسية ومغامرة أمنية قد تُعيد الجنوب إلى فوضى مفتوحة، واجتياحٍ محتملٍ من الحوثي أو عودةٍ صادمة لتنظيمات إرهابية ظنّ الناس أنهم طُووا صفحتها خاصة في بعض المدن مثل عدن.

تصريحات الرئيس عيدروس الزبيدي لم تكن قرارًا بالانفصال بقدر ما كانت مناورة سياسية لكسر الجمود وإعادة تعريف المعادلة. بلغة الدبلوماسية الهادئة، هو قال ما يجب أن يُقال: إن كان الشمال قد سلَّم أمره لواقع الحوثي، فمن حق الجنوب أن يُقرر مصيره وفق عملية سياسية متزنة، لا تفرضها البنادق فقط بل تحددها إرادة الشعوب.

إن الواقعية السياسية تقتضي أن الحفاظ على المجلس الانتقالي اليوم ليس تمسكًا بكيانٍ سياسي، بل ضمانة لبقاء ما تبقّى من توازن وأمن واستقرار. فالمجلس، رغم كل ملاحظاته وأخطائه، يُمثل الإنجاز الشعبي الوحيد الذي تمكّن من خلق بنية أمنية موحدة نسبياً في الجنوب، وسط محيطٍ مليء بالانقسامات والمشاريع المتناحرة.

إسقاط المجلس أو إضعافه لا يعني انتصار الديمقراطية، بل فتح بوابةٍ واسعة للفوضى، وتفكيك آخر ما تبقّى من مؤسسات قادرة على حمل السلاح ضد الفوضى والإرهاب. فالسياسة ليست لعبة “كل شيء أو لا شيء”، بل فن الممكن ومهارة إدارة التناقضات.

إن الجنوب لا يحتاج اليوم إلى خطابات تعبئة جديدة، بل إلى هندسة سياسية جديدة، تُوازن بين حلم الدولة وضرورات الواقع، بين الشرعية الشعبية ومتطلبات الأمن الإقليمي، بين لغة الثورة ومنطق الدولة.

فالحديث عن فك الارتباط أو الوحدة ليس هدفًا في ذاته، بل وسيلة لتحقيق استقرارٍ سياسي وسيادةٍ وطنية وعدالةٍ اجتماعية. وما لم يُدار هذا الملف بعقل بارد ليس منفعل ورؤية استراتيجية، فستتحول أحلام التحرر إلى كوابيس من الانقسام والدمار.

وفي الختام، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يحق للجنوب أن يفك ارتباطه؟

بل: هل يملك الجنوب اليوم مؤسسات قادرة على إدارة استقلاله دون أن يغرق في فوضى جديدة؟

الحكمة السياسية تقتضي ألا نخسر ما بين أيدينا من منجزات، وأن ندير ما نملك بذكاءٍ استراتيجي، لا بانفعالٍ ثوري. فالدولة لا تُبنى بالاندفاع، بل بالتخطيط، والتوازن، والتفويض المسؤول.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

عاجل:رفع لافتة ضخمة ضد السعودية ووصفها بالعدوان بعدن ماذا يحدث؟

كريتر سكاي | 1033 قراءة 

وفاة الميسري بجلطة دماغية

كريتر سكاي | 812 قراءة 

بالفيديو: لواء عسكري موال لعيدروس الزبيدي يهدد باقتحام قصر المعاشيق في عدن خلال المظاهرة القادمة

المشهد اليمني | 768 قراءة 

توضيح هام حول صرف الرواتب ولجان البصمة

عدن توداي | 638 قراءة 

صحيفة بريطانية تفضح ”عيدروس الزُبيدي” وتكشف سر يخفيه عن الجميع

الخليج اليوم | 638 قراءة 

«رئيسنا عيدروس»… ما الذي حدث داخل اجتماع وزارة الزراعة؟

موقع الجنوب اليمني | 604 قراءة 

قوات درع الوطن تحبط محاولة تخريب لشبكة الكهرباء بعدن

كريتر سكاي | 602 قراءة 

من كالتكس إلى رأس عمران.. تحقيقات تطال شبكة مرتبطة بعيدروس الزُبيدي

موقع الجنوب اليمني | 569 قراءة 

عاجل : السعودية تخصص 1.3 مليار ريال سعودي لتغطية رواتب موظفي الحكومة اليمنية

عدن الغد | 524 قراءة 

عدن دولة وإقليم مستقل.. مستشار في مجلس القيادة الرئاسي يكشف ملامح مشروع سيادي جديد

موقع الأول | 420 قراءة