الجنوب بين الواقعية السياسية ووهم الانفعال الثوري

     
صوت العاصمة             عدد المشاهدات : 120 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
الجنوب بين الواقعية السياسية ووهم الانفعال الثوري

مشهد الجنوب اليوم لا يعيش معركة هوية بقدر ما يواجه اختبار وجودٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ وأمني، إذ لم تعد المسألة مجرد شعارات عن فك الارتباط أو الانفصال، بل معادلة بقاء في ظل واقع إقليمي متغير، وضغط اقتصادي خانق، ومشهد أمني تتنازع فيه القوى بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى.

إن من الخطأ الحديث عن قيادة الانتقالي وكأنها تُحكم بالحديد والنار على كامل الجغرافيا الجنوبية، فواقع الميدان يقول إن القدرة الإدارية والأمنية محصورة في نطاقٍ محدود، جوانب أمنية واعسكرية ، بينما الإيرادات والموارد السيادية تكاد تكون منعدمة. في مثل هذا الواقع، تصبح الدعوات لإسقاط المجلس بأسم الفشل أو إضعافه مغامرة سياسية ومغامرة أمنية قد تُعيد الجنوب إلى فوضى مفتوحة، واجتياحٍ محتملٍ من الحوثي أو عودةٍ صادمة لتنظيمات إرهابية ظنّ الناس أنهم طُووا صفحتها خاصة في بعض المدن مثل عدن.

تصريحات الرئيس عيدروس الزبيدي لم تكن قرارًا بالانفصال بقدر ما كانت مناورة سياسية لكسر الجمود وإعادة تعريف المعادلة. بلغة الدبلوماسية الهادئة، هو قال ما يجب أن يُقال: إن كان الشمال قد سلَّم أمره لواقع الحوثي، فمن حق الجنوب أن يُقرر مصيره وفق عملية سياسية متزنة، لا تفرضها البنادق فقط بل تحددها إرادة الشعوب.

إن الواقعية السياسية تقتضي أن الحفاظ على المجلس الانتقالي اليوم ليس تمسكًا بكيانٍ سياسي، بل ضمانة لبقاء ما تبقّى من توازن وأمن واستقرار. فالمجلس، رغم كل ملاحظاته وأخطائه، يُمثل الإنجاز الشعبي الوحيد الذي تمكّن من خلق بنية أمنية موحدة نسبياً في الجنوب، وسط محيطٍ مليء بالانقسامات والمشاريع المتناحرة.

إسقاط المجلس أو إضعافه لا يعني انتصار الديمقراطية، بل فتح بوابةٍ واسعة للفوضى، وتفكيك آخر ما تبقّى من مؤسسات قادرة على حمل السلاح ضد الفوضى والإرهاب. فالسياسة ليست لعبة “كل شيء أو لا شيء”، بل فن الممكن ومهارة إدارة التناقضات.

إن الجنوب لا يحتاج اليوم إلى خطابات تعبئة جديدة، بل إلى هندسة سياسية جديدة، تُوازن بين حلم الدولة وضرورات الواقع، بين الشرعية الشعبية ومتطلبات الأمن الإقليمي، بين لغة الثورة ومنطق الدولة.

فالحديث عن فك الارتباط أو الوحدة ليس هدفًا في ذاته، بل وسيلة لتحقيق استقرارٍ سياسي وسيادةٍ وطنية وعدالةٍ اجتماعية. وما لم يُدار هذا الملف بعقل بارد ليس منفعل ورؤية استراتيجية، فستتحول أحلام التحرر إلى كوابيس من الانقسام والدمار.

وفي الختام، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يحق للجنوب أن يفك ارتباطه؟

بل: هل يملك الجنوب اليوم مؤسسات قادرة على إدارة استقلاله دون أن يغرق في فوضى جديدة؟

الحكمة السياسية تقتضي ألا نخسر ما بين أيدينا من منجزات، وأن ندير ما نملك بذكاءٍ استراتيجي، لا بانفعالٍ ثوري. فالدولة لا تُبنى بالاندفاع، بل بالتخطيط، والتوازن، والتفويض المسؤول.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

أول رد سعودي على إساءات شيخ مشائخ يافع بحق المملكة

المشهد اليمني | 487 قراءة 

تفاصيل ما حدث فجر اليوم في حضرموت.. هجوم بالمسيرات على مواقع عسكرية وحيوية والدفاعات الجوية تتدخل

المشهد اليمني | 451 قراءة 

إعلان هام من وزارة الخدمة المدنية لكافة موظفي الدولة

يني يمن | 288 قراءة 

سمكة خطيرة تقفز الى رقبة صياد يمني وتقتله.. تفاصيل

المشهد اليمني | 206 قراءة 

مقتل قائد عسكري في قوات “المقاومة الوطنية” بانفجار عبوة ناسفة في الخوخة جنوبي الحديدة

بران برس | 199 قراءة 

اول صورة لمقتل صياد عقب دخول سمكة بقلبه في الخوخة

كريتر سكاي | 187 قراءة 

البحرين تُفشل هجوماً إيرانياً بالصواريخ والمسيّرات وتعلن الجاهزية القصوى

حشد نت | 178 قراءة 

الكشف عن حقيقة وفاة والد الشهيد ابو اليمامة بعدن

كريتر سكاي | 171 قراءة 

تقرير | من “الرسي” إلى “الحوثي”.. كيف أعادت “الإمامة” إنتاج نفسها في ثوب جديد؟

بران برس | 169 قراءة 

العليمي يصدر توجيهات عاجلة بشأن الكهرباء والرواتب

المشهد اليمني | 156 قراءة