الجنوب بين الواقعية السياسية ووهم الانفعال الثوري

     
صوت العاصمة             عدد المشاهدات : 87 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
الجنوب بين الواقعية السياسية ووهم الانفعال الثوري

مشهد الجنوب اليوم لا يعيش معركة هوية بقدر ما يواجه اختبار وجودٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ وأمني، إذ لم تعد المسألة مجرد شعارات عن فك الارتباط أو الانفصال، بل معادلة بقاء في ظل واقع إقليمي متغير، وضغط اقتصادي خانق، ومشهد أمني تتنازع فيه القوى بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى.

إن من الخطأ الحديث عن قيادة الانتقالي وكأنها تُحكم بالحديد والنار على كامل الجغرافيا الجنوبية، فواقع الميدان يقول إن القدرة الإدارية والأمنية محصورة في نطاقٍ محدود، جوانب أمنية واعسكرية ، بينما الإيرادات والموارد السيادية تكاد تكون منعدمة. في مثل هذا الواقع، تصبح الدعوات لإسقاط المجلس بأسم الفشل أو إضعافه مغامرة سياسية ومغامرة أمنية قد تُعيد الجنوب إلى فوضى مفتوحة، واجتياحٍ محتملٍ من الحوثي أو عودةٍ صادمة لتنظيمات إرهابية ظنّ الناس أنهم طُووا صفحتها خاصة في بعض المدن مثل عدن.

تصريحات الرئيس عيدروس الزبيدي لم تكن قرارًا بالانفصال بقدر ما كانت مناورة سياسية لكسر الجمود وإعادة تعريف المعادلة. بلغة الدبلوماسية الهادئة، هو قال ما يجب أن يُقال: إن كان الشمال قد سلَّم أمره لواقع الحوثي، فمن حق الجنوب أن يُقرر مصيره وفق عملية سياسية متزنة، لا تفرضها البنادق فقط بل تحددها إرادة الشعوب.

إن الواقعية السياسية تقتضي أن الحفاظ على المجلس الانتقالي اليوم ليس تمسكًا بكيانٍ سياسي، بل ضمانة لبقاء ما تبقّى من توازن وأمن واستقرار. فالمجلس، رغم كل ملاحظاته وأخطائه، يُمثل الإنجاز الشعبي الوحيد الذي تمكّن من خلق بنية أمنية موحدة نسبياً في الجنوب، وسط محيطٍ مليء بالانقسامات والمشاريع المتناحرة.

إسقاط المجلس أو إضعافه لا يعني انتصار الديمقراطية، بل فتح بوابةٍ واسعة للفوضى، وتفكيك آخر ما تبقّى من مؤسسات قادرة على حمل السلاح ضد الفوضى والإرهاب. فالسياسة ليست لعبة “كل شيء أو لا شيء”، بل فن الممكن ومهارة إدارة التناقضات.

إن الجنوب لا يحتاج اليوم إلى خطابات تعبئة جديدة، بل إلى هندسة سياسية جديدة، تُوازن بين حلم الدولة وضرورات الواقع، بين الشرعية الشعبية ومتطلبات الأمن الإقليمي، بين لغة الثورة ومنطق الدولة.

فالحديث عن فك الارتباط أو الوحدة ليس هدفًا في ذاته، بل وسيلة لتحقيق استقرارٍ سياسي وسيادةٍ وطنية وعدالةٍ اجتماعية. وما لم يُدار هذا الملف بعقل بارد ليس منفعل ورؤية استراتيجية، فستتحول أحلام التحرر إلى كوابيس من الانقسام والدمار.

وفي الختام، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يحق للجنوب أن يفك ارتباطه؟

بل: هل يملك الجنوب اليوم مؤسسات قادرة على إدارة استقلاله دون أن يغرق في فوضى جديدة؟

الحكمة السياسية تقتضي ألا نخسر ما بين أيدينا من منجزات، وأن ندير ما نملك بذكاءٍ استراتيجي، لا بانفعالٍ ثوري. فالدولة لا تُبنى بالاندفاع، بل بالتخطيط، والتوازن، والتفويض المسؤول.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

اليمن : الانتقالي يسيطر على حضرموت وزيارة مرتقبة لعيدروس الزبيدي إلى المكلا

المشهد الدولي | 655 قراءة 

أول رد سعودي بشأن المستجدات في حضرموت

نيوز لاين | 586 قراءة 

توجيهات عاجلة لمحافظ حضرموت 

العربي نيوز | 405 قراءة 

مجندون يرفضون القتال في حضرموت ويتهمون الانتقالي بـ”خداعهم”

موقع الجنوب اليمني | 391 قراءة 

عاجل.. القبض على صناع المحتوى "الأكيلانس" بعد نشر فيديو تلوث المياه

العين الثالثة | 374 قراءة 

الكشف عن هوية القيادي المتورط باغتيال مسؤول أمني بارز في عدن

نيوز لاين | 335 قراءة 

البحسني يعلن تأييده للرئيس الجديد ويدعو الى هذا الامر بشان حضرموت

كريتر سكاي | 331 قراءة 

تصريح ناري لقائد المنطقة العسكرية الأولى بشأن أمن واستقرار حضرموت

بوابتي | 266 قراءة 

السعودية تعلن استئناف إصدار تأشيرة الزيارة العائلية المتعددة وتوضح موقف هذه الجنسيات العربية

نيوز لاين | 261 قراءة 

اكتشاف صادم ينقذ الالاف (صور)

العربي نيوز | 259 قراءة