كـش مَـلِك واليمن الواحد
قبل 1 دقيقة
من المعلوم في رقعة الشطرنج أنه بعبارة الـ " كش ملك" تنتهي اللعبة، لكن قواعد اللعبة وأصولها تحتم قبلها استنفاد كافة الوسائل الحمائية للحجر الأهم أو الأعلى قامةً وأغلى قيمةً فيها (وهو المَلِك)، فإعلان الـ (كش ملك) لا تكون إلا عند عدم القدرة عن الذود عنه، وانتهاء الخيارات الثلاثة التي يفترض باللاعبين أن يسلكوها، تلك الخيارات المتمثلة في : تحريك الملك من موقعه لمربع آمن أو إسقاط القطعة المهددة له أو التضحية بتقديم فداء يحول بين المهاجم وسقوط الملك، سيناريوهات ثلاثة وخطط دفاعية متعددة ينبغي أن تُبذل وبإخلاصٍ مشحون بحس المسؤولية، قبل الإعلان عن مصير الخسارة والسقوط على رقعة تلك اللوحة الخشبية
.
لكن في شطرنج الواقع اليمني يفتقد اللاعبون الفعليون على رقعة ترابه لقواعد وأصول المسؤولية الوطنية وتغيب عنهم إجمالاً مصالح شعبهم ووطنهم ولا يحضرهم إلا مصالح داعميهم الخارجيين من دول الإقليم، إذ يتم التلويح من قبل بعض الفرقاء وحكام الأرض غير الشرعيين، خصوم الشعب قطَّاع الجغرافيا، بالإنهاء الفعلي أو القولي ليمن الوحدة، بغية استفراد كل فِرقٍ منهم بما تحت يديه.
أليس من الأجدر لأؤلئك السَّاسة بَذْل المجهود في الحفاظ على تلك الوحدة العظيمة، المنجز الأقيم والأسمى في حياة اليمنيين، والمسطَّر بأحرفٍ من نور في تاريخنا الجيوسياسي الحديث، وبدلاً من التصريح بعبارة "كش ملك" أو التلميح عنها كناية من خلال الانغماس في مقتضياتها الفعلية لتمزيق التراب الوطني، عليهم الاستعاضة عن كل ذلك باستدعاء سيناريوهات الحلول التي من شأنها الحؤول دون تلك النهاية التي لن تضر إلا اليمن، ولن يكون الخاسر الوحيد فيها سوى اليمنيين، فالاتحاد قوة والتفرق ضعف، ولذا قيل: اليد الواحدة حتماً تعجز عن التصفيق.
في الحقيقة مثَّلت الوحدة الاندماجية بين شطري اليمن في الثاني والعشرين من مايو ١٩٩٠ منجزاً عظيماً تغنت به الدنيا، فضلاً عن اليمنيين أنفسهم الذين تمتعوا بخيرها وتذوَّقوا أمنَها وأمانها ولمسوا منجزاتها التنموية لأكثر من عقدين قبل أن تطل علينا أحداث الـ ١١ من فبراير ٢٠١١ لتصنع أول شرخ في النسيج المجتمعي، وتعقبه أحداث الـ ٢١ من سبتمبر ٢٠١٤ لتعمقَ ذلك الشرخ بل وكانت سبباً في تفريخ السلطة وانقسامها، ولتوسِّع أحداثُ الـ ٢٦ من مارس ٢٠١٥ الهوَّة أكثر بين صنعاء وعدن.
ما يحز في النفس أنَّ خطواتنا للأسف ومنذُ عقدٍ من الزمان لم تعد تعرف إلا السَّير للوراء بدلاً من التقدم، وأيادينا صارت مِعولَ هدمٍ وخراب لِبُنَـانا التحتية لا رافعةَ بناءٍ وتشييد، وكل شي في حياتنا بات معكوساً يسير على غير هدى دول العالم من تنمية وعُمران وتشييد وازدهار وأمن وأمان وتوافر مختلف الخدمات الخدمية والصحية والتعليمية. إذا راجعنا حساباتنا وتأمَّلنا ولو قليلاً سنجد أنَّ سببَ ذلك الشقاء كله كان مبدأه التفكير في إضعاف بنيان الدولة وإسقاط سلطتها الشرعية المُكتسِبة لمشروعيتها من صنادق الاقتراع المعبرة عن إرادة شعوبها، واستعاضتنا عنها باختلاق أفكارٍ خارج الصندوق تعتمد القفز عليه كمنهج للاستحواذ على السلطة وشرعنتها، الأمر الذي أفقد الدولة استقرارها ليتآكل نظامها وبنيانها من الداخل ولينعكس ذلك بالتخلخل والترهل على رباط الثاني والعشرين من مايو كنتيجة حتمية لذلك التآكل وعدم الاستقرار.
لا زالت لدينا فرصة اليوم لمراجعة حساباتنا، ولملمة جراحاتنا، وشد رباط الوحدة وعدم السَّماح بانفلاته وتمزيقه بمشاريع ضيقة هنا أو هناك ذات طابع طائفي أو مناطقي أو انفصالي، فالالتفاف حول مشروع وحدتنا العظيمة التي أرساها ساسة ال ٢٢ من مايو ١٩٩٠ هو الضامن لعودة الأمور إلى نصابها، والدولة إلى استقرارها، والمحبة والألفة إلى قلوب الشعب، والأمن والأمان إلى ربوع كافة تراب الوطن، ولنغلق الباب أمام كل مزايد يتغنى بما آلت إليه البلاد اليوم، يتحيَّن الفرصة لقضم جزءٍ من الدولة هنا أو هناك ليستفرد بحكمها ويبسط عليها نفوذه، مستخدماً كل وسائل التمكين والقهر من أجل ذلك، الأمر الذي يُبقي جذوة الصراع مشتعلةً لا تنطفي.
ولن تنطفئ جذوة الصراعات إلا بإعلاء راية الثاني والعشرين من مايو، والحفاظ على منجزها التاريخي الذي احتضنت فيه صنعاء عدن وتعانقا، وانصهرت في بوتقته كل مشاكلنا، وتهدمت حواجز التشرذم والفُرقة، وانبعث منه أمل التقدم والإزدهار والتفرغ للتنمية الحديثة، وغَدَا عِيداً وطنياً يُحتفَى به ويُشار له بِالبنان في كل أصقاع المعمورة، كيف لا، وهو تاريخ ميلاد إعلان "الجمهورية اليمنية" برقعتها الجغرافية الملتحمة وسلطاتها المنصهرة، ومؤسساتها المندمجة ومشاريعها التنموية، وصراعاتها الصفرية- إلا ما ندر، وعَلَمها الواحد وشعبها الموحَّد، ورئاستها الحاكمة بشرعية شعبية، مصدرها الصندوق ومظلتها الدستور.
فلتُحظر عبارة "كش ملك" على وحدة يمن الثاني والعشرين من مايو المجيد، ولتُفعَّل الوسائل الحمائية لذلك المنجز العظيم، وإن كان ولا بد من عملية تحديث، فلا بأس من إعادة صياغة شكل الوحدة بنسخة محدَّثة تتلاءم ومتغيرات الواقع، لكن بسيناريو يمنع سقوطها أو الإخلال بمضامينها، فعقد الوحدة إذا انفرط جزء منه ستتداعى بقية أجزائه بالتساقط تباعاً، وسيكون البديل كانتونات متصارعة سيهجرها الاستقرار إلى غير رجعة، ولعل واقعنا المعاش اليوم لهو خير دليل على بداية ذلك التشرذم عندما بدأت تتعالى بعض الأصوات النشاز بنبذ الوحدة.
وختاماً، نصيحة صادقة نهديها إلى فرقاء السياسة اليمنية وصنَّاع القرار فيها: أخلصوا لرقعة ترابكم الوطني واحفظوا مصالح شعوبكم وأمِّنوا منجزات بلادكم والوحدة أعظمها وأسماها، ولا تكونوا أقلَّ شرفًا وإخلاصًا وصدقًا وشجاعةً من البيادق الخشبية فوق رقعة الشطرنج تضحي بنفسها إن دعت الضرورة لحماية أسمى قطعةٍ رمزيةٍ فيه.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news