بين الإهمال وابتزاز الحوثيين.. مرضى الفشل الكلوي في إب يواجهون الموت البطيء (تقرير)
برّان برس - وحدة التقارير:
في ليلة رمضانية قارسة البرودة، انطلق محمود صالح (35 عاما) من منزله بمديرية بعدان، نحو مركز صحي خاص في محافظة إب (وسط البلاد)، حاملاً بين ذراعيه طفله الصغير الذي يقاسي فشلًا كلويًا يهدد حياته.
سابقًا، كان “محمود”، وهو أب لثلاثة أطفال، يذهب بولده إلى مركز الغسيل الكلوي التابعة للمستشفى الثورة الحكومي بالمحافظة، قبل أن يتعطل بسبب “الإهمال” ويجد نفسه في مواجهة مأساة تفوق قدرته على التحمل.
يقول “محمود”، والدموع تغمر عينيه، إن رمضان هذا العام تحوّل إلى شهر الألم والعجز، مضيفًا لـ“بران برس”: سابقاً كنت أخذ ولدي إلى المستشفى الحكومي لإجراء الغسيل مجانًا، لكن الآن حتى الجلسة الواحدة في مستشفى خاص تحتاج إلى مبلغ لا أملكه”.
أداة تطويع
كلمات “محمود” ليست مجرد شكوى لأب معدم مفجوع بطفله، بل صراخ مئات المرضى الذين وجدوا أنفسهم رهن قطاع صحي متهالك حوّلته جماعة الحوثي المصنفة عالميًا بقوائم الإرهاب، من قطاع خدمي إلى مؤسسات تجارية وأداة سياسية لإخضاع المجتمع.
مصادر طبية قالت لـ“بران برس”، إن جماعة الحوثي تتجاهل مناشدات المرضى وذويهم المتكررة، وترفض تأهيل وفتح مركز الفشل الكلوي بمستشفى الثورة، وكأنها تستخدم المرضى في المناطق الخاضعة لسيطرتها كـ“رهائن”.
المصادر أشارت إلى أن الموقف “اللاإنساني” لجماعة الحوثية يضع حياة المرضى في خطر، فمع مرور كل يوم يصبح إنقاذهم تحديًا يفوق قدرة الفقراء، فالمستشفيات الخاصة تتطلب مبالغ طائلة لا يملكها المرضى أو ذويهم.
هذا الوضع جعل “محمود”، أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما ترك ولده يصارع الموت، أو الغرق في دوامة الديون.
حكم بالإعدام
بدورها، أكدت منظمة “رصد” للحقوق والحريات، توقف مركز الغسيل الكلوي بمستشفى الثورة بمحافظة إب، واصفة استمرار إغلاقه بأنه “حكم بالإعدام مع سبق الإصرار”، متهمة الحوثيين بتحويل معاناة مرضى الفشل الكلوي إلى “ورقة ابتزاز”.
وقالت المنظمة الحقوقية في بيان نشرته أواخر فبراير/شباط الماضي، إن الجماعة تعمّدت تسريح الموظفين بعد قطع رواتبهم ما أدى لتوقف المحطة الرئيسية للمركز متسببة بوفاة عدد من المرضى.
من بين المرضى الذين توفوا نتيجة توقف المركز الشاب عمرو نعمان راجح، ووفق منظمة رصد، فإنه قبل وفاته كان قد ناشد الحوثيين بفتح المركز وإنقاذ مئات المرضى المحتاجين لجلسات الغسيل الدورية الحتمية.
وحمّلت “رصد”، جماعة الحوثي المسؤولية المباشرة عن هذه “الجريمة الممنهجة”، داعيةً لتدخل دولي عاجل لإنقاذ حياة المرضى، متهمة الجماعة بالمتاجرة بمستلزمات الغسيل الكلوي في السوق السوداء في الوقت الذي يواجه المرضى الموت.
استهداف ممنهج
الدكتور نزار عبده، أحد العاملين بمركز الغسيل الكلوي في مستشفى الثورة بإب، اتهم الحوثيين باتباع “سياسة ممنهجة تستهدف الكادر الطبي، تبدأ بتخفيض الرواتب، ثم تُجبر الأطباء والموظفين على العمل لساعات طويلة بأجور زهيدة، وصولًا لقطع الراتب نهائيًا لدفعهم لترك الوظيفة.
وأضاف لـ“بران برس”، أنه في منتصف العام الماضي قطعت الجماعة الراتب نهائيًا ما دفعهم إلى ترك وظائفهم بحثًا عن مصدر رزق آخر، وبهذا تحقق هدفها بتفريغ المستشفيات من كوادرها وترك المرضى يواجهون مصيرهم.
لسنوات طويلة كان "نزار"، موظفًا في المركز، يهبّ لإنقاذ المرضى الذين يحتاجون إلى جلسات غسيل دورية للبقاء على قيد الحياة، لكنه في الأشهر الأخيرة، أصبح شاهداً على مأساة تتفاقم يوما بعد آخر.
يقول "نزار"، إن النقص الحاد في المستلزمات الطبية، والتأخير المتعمد في توريد المواد الضرورية جعل إنقاذ المرضى مهمة شبه مستحيلة.
وأوضح أن العمل في المركز توقف بسبب نفاذ المستلزمات والأدوية الخاصة بمرضى الفشل الكلوي، إضافة إلى تعطل محطة الغسيل الكلوي، وهي وحدة متخصصة بتوفير المياه النقية والمعقمة اللازمة لعمليات غسيل الكلى، وتعد من المكونات الأساسية لمراكز الغسيل.
تراكم الحالات وتزايد المعاناة
وفق المصادر الطبية التي تحدثت لـ"بران برس" شريطة عدم الكشف عن اسمها لدواع أمنية، فإن مركز الغسيل الكلوي بمستشفى الثورة في إب، هو المركز الرسمي الوحيد بالمحافظة، ويستقبل أيضاً مرضى من محافظات تعز والحديدة والضالع، مما يزيد حجم التحديات والمعاناة أمام المرضى.
الدكتور "نزار"، أن توقف المحطة يؤدي إلى تقليص ساعات الغسيل المخصصة للمرضى، مما يتسبب في تراكم الحالات وزيادة معاناتهم الصحية، مبينا أن المركز يقدم جلسات الغسيل لـ755 مريضًا بواقع 70 جلسة يوميًا، مما يشكل ضغطًا هائلًا على الإمكانيات المتاحة نظرًا لعدم توفر المستلزمات المخصصة للمرضى.
وعبّر عن سخطه من الوضع قائلًا: لم يعد الطب هنا مهنة إنسانية بل تحول إلى أداة للابتزاز، متهمًا المسؤولين بأنهم لا يريدون للمستشفيات أن تنقذ الأرواح بل منشآت تجارية تدرّ عليهم الأرباح حتى لو كان الثمن الفقراء.
بين الألم والموت
في ردهات المركز، يرقد محمد الشعيبي (30 عامًا)، منهكًا لا من المرض فحسب، بل من قسوة الظروف التي أحاطت به. وجهه الشاحب وعيناه الغائرتان تحكيان قصة معاناة لا يدرك عمقها إلا من اكتوى بنارها. تحوّلت حياة هذا الشاب إلى سلسلة مواعيد مؤلمة ينتقل فيها بين محطات الوجع واليأس مع كل جلسة غسيل.
قال الشعيبي لـ“بران برس”، إن المحطة الحالية غير صالحة للعمل، كل يوم يقولون لنا إنهم سيصلحونها لكنها تبقى كما هي. مضيفًا: الضغط على المركز هائل، نحن نتألم من الغسيل، ونتألم أكثر من توقف المحطة لأن الغسيل لم يعد كما ينبغي، لكن لا حياة لمن تنادي، ولا أحد يهتم لمأساتنا.
وتحدث "الشعيبي" عن معاناته جراء تعطل المحطة، موضحًا أن الجلسات لم تعد تُجرى بالكفاءة المطلوبة، وقال إن المياه الملوثة أو غير المعقمة تزيد من الالتهابات. معبرًا عن أسفه أن الغسيل الذي يفترض أن يكون طوق نجاة أصبح معاناة أخرى تضاف إلى معاناتنا.
وبالإضافة إلى ذلك، قال إن فترات الانتظار تطول والضغط على الأجهزة القديمة يجعل كل جلسة وكأنها مقامرة بين الحياة والموت.
ولخّص الحال قائلًا: ذهابنا إلى المركز أشبه برحلة إجبارية نحو الألم، نعرف مسبقًا أن جلسة الغسيل لن تكون مريحة وأن أجسادنا ستخرج من الجهاز أكثر إنهاكًا، إلا أننا لا نملك خيارًا آخر، لأن البديل الوحيد هو الموت.
وعود زائفة
في سبتمبر/أيلول 2021، كانت جماعة الحوثي قد أعلنت اعتماد مبلغ 350 ألف دولار لمركز الغسيل الكلوي، بما فيها شراء محطة وأجهزة وأدوية على نفقة هيئة الزكاة.
إلا أن المصادر الطبية قالت إن تلك الوعود لم تكن سوى جزء من سياسة التضليل التي تنتهجها الجماعة، مؤكدةً أنه لم يتم تنفيذ تلك الوعود، وظل المرضى في مواجهة الموت البطيء بسبب نقص العلاجات والمعدات الطبية.
الدكتور عبده اليوسفي، بدوره استنكر مضي 4 سنوات على وعود الجماعة بشأن مركز الغسيل الكلوي. وقال إن المركز يعاني منذ أشهر من انعدام الأنسولين، ولم يستطيعوا حتى توفيره، متسائلًا كيف لهم أن يوفروا محطة غسيل؟.
وأضاف في حديث لـ"بران برس"، أن الحوثيين يكررون الوعود نفسها، لكنهم لا يوفرون للصحة أي اعتمادات، ولا يوفرون رواتب الموظفين، بينما ينفقون المليارات على الصور، والإعلانات، والشعارات، والأعياد والمناسبات الخاصة بهم.
ولا يقتصر الأمر على مركز الغسيل الكلوي فحسب، فالمصادر الطبية تحدثت عن حالة الفساد والنهب المنظم للقطاع الصحّي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وكيف حوّلته إلى استثمارات خاصة وأداة لعقاب المجتمع.
مركز الغلسيل الكلوي بإب
انتهاكات الحوثيين
مرضى الفشل الكلوي
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news