لماذا كفرت الشعوب بالوطن والوطنية؟

     
عدن توداي             عدد المشاهدات : 119 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
لماذا كفرت الشعوب بالوطن والوطنية؟

مقال ل.ـفيصل القاسم

«ليت الشيطان الرجيم يأتي ويحكمنا بدل هذا الرئيس أو هذه العصابة. والله حتى الشياطين أفضل من هذا النظام. آه لو يعود الاستعمار ذات يوم. كم نتمنى لو أن يأتي الأعداء ويحتلونا كي نتخلص من هذه الأنظمة». هذه مجرد عيّنة تسمعها اليوم في العديد من الدول العربية، وخاصة في الديكتاتوريات العسكرية التي ثارت الشعوب عليها، ولم تنجح في اقتلاعها حتى الآن، لأن تلك الديكتاتوريات، كما اكتشفنا متأخرين هي ضرورة استراتيجية لضباع العالم، أو بالأحرى بمثابة «كلاب صيد» تسحق شعوبها وتدمر بلادها وتنهب خيرات وثروات أوطانها لصالح مشغليها في الخارج المعروفين للقاصي والداني. لم تعد الشعوب تخجل مطلقاً من تفضيل العدو الخارجي على العدو الداخلي الذي يسمي نفسه زوراً وبهتاناً «حاكماً وطنياً». لا شك أن الباحث سيهرش رأسه وهو يسمع ملايين العرب اليوم وهم يعترفون بأنهم باتوا يحلمون بعودة المستعمر، لا بل إن بعض الشعوب خرجت ذات يوم لاستقبال رئيس أوروبي كان بلده يوماً يحتل بعض البلدان العربية، والغريب أن الناس هناك استقبلوه بحفاوة بالغة، وطالبوه بأن يفتح أبواب بلده لهم كي يهاجروا إلى ديار المستعمر القديم، وأن يزيد عدد التأشيرات التي يمنحها لشعوب المستعمرات القديمة. من المؤسف أن الشعوب قدمت ملايين الشهداء وضحت بالغالي والنفيس لتحرير بلادها من رجس المستعمر، لكنها صارت اليوم تترحم وتتحسر على أيام الاستعمار الخوالي بعد أن اكتشف أن المستعمر على علاته كان أرحم بكثير من كلابه المحليين الذين تركهم وراءه كي يستمروا في التسلط على الشعوب نيابة عنه.

لقد نجحت أنظمة الظلم والطغيان، وخاصة العسكرية منها في جعل الشعوب تكفر بالوطن والوطنية، بحيث صارت كلمة «وطني» كلمة بغيضة ومدعاة للسخرية والتهكم، وصار الملايين يفككون مفهوم «الوطن» ويعيدون تعريفه، فكيف نسميه وطناً وهو يسومنا سوء العذاب والتنكيل ليل نهار، يتساءل ملايين العرب اليوم؟ كيف ندافع عن وطن يطردنا ويجوّعنا ويقمعنا ويدوسنا ويحرمنا من أبسط حقوقنا، بينما تحول جنرالاته وطغاته إلى عصابات من اللصوص والمجرمين والقتلة الذين لا هم لهم سوى القمع والتجويع والإفقار ونهب البلاد والعباد. ولطالما قرأنا على مواقع التواصل الاجتماعي مقولة الاقتصادي الأمريكي الشهير ميلتون فريدمان الذي قال ذات يوم: «إذا وضعت حكماً عسكرياً على رأس السلطة ليحكم الصحراء الكبرى، ففي غضون بضع سنوات ستجد عجزاً في الرمال». دلوني على جمهورية عسكرية في العالم العربي لم تصبح أرضاً خراباً، وبات أهلها يستنجدون بالشياطين لإنقاذهم من براثن حاكميها؟

اسأل الشعوب في البلدان التي تحتلها الميليشيات والعصابات والأنظمة العسكرية: هل تتمنون لو أن أية قوة خارجية تأتي وتحتلكم وتحكمكم حتى لو كانت عدوة؟ لا شك أنك ستتفاجأ بالأجوبة. ولو تعجبت من تلك الإجابات الصادمة سيسألونك فوراً: ما الذي أجبرك على المُر سوى الأمر منه؟ لهذا مثلاً ثارت ثائرة ملايين السوريين في الشمال عندما سمعوا عن مفاوضات قادمة بين تركيا والنظام قد تنتهي بتسليم الأراضي التي يسيطر عليها الأتراك إلى النظام. لم تعد كلمة «وطني» و«وطنية» و«وطن» تعني أي شيء للسوريين وملايين العرب غيرهم، لهذا هم مستعدون أن يعيشوا تحت سيطرة أي قوة غير محلية، لأنها مهما كانت ظالمة لن تكون بظلم ووحشية نظامهم. ولو أجريت استفتاء سرياً في أنحاء أخرى، وسألت الناس: هل تقبلون لو احتل العدو أرضكم وحكمكم، ستتفاجأ بأن الغالبية الساحقة ستصوت بنعم للأجنبي، وهو أمر محزن ومخجل جداً، لكن سيردون عليك بالقول: قارن ماذا فعل الأجنبي بنا وببقية أشقائنا العرب، بما فعله هذا النظام أو ذلك بنا. كم قتل العدو الخارجي وشرد حتى الآن؟ خمسين ألفاً، مائة ألفاً؟ كم هجّر؟ مليوناً مليونين؟ كم بيتاً دمر؟ ألف بيت، ألفين، ثلاثة آلاف؟ دعني أقول لك إن نظامنا الوطني المزعوم دمر ملايين البيوت، وقتل واعتقل الملايين، وهجر أضعافاً مضاعفة. فمن هو الأفضل في هذه المقارنة الهمجية؟ من سيفوز بهذا السباق الوحشي؟ رئيسنا (المفدى) طبعاً.

لاحظوا كيف تغير مفهوم الوطن تماماً؟ لم تعد الشعوب مهتمة بالحفاظ على وحدة أرضها مطلقاً، ولا بأس أن تتقسم الأوطان إلى دويلات وكانتونات، فما فائدة أن تعيش في وطن كبير مسحوقاً ومدعوساً، فليذهب الوطن الكبير في ستين ألف داهية وليتقسم إلى ألف قطعة طالما أن القطعة التي سأعيش فيها ستحفظ لي كرامتي ولقمة عيشي.

لكن المحزن جداً أن ملايين العرب الذين يحلمون بتقسيم بلدانهم وعودة الاستعمار والاحتلال يجب أن يعلموا أن أحلامهم بعيدة المنال، فلا يحلمن أحد منكم أن الأعداء مستعدون لاحتلال بلادكم وحكمكم. لا أبداً. مستحيل، فالمستعمرون لا يستطيعون أن يحققوا إذا حكمونا بشكل مباشر ربع ما يحققه لهم كلاب صيدهم الذين نسميهم «حكاماً وطنيين» فكلب الصيد أشد وطأة علينا من الصياد بعشرات المرات، فلماذا يلوث الصياد يديه ويجهد نفسه باحتلالنا إذا كان كلابه يحققون له أضعاف ما يريد من تنكيل وتهجير وقتل وفساد وإفساد ونهب وسلب وتخريب وتدمير؟

إن أخطر ما أنتجته أنظمة الظلم والطغيان على مدى السنوات الماضية أنها دمرت الانتماء والشعور الوطني لدى ملايين العرب، وهو ما يريده مشغلوها الذين سلطوهم على الشعوب. والأنكى من ذلك أن الكثير من الناس اليوم لم يكفروا فقط بالوطنية والوطن والحاكم الوطني، بل سقطت في أعينهم كل المقدسات الوطنية، وبينما ساهم الاستعمار بتوحيد الصفوف وشحذ الهمم والمشاعر الوطنية لطرده، ها هم اليوم وكلاء المستعمر يدمرون النسيج الوطني ويدقون ألف إسفين وإسفين بين مكونات الوطن ويحولونه إلى ملل ونحل متصارعة، فهل نحتاج إلى أعداء بوجود هؤلاء «الحكام الوطنيين» المزعومين

شارك هذا الموضوع:

Tweet

المزيد

Telegram

معجب بهذه:

إعجاب

تحميل...

مرتبط

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

توقيع اتفاق سعودي يمني جديد في الرياض

نيوز لاين | 473 قراءة 

حريق هائل في مطار دبي عقب هجوم بطائرة مسيرة... والسلطات توضح - (فيديو)

بوابتي | 394 قراءة 

هاني بن بريك يدلي بشهادة ”لله وللتاريخ“ بشأن دور السعودية في تحرير عدن

بوابتي | 390 قراءة 

عدن تشهد لأول مرة رفع صورة قيادي انتقالي بدلاً عن عيدروس الزبيدي

نيوز لاين | 377 قراءة 

اتفاق سعودي اماراتي حاسم 

العربي نيوز | 326 قراءة 

قادة الصف الاول تحت أعين الأمريكان ونفاذ مخازن السلاح.. حوثيون يكشفون سر عدم دخولهم الحرب

نافذة اليمن | 313 قراءة 

عاجل: قوة أمنية تنزل صورة عيدروس الزبيدي من ساحة العروض بعدن

كريتر سكاي | 257 قراءة 

كيف مات؟ وفاة الإعلامي جمال ريان أول مذيع أطل عبر شاشة الجزيرة

عدن نيوز | 242 قراءة 

عاجل:البنك المركزي يصدر قرار حاسم بشان فئة ١٠٠ ريال الجديدة بعدن

كريتر سكاي | 241 قراءة 

لهذه الأسباب قد تطول حرب إيران

شبكة اليمن الاخبارية | 202 قراءة