بوصلة ‘‘استعادة الدولة’’

     
المشهد اليمني             عدد المشاهدات : 187 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
بوصلة ‘‘استعادة الدولة’’

منذ خروج معظم القيادات اليمنية من البلاد رفعت السلطات "الشرعية" شعار "استعادة الدولة" عنواناً لكل تحركاتها غير المجدية حتى الآن، ولكل أنشطتها وخطابها الإعلامي. وركزت جهودها لإقناع المواطنين بأنها تسعى لتصبح أمراً واقعاً يلتف الناس حوله.

لكن ما يدور فعلياً في الرقعة الجغرافية التي تدعي "الشرعية" هو أنه تحت سيطرتها جرى استنزاف هذا الشعار وقمعه، ولم تتمكن من ترك انطباع إيجابي عند المواطنين بأن تحسناً ملموساً طرأ على أدائها منذ إخراج الحوثيين من عدن في يوليو (تموز) 2015. وكما لم يحدث التغير الذي توقعه البعض في السابع من أبريل (نيسان) 2022 حين قرر الرئيس عبدربه منصور هادي التخلي عن كامل صلاحياته "من دون رجعة" وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي بديلاً عنه.

إن مفهوم "استعادة الدولة" يستدعي فهم معانيه وأهدافه وسبل تحقيقه، والواقع الذي يشعره المواطنون لا يقترب منه مطلقاً، وواضح أن "الشرعية" فقدت بوصلتها لانشغالها في حل النزاعات والخلافات بين مؤسساتها، والخضوع لطلبات القادرين على انتزاعها.

بداية فإن "استعادة الدولة" تعني أن هناك "دولة" خُطفت، بينما الواقع يقول إن اليمن كان دوماً محكوماً بمؤسسة الرئاسة، ولذا فإن ضعف السلطة أو قوتها ما هو إلا انعكاس لقوة الشخص الذي يقف على قمتها. وهكذا كانت قوة السلطة ومكانتها طوال عهد الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، على سبيل المثال، مرتبطة باعتماده على نخبة حقيقية من الفنيين والساسة، لم ينغمس أغلبهم في الفساد وكانوا قادرين على إسداء النصح الصادق، وأيضاً مرتبطة بقدرات الرجل وحنكته. والحال نفسه تنطبق على حكم الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي، وقبله القاضي عبدالرحمن الإرياني، رحمهم الله جميعاً.

وهكذا فإن الحديث المتكرر عن "استعادة الدولة" ليس أكثر من نثر كلام لا يمت بصلة إلى الحال اليمنية، ولا يجوز أيضاً التلميح إلى وجود دولة عميقة، لأنه لو كان الأمر صحيحاً لما سقط البلد والمجتمع بسهولة هائلة في يد قوة شابة جامحة بعقيدة متصلبة، لا تؤمن بالمؤسسات ولا تريد الاعتراف بالدور المناط بها لخدمة الناس.

وإذا ما افترضنا جدية القائلين بـ"استعادة الدولة"، بحسب فهمهم للفكرة، فإن التساؤلات تقفز إلى الأذهان عن القدرات الفردية والجماعية للأشخاص الموكل إليهم أداء مثل هذه المهمة، وإن كانوا فعلاً يعملون بصدق من أجل بلوغها، وهل هم حقيقة مقتنعون بها أم أن الأمر لا يتعدى إطلاق شعارات وإلهاء الناس عن العجز الفاضح في الوصول إلى الغاية المنشودة وهي ما يسمونه "إنهاء الانقلاب".

إن الصراع الدائر اليوم في اليمن غير مرتبط بمفهوم الدولة أو استعادته، إنما يتلخص في عجز كل الأطراف عن خلق نموذج يرتضيه الناس ويناضلون من أجله، ذاك أن ما يشاهده الجميع يتحدث عن عدم وجود رؤية وطنية جامعة لما تبتغيه سلطتان فشلتا في إقناع الناس بأحقيتهما في إدارة الشأن العام مما ولَّد مناخاً من انعدام الثقة بهما بلغ حد اليأس.

إن الوصول إلى تثبيت فكرة "استعادة الدولة" عند الناس تنطلق في عمقها بالسعي إلى إيجاد سلطة جادة نزيهة تُسير الشأن العام وقادرة على الأداء، وذلك لن يتحقق إلا برضا الناس عن أشخاصها وأفعالها ونشاطها وإنجازها. وإذا ما تجرد المرء من حساباته الشخصية فإنه اليوم سيقف أمام مشهد كئيب وساخر لا يقدم أجوبة عن كيفية تحقيق متطلبات وتخفيف هموم المواطنين، وتتحكم به قيادات منشغلة في أمور لا تحمل أي أهمية وطنية وليس لها صفة الاستعجال.

ربما تمكنت السلطة التي تنادي منذ تسعة أعوام بشعار "استعادة الدولة" من الاقتراب من رغبات المواطنين إذا ما هي اقتنعت بواجبها الوطني والأخلاقي في العمل من داخل البلاد، وفي حال تخلت قياداتها عن الصغائر والتزمت نصوص القوانين والدستور، وضربت المثل في الحرص على المال العام، وابتعدت عن الارتهان الكامل للمصالح الخاصة.

إن ما يدور اليوم ليس أكثر من سباق محموم بين شخصيات قفزت بها الصدف إلى الصف الأول من السلطة، تلهث جميعها خلف الأضواء والكاميرات لحيازة مساحات أكبر في وسائل الإعلام وإطلاق الوعود والمشاريع، وتقاسم أي موارد يمكنهم الوصول إليها. وذلك كله يوسع الهوة بينهم وبين المواطنين، ويفاقم من النظرة السلبية تجاههم، ويؤدي ذلك إلى مزيد من نفور الناس وعدم التمسك بها والدفاع عنها، ولا يتبقى معها إلا قلة من المنتفعين الذين اعتادوا الالتصاق بأية سلطة يدافعون عنها لحماية مصالحهم الشخصية المرتبطة ببقاء الفساد والكسل والهرب من مواجهة الواقع والناس.

إن استمرار الحديث عن شعار "استعادة الدولة" يتطلب الحرص على مفهومها والتزام العمل بقواعدها وآلياتها، وذلك كي يقتنع الناس بجدية الداعين إليها، فيما أن كل ما يلمسه الموطن هو العجز المتزايد عن إظهار الجدية وعدم وضوح المشروع، وما يدور أمام أعين الجميع ليس إلا إمعاناً في العبث بالوقت والمال والجهد، وابتعاداً عن المهمات المطلوب إنجازها. ويستطيع المتابع تبيّن العجز الفاضح، والانشغال المفرط بما لا يفيد، والتهرب من مواجهة المسؤولية.

"السلطة" هي ركن أصيل من أركان الدولة، ولما كانت السلطتان الحاليتان في عدن وصنعاء قد فشلتا في إقناع الناس بأحقية ونزاهة القائمين عليها، فإن الحديث عن "استعادة الدولة" في عدن والتشبث بها في صنعاء أقرب إلى الهزل والخفة السياسية.

*إندبندنت

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

عاجل.. اطلاق صافرات الانذار في دولة خليجية ودعوة المواطنين التوجه لاقرب مكان آمن

بوابتي | 375 قراءة 

التحالف يعيّن مستشاراً جديداً في عدن.. وترتيبات لدمج قوات طارق صالح وتسليم مواقع المخا وباب المندب

نيوز لاين | 321 قراءة 

مركز الفلك الدولي يكشف مفاجأة حول عيد الفطر في عدة دول

نيوز لاين | 315 قراءة 

دعوات لمقاطعة دعوة ابوزرعة المحرمي وعيدروس الزبيدي كونهم لم يشاركوا بتحرير عدن

كريتر سكاي | 309 قراءة 

عاجل:وصول قائد امني بارز الى عدن

كريتر سكاي | 307 قراءة 

لقاء تشاوري في الرياض يناقش مشروع الأقاليم الاتحادية ومستقبل الجنوب

بوابتي | 275 قراءة 

محافظ حضرموت يترأس الاجتماع الاعتيادي للمكتب التنفيذي بساحل حضرموت ويستعرض أبرز الإنجازات والتحديات

باب نيوز | 269 قراءة 

عميد كلية اللغات بجامعة عدن يشارك في فعالية حول اتخاذ القرار الجماعي

عدن الغد | 249 قراءة 

ازدحام شديد بساحة التحرير بصنعاء بعد الفجر

كريتر سكاي | 246 قراءة 

تعيين مستشار جديد للتحالف في عدن.. والشهراني يشرع في دمج قوات ‘‘طارق صالح’’ وتحركات لتسليم مواقعها في المخا وباب المندب

المشهد اليمني | 246 قراءة