يشهد اليمن صيفا ساخنا ومكلفا بصورة غير مسبوقة، في ظل موجة حر واسعة دفعت آلاف الأسر إلى تغيير أولويات إنفاقها وتخصيص موازنات إضافية لتأمين وسائل التبريد، رغم التدهور الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية. ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير معتادة في مختلف المدن اليمنية، بما فيها العاصمة صنعاء المعروفة بطقسها المعتدل نسبيا، تحولت المراوح والمكيفات الهوائية إلى سلع مطلوبة بشكل متزايد، الأمر الذي انعكس على أسعارها وحجم الطلب عليها.
وأدى ارتفاع الإقبال على شراء المكيفات والمراوح إلى زيادة أسعار معظم أصناف أجهزة التكييف بنسبة تجاوزت 15% خلال الفترة الأخيرة، بحسب تجار في الأسواق المحلية، في وقت تعاني فيه غالبية المدن اليمنية من انقطاعات طويلة ومتكررة للتيار الكهربائي. وأمام هذا الواقع، اتجهت شريحة من الأسر إلى شراء ألواح الطاقة الشمسية لتشغيل أجهزة التبريد وفقاً لقدراتها المالية، ما أضاف أعباء جديدة إلى كلفة مواجهة حرارة الصيف.
وتتفاوت أسعار المكيفات في الأسواق اليمنية بحسب السعة والحجم والعلامة التجارية وبلد المنشأ. ففي صنعاء، تتراوح أسعار بعض المكيفات ذات السعة الصغيرة بين 45 ألفا و60 ألف ريال (نحو 85 إلى 113 دولارا)، بينما ترتفع في عدن إلى أكثر من 100 ألف ريال (نحو 62 دولارا وفق سعر الصرف المحلي)، نتيجة الفارق الكبير في سعر الصرف بين المدينتين، حيث يناهز الدولار 1600 ريال في عدن مقابل نحو 530 ريالا في صنعاء. كما تتوفر أنواع أقل سعرا تتراوح بين 15 ألفا و30 ألف ريال (نحو 28 إلى 57 دولارا في صنعاء)، في حين تصل أسعار بعض المكيفات المتطورة إلى ما بين 150 ألفا و300 ألف ريال يمني، أي ما يعادل نحو 283 إلى 566 دولارا في صنعاء، بينما تتضاعف تقريبا في عدن لتصل إلى ما بين 650 و1300 دولار بحسب النوع والمواصفات.
كما تشهد الأسواق انتشارا ملحوظا للمكيفات المستعملة التي أصبحت خيارا للكثير من الأسر غير القادرة على شراء الأجهزة الجديدة، في وقت تغرق فيه الأسواق المحلية بعشرات الأنواع من المكيفات والمراوح التي تستهدف مختلف مستويات الدخل. إلا أن تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر يحولان دون وصول شريحة واسعة من المواطنين إلى هذه المنتجات. وفي مدينة عدن، حيث تتزامن درجات الحرارة المرتفعة مع أزمة كهرباء مزمنة، تغيرت أولويات كثير من السكان بصورة جذرية. ويقول المواطن حامد الأصبحي لـ"العربي الجديد" إن الاهتمام بوسائل التبريد بات يتقدم على كثير من الاحتياجات الأخرى، موضحاً أن شراء قوالب الثلج أصبح بنداً يومياً في مصروفات العديد من الأسر رغم ارتفاع أسعارها، حيث تتجاوز كلفة الكمية اليومية اللازمة للأسرة الواحدة ثلاثة آلاف ريال (نحو 1.9 دولار).
ويضيف أن أزمة الكهرباء جعلت الاستفادة من المكيفات محدودة حتى بالنسبة لمن يمتلكونها، ما دفع كثيراً من السكان إلى البحث عن بدائل أخرى للتخفيف من وطأة الحر الشديد. أما توفيق ناجي، فقد اضطر إلى شراء مروحة يدوية بسيطة لا تحتاج إلى كهرباء، موضحا لـ"العربي الجديد" أن كلفتها بلغت نحو 20 ألف ريال (نحو 38 دولارا في صنعاء)، رغم محدودية قدرتها على التبريد، لكنها تبقى أفضل من البقاء لساعات طويلة في أجواء حارة داخل المنزل.
وفي المقابل، أنفقت أسر أخرى مبالغ كبيرة لشراء أجهزة تكييف وألواح طاقة شمسية لتشغيلها خلال ساعات محددة من اليوم، خصوصا في المساء. كما اضطرت بعض الأسر إلى الانتقال مؤقتا للإقامة في فنادق أو شقق مفروشة تتوفر فيها الكهرباء، بسبب وجود مرضى أو أطفال أو كبار سن لا يستطيعون تحمل درجات الحرارة المرتفعة.
ولم يعد الطلب المتزايد على وسائل التبريد مقتصرا على المدن الساحلية مثل عدن والحديدة والمكلا، بل امتد إلى صنعاء التي لم تكن المراوح تحتل فيها هذه المكانة خلال السنوات الماضية. فبحسب ما رصدته "العربي الجديد"، أصبحت المراوح ومكيفات الهواء ضمن أولويات كثير من الأسر في العاصمة، في تحول يعكس تأثير التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة بصورة لافتة. ويقول المواطن مبارك الحيمي، من سكان صنعاء، إن المروحة دخلت منزله لأول مرة هذا العام بسبب الارتفاع غير المعتاد في درجات الحرارة. ويضيف أن سكان صنعاء اعتادوا برودة الطقس شتاء واعتداله صيفا، لكن الأوضاع هذا العام مختلفة، ما دفع كثيرا من الأسر إلى شراء وسائل تبريد لم تكن ضمن احتياجاتها الأساسية سابقا.
وتشير تقديرات العاملين في القطاع التجاري إلى أن الطلب على المراوح والمكيفات ارتفع بنحو 50% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مدفوعاً بموجة الحر الحالية واتساع نطاق استخدامها في مدن لم تكن تعتمد عليها سابقا. وتظهر بيانات مسح ميزانية الأسرة الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء قبل الحرب أن الإنفاق على المراوح الكهربائية كان محدوداً نسبيا مقارنة ببقية الأجهزة المنزلية المعمرة. غير أن التطورات المناخية والاقتصادية خلال السنوات الأخيرة أعادت رسم أولويات الأسر، وأدخلت وسائل التبريد ضمن قائمة الاحتياجات الأساسية لكثير من اليمنيين. ويؤكد أحمد الشوافي، مالك محل لبيع الأدوات الكهربائية والمنزلية، أن المراوح أصبحت الأكثر طلبا بين مختلف أجهزة التبريد بسبب أسعارها المقبولة نسبيا، إذ تتراوح بين خمسة آلاف و20 ألف ريال (نحو 9 إلى 38 دولارا في صنعاء) بحسب النوع والحجم.
من جانبه، يقول عمار قاسم، وهو بائع في أحد محال الأدوات الكهربائية والإلكترونية، إن شراء المكيفات يتركز غالبا بين الأسر المقتدرة والجهات والمؤسسات والشركات، موضحا أن الطلب على أجهزة التبريد ارتفع بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة مقارنة بالأعوام السابقة. وأضاف أن التجار اضطروا إلى زيادة مخزونهم من المراوح والمكيفات لمواكبة الطلب المتنامي، بعدما كانت هذه المنتجات تشكل جزءاً محدودا من مبيعاتهم السنوية. وأشار إلى أن كثيرا من المكيفات والمراوح كانت تبقى في المخازن لفترات طويلة خلال الأعوام الماضية، بينما أصبحت اليوم من أكثر السلع طلبا مع استمرار موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news